
حين نستقرئ منزلة الاتحاد العام التونسي للشغل في المجال
السياسي التونسي ما بعد الرابع عشر من شهر جانفي لسنة 2011، نقف عند أزمات معقدة
صلب هذه المنظمة التاريخية قد تنبئ بتحولات عميقة في الآتي من الزمن، وإن سعى
البعض إلى إخفائها وتعميتها وصرف الأنظار عنها، وكأن الاتحاد في منأى عن تلك
التحولات السياسية والاجتماعية التي تعصف باللحظة التونسية المعاصرة، أو كأنه كتلة
عمالية متجانسة بإطلاق، أو هو جهاز نقابي أنموذج أو مثال يتعالى في قلعته عن
الواقع التونسي المعيش فلا يتأثر بالأحداث من حوله ... وقد انضافت إلى أزماته الداخلية
المتقادمة أزمة جديدة مع انهيار مفاجئ لنظام الحكم ، نظام ارتبطت به سياسة
الاتحاد منذ عشرين عاما، كانت علاقة حيوية تقوم على مبايعة الحاكم والتزلّف
إليه، لم يقع خلالها أي تصادم بين المنظمة الشغيلة وبين هرم السلطة، كانت هنالك
مصالح مشتركة بين الاتحاد وبين النظام ، رغم التململ الذي أبدته كثير من القواعد
النقابية المناضلة ضد سياسة المكتب التنفيذي∙∙∙ عشرون عاما تراكمت فيها أزمات متداخلة، من غبن اقتصادي
للطبقة العاملة وقهر اجتماعي وسطو على المؤسسات العمومية تحت مسمى
"الخوصصة"، ونهب منظم واحتكار أقلية غنية لكل فرص الحياة، تحولت
فيه الطبقة الكادحة إلى فئة من العبيد أو الخدم للسيد البرجوازي الغنيّ، حينها
كانت المنظمة النقابية عاجزة تماما ومستلبة وبلا إرادة ∙
كيف يمكن أن نفسر ذلك التناغم والانسجام بين الاتحاد وبين دولة بن علي في
حقبة امتدت على مدار عقدين من الزمن، لقد كان النظام مسيطرا تاريخيا على المنظمة
منذ الضربة القوية التي وجّهت إليها أواخر عهد بورقيبة منتصف الثمانينات، فتمّ
الزجّ "بالحبيب عاشور" في السجن مع بعض من رفاقه ونصّب مكتب تنفيذي موال
للنظام ، حينها كان "بورقيبة" شيخا هرما مريضا، فاستبدّ بن علي بالأمر
كحاكم مطلق وانتصر أمنيّا، ثم تساقط المعارضون السياسيون تباعا كأوراق التّوت
بداية التسعينيات في مواجهة جهاز قمعي استبدادي شرس لا يستنكف عن القتل والاستئصال
والتجويع، فتحالف الاتحاد وشقّ آخر من المعارضة التقليدية مع بن علي ورضخوا
للمعادلة، وانخرطوا في النظام القائم لقاء امتيازات خاصّة وارتدوا بردة السلطان
واقتاتوا من مائدته، وفي المقابل أدخل الشقّ المعارض الذي امتنع عن أداء فروض
الطاعة إلى غيابات السجون أو شرّدوا في المنافي أو اغتربوا وهم بين ذويهم،
كان وجعا عميقا حين مات الفكر وأعدمت الحرية وضاق الأمل في الحياة الإنسانية
الكريمة∙
حين آل
الأمر إلى "زين العابدين بن علي" وحقّق غلبته الأمنيّة والسياسية في
مواجهة خصومه، تشكّل تدريجيا داخل النسيج الاقتصادي والسياسي التونسي تحالف
جديد يجمع بين قوّة رأس المال للبورجوازية التونسية الثريّة، وبين النفوذ السياسي
المتعاظم لعائلة بن علي، تأسّس حول نواة ضيّقة هي عائلة الرئيس وزوجته ، كان زواج
متعة بين الرأسمالية المتوحّشة وبين سلطة قهريّة مطلقة، فتفاقم الظلم
الاجتماعي وشهدت الأخلاق الجماعية تفكّكا مرعبا، فتحكّمت الأخلاق المادية
الجشعة في منظومة القيم السلوكية، من قبيل الاحتيال المنظّم وسرقة المال العام
والرشوة والأنانية الفردية وتغليب ما هو ذاتي على الشأن الجماعي، وتحولت أفانين
الاحتيال والغشّ المالي والنّصب العقاري إلى سلوكيات يفخر بها البعض ويعتبرها
سلوكا مشروعا وهو ما يطلق عليه بالعامية التونسية "تدبير راس"، أمّا
الأمانة والصدق والثقة وبذل الجهد فتحوّلت إلى قيم أخلاقية بالية تثير السخرية
والشفقة بل تساوي الحمق والبله أحيانا ∙∙∙
وقد اتّبع بن
علي مع معارضيه سياسة العصا والجزرة، كان الجميع يعلم أنّ بن علي يسمح بالإثراء
المشبوه للمسؤولين السياسيين والنقابيين والإعلاميين في ما يشبه الرشوة السياسية،
كان فتاتا يلقى على موائد اللئام مقابل الولاء المطلق للنظام القائم والصمت
عن المظالم وتنفيذ التعليمات في خنوع، فإذا توجّس الرئيس أو غضب من بعض
المسؤولين فإنه يلقي بالملفات المالية إلى القضاء باسم تحقيق العدالة والحرص على
تطبيق القانون، هذا ما حصل مع "اسماعيل السحباني" في النقابة وهو ذات ما
حصل مع "عبد الرحمان التليلي" و"محمد مواعدة" في المجال
السياسي واستقرّ بهم الأمر في السجن دهرا ومثل حالهم كثير∙
في
الأثناء تحول الاتحاد العام التونسي للشغل إلى قاعدة خلفية تسند نظام الحكم وتحفظ
السّلم الأهلي وتمنع أي شكل من أشكال الرّفض أو الاحتجاج، فالقيادة النقابية تشارك
في احتفالات السابع من نوفمبر، وتبارك السياسة الحكيمة للسيد الرئيس وقيامه على
مصالح وحقوق الشغالين، وتناشده وتتوسّل إلى حضرته أن يستمر في حكم تونس "هذا
البلد العاقر"، وتفاوض في خجل لتحصيل بعض الزيادات المذلة للأجراء والتي
تتحول إلى مكرمة رئاسية من لدن سيادته في ما يشبه المسرحية ذات الإخراج الرديء ∙∙∙∙، هو الرئيس رمز الحكم الرشيد وصاحب الانجازات الاقتصادية
وكفيل الفقراء والمحتاجين ونصير العمال شهدت معه تونس عهدا جديدا سعيدا ∙∙∙، هذا هو الخطاب الذي كان يسوّق لدى قيادات حزب التجمع ولدى
أعضاء المكتب التنفيذي في الاتحاد على حد السواء، وقد تكفلت صفحات" الفيس بوك"
بتوثيق تلك الخطب الرنانة ل"عبد السلام جراد" على سبيل السخرية والتهكم
، فقد تحول "الفيس بوك" إلى سلطة خطاب ينافس الإعلام التقليدي، أو هو
حافظ للذاكرة الجماعية، أو هو الأرشيف الذي يخزن الماضي حتى لا يطويه النسيان، بل
يستعيده في كل حين وآن حتى يكون شاهدا على التاريخ ∙∙∙
هنا تغوّل
أصحاب رؤوس الأموال واستحوذت أقليّة جشعة على الغنيمة الاقتصادية والسعادة
الاجتماعية بل على جميع فرص العيش الكريم، وتراجعت القدرة الشرائية للفرد التونسي
بشكل مفزع، وانتشر الفقر والبطالة وتسارعت وتيرة التضخم الاقتصادي وأغرقت الطبقة
المتوسطة في ديون الاقتراض البنكي حتى النخاع، في حيف اجتماعي لم تشهده تونس حتى
زمن الاستعمار، وكانت قيادة الاتحاد وقتها عمياء خرساء صماء، ففي تونس اليوم ثريّ
غنيّ يمتلك أسطولا من السيارات والعقارات والمؤسسات والحسابات البنكية والطائرات
والنزل والمصانع في مقابل آلاف العمال الجياع المحرومين والفقراء المعطلين قسرا
أولئك الذين يصلون الليل بالنهار كدحا وضنى لتحصيل لقمة العيش ولا حيلة ∙∙∙ هنا قد نتساءل ما هي مسؤولية الاتحاد عن هذه الأزمة
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ هل هو شريك في تدهور وضعية الطبقة العاملة؟
أم هل هو براء من دم الكادح المطحون زمان بن علي، براءة أبناء يعقوب من دم
يوسف ∙
توضحت
الأزمة في العلاقة المتوترة للاتحاد مع الطبقة العاملة في أحداث الحوض المنجمي عام
2008 حين تخلى عن نقابيين مناضلين أطردوا من العمل أو سجنوا، وبعد الثورة
توجّس الاتحاد خيفة من التعددية النقابية كضديد للنقابة التاريخية، وتأكّد هذا
الصراع مع إضراب قطاع النقل في تونس العاصمة خلال صائفة 2011بإشراف نقابة
"اتحاد عمال تونس" بقيادة "اسماعيل السحباني"العائد إلى
المشهد النقابي بعقلية تقليدية لم تفهم تغير الأذهان ، في تمرّد صريح عما كان
يعتبره "عبد السلام جراد" حصنه المنيع ، ثم تواترت مشاهد انسلاخ بعض
المنخرطين من المنظمة الأمّ، و كذلك تململ قطاعات نقابية مختلفة ∙∙∙، فجاءت دعوة الاتحاد إلى مظاهرة حاشدة بشارع محمد الخامس
خلال تلك الصائفة في محاولة لاستعادة الزّخم الجماهيري وحشد العمال، فإذا هي أعداد
محتشمة ذات صوت باهت بلا روح أو حماسة، تذكرنا بمسيرات" التجمّع
"المنحلّ قبل سقوط النظام حين ينتصر للقضايا القومية زيفا ، كان تقديرا سيّئا
لأنّ ما لم يفهمه المكتب التنفيذي في تلك المرحلة هو أنه بلا قواعد شعبية،
وأن المنخرطين في الاتحاد في أغلبهم قد فقدوا الثقة في الهيكلية النقابية الحالية،
ويرومون أن تهبّ رياح التغيير على كيان الاتحاد وأنّ استنفار المريدين
والأتباع لقاء أعطيات أو لأجل مصالح ضيقة ما عادت حيلة تنطلي على الرأي العام في
تونس .
قد نرى في زاوية أخرى
أن اختيار مدينة "طبرقة" لاحتضان مؤتمر الاتحاد ومنع الصحافة من تغطية
مداولات المؤتمر، إنما هي حيلة للفرار من مواجهة الجماهير العمالية في المدن
الكبرى والإلتفاف على الرغبة في الإصلاح إزاء الرأي العام، لأن الحلف المسيطر الآن
على المكتب التنفيذي ليس مستعدا للتخلي عن حكم الاتحاد والانسحاب منه، إنه
يريد أن يعيد إنتاج نفسه كي يتواءم مع المرحلة ويحافظ على مصالحه، أو هو يرسم
قواعد جديدة للعبة الشدّ والجذب بين العامل السياسي والعامل النقابي ، فانتخاب
"حسين العباسي" على رأس المنظمة الشغيلة قد جاء في سياق محافظة التحالف
المهيمن نقابيا على استمراريته وبقائه، غير أن هذا التحوير الجزئي على قيادة
الاتحاد لا يعني القبول بإصلاح جذري صلب المنظمة لأن المسألة في تصورهم لا
تعدو أن تكون خلع جبّة السابع من نوفمبر، وارتداء سربال البطل الثائر وهو يدخن
سيجارة "شي غيفارا"، هو سخف العقل وامتهان الأفهام، لأن المسألة تستدعي
في الأصل إصلاحا عميقا في بنية اتحاد الشغل في نقاباته وهياكله ونظامه الداخلي
وقياداته أيضا وليس مجرد تطبيق للفصل العاشر∙
هذه
الأزمة تتجلى أيضا في "نسبة مشاركة الناخبين المنخرطين في النقابة" في
اختيار من يمثلهم في النقابات الأساسية، كانت نسبة المشاركة في الانتخابات
القاعدية قبل الثورة مخجلة جدا لذلك تحفّظ عليها الاتحاد دائما، ودار الحديث آنذاك
في وسائل الإعلام عن الأعداد الضخمة للمنخرطين قياسا بعدد منخرطي التجمع،
وتلك التمثيليّة الضعيفة سوف تتكشف في الدورات الانتخابية المقبلة، لأن انخراط
العمال في الاتحاد كان يعبّر في الأصل عن وعي فردي دقيق بتلك الشرعية
التاريخية القديمة لاتحاد "حشاد" المناضل، وليس بالضرورة ولاء للقيادة
الحالية . وبقدر الإقبال على الانخراط في المنظمة، بقدر ما يتكرس العزوف الجماعي
عن المشاركة في الانتخابات القاعدية لانعدام الثقة في القيادة النقابية.
ولقد كان
الارتقاء في الهرمية النقابية مقيدا دائما بالانتهازية والتحالفات المريبة، والتي
ترتبط في العادة بمدى الولاء للنظام أو أحلاف السلطة القائمة، وكان العمل النقابي
ممنوعا عن المعارضة الوطنية الحقيقية بل أرضا حراما عليها، وكنّا نرى دائما وجوها
من الحزب الحاكم آنئذ تشغل مراكز متقدمة داخل الاتحاد، كان الاتحاد زمن بن
علي آخر حصون المقاومة الاجتماعية وملاذ الكادحين المفقّرين يفرّ العامل الكادح من
جور رأس المال فيقع فريسة المحسوبية وبيروقراطية إطار نقابي يقايض أحلام المضطهدين
في سوق النّخاسة
∙
إنّ هذه المنظمة
حمالة لموروث نضالي طويل انطلق مع "محمد علي الحامي" و"فرحات
حشاد" في مناكفة الاستعمار وصولا إلى تأسيس الدولة الوطنية وبروز
"الحبيب عاشور"، إنها لا تشبه المنظمة النقابية زمن حكم بن علي، في عهد
"اسماعيل السحباني" أوفي ولاية "عبد السلام جراد"، فالحقبتان
مختلفتان تماما لأن اتحاد الشغل كان حليفا للدولة الوطنية بعد الاستقلال ومعارضا
موضوعيا لحكم بورقيبة، فخلق توازنا بين الدولة وبين الطبقة العاملة، أما الاتحاد
في عهد بن علي فقد كان حليفا استراتيجيا للنظام وللرأسمالية المتوحشة، بل كان
الظهير الأساسي لوأد كل الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية ولنا في أحداث الحوض
المنجمي خير شاهد على ذلك ∙
بعد انهيار
النظام تعامل الاتحاد مع المتغيرات السياسية في البلاد بعقلية انتهازية افتقدت إلى
الحنكة السياسية وعمق البصيرة، فالمشهد السياسي قد تغير إلا أن الاتحاد لم يتبدّل،
ظل يتعامل بذات الأساليب التي عهدناها زمن بن علي، سواء مع حكومة
"محمدالغنوشي" أو مع حكومة "الباجي قائد السبسي"، بمعنى أن تعقد
صفقات سياسية لتحقيق مصالح ذاتية بالأساس ، إنهم في الأغلب مسؤولون نقابيون
يفتقدون لآليات التحليل العلمي والمعرفي، ففي عهد بن علي تمّ تفريغ الاتحاد
من طاقاته ونخبه، وصعدت إلى المشهد النقابي مجموعات هزيلة التكوين في الأغلب
الأعمّ، لا تمتلك القدرة على فهم الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فبعض
الوجوه النقابية الحالية ومع احترامنا لها لا تتحوز أدنى تكوين علمي ضروري لتحليل
الوقائع السياسية وربطها بالعامل الاقتصادي وبالحراك الاجتماعي ، إنه يشبه إلى حد
كبير التجمع الذي كان حزبا للأغنياء وطلاب السلطة، في حين أن الاتحاد كان حزبا للفقراء
لا يدافع عن الكادحين بقدر ما يساهم في ترويضهم، وفي تحقيق مصالح رأس المال.
نحن نقصد أن
سياسة الاتحاد خلال عشرين عاما كانت مسؤولة في المجال النقابي على انتشار الفقر
والبطالة وضياع الحقوق الفردية وتدهور القدرة الشرائية، بل كانت شريكا لبن
علي في تنفيذ سياسات اقتصادية خاطئة وجائرة في القطاعين العام والخاص، تخدم مصالح
ضيقة على حساب منفعة المجموعة الوطنية، بفهم مبسط وسطحي أحيانا ... أين كان
المكتب التنفيذي حين فرطت حكومة بن علي في مؤسسات وطنية وسرحت فيها آلاف العمال؟
مثل شركة صناعة السيارات بسوسة أو اتصالات تونس أو المغازة العامة وغيرها
كثير ... كيف نفسر نجاح الاتحاد القديم عهد بورقيبة في بناء نزل أميلكار الفخم في
زمانه ثم يؤسس شركة تأمين الاتحاد؟ غير أن تلك التركة قد بددها سوء التصرف
المالي داخل الاتحاد نفسه زمن بن علي، فأفلست شركة التأمين وأدرج النزل الفخم في
مزادات التأجير∙
كانت
الانتخابات الأخيرة للمجلس التأسيسي اختبارا حقيقيا لمنزلة الاتحاد سياسيا، ففي
البدء غلبت على قيادته حالة من التردد، هل يشارك الاتحاد في الانتخابات بقوائم
مستقلة كي ينافس الأحزاب السياسية في مغامرة غير مضمونة النتائج؟ أم يلتزم
الحياد الشكلي ويكتفي بترصد التغييرات وإعادة ترتيب الأوراق لاحقا؟ وقد
انتهى القرار إلى التخلي عن فكرة المغامرة السياسية، بيد أن قيادة الاتحاد لم
تلتزم الحياد في الواقع بل كانت طرفا فاعلا، فقد شاركت أطراف عمالية في الانتخابات
بقوائم حزبية أو مستقلة، وساندت وجوه نقابية معروفة أحزابا دون أخرى، وانتهىت
الانتخابات إلى رسم خارطة سياسية جديدة في المشهد التونسي، بما يخالف توقعات
المكتب التنفيذي للاتحاد حين فاز الإسلاميون وحلفاؤهم بالأغلبية ∙∙∙
كان ردّ فعل
المكتب التنفيذي في البدء عاطفيا ومفتقدا للبصيرة السياسية خاصة تصريحات الأمين
العام المساعد والناطق الرسمي سابقا باسم الاتحاد "عبيد البريكي" بخصوص
تشبيهه اتحاد الشغل ب"الماكينة" التي تطحن وتحطّم كل من يتصدّى لها،
فخلط بين الاتحاد كمؤسسة وبين النقابي كمواطن، وكأن قيادة الاتحاد بمنأى عن علوية
القانون، فقدّم صورة فظّة للنقابي المتمرّد على الدولة، المتمترس
ب"الفتوّة"التي لا تعترف باحتكار الدولة للعنف، والمستعدّ لمنازلة
السياسي بإرادة القوة التي يتوهّمها ويسوّقها للجماهير وللأحزاب السياسية... إنّه
لم يفرق بعد بين تعامله مع حكومة بلا شرعية وضعيفة يترأسها "الباجي قائد
السبسي"، وبين منازعته لحكومة منتخبة تتمتع بشرعية دستورية وبمساندة شعبية
واسعة وإرث نضالي طويل∙
لقد تنادت قيادة الاتحاد إلى شنّ إضرابات في قطاعات مختلفة لإرباك الحكومة
الجديدة وابتزازها في ما يشبه سياسة ليّ الذراع، أو هو تذكير للسياسيين الجدد بأن
الاتحاد لا يزال صلبا قائما، وكذلك لتحصيل تنازلات ظرفية، وصرف الأنظار عن الدعوات
المتكررة لإصلاح المنظمة النقابية وكشف ملفات الفساد فيها . وقد رصد الملاحظون في
عالم "الفيس بوك" ردود فعل شعبية تندد بانتهازية القيادة النقابية وترفض
بالكليّة سياسة الإضرابات التي تتهدد الاقتصاد الوطني بالخراب وتسعى لتوظيف
النقابة في مآرب سياسية ضيّقة∙
هكذا فقد أكدت نتائج
الانتخابات نهائيا أن الاتحاد لا يمتلك قواعد جماهيرية مخلصة وموالية له يمكنها أن
تؤثر في رسم ملامح المشهد السياسي ، لأن الإنتماء الحزبي والإيديولوجي يكون عادة
أشدّ صلابة وأقوى تأثيرا من الإنتماء النقابي، وبدا جليّا أن الفاعلين الفائزين في
الانتخابات قادرون على التأثير مستقبلا في المجال النقابي والعمالي، نقصد أن صراعا
مقبلا سينشأ في الساحة العمالية بين الجهاز المسيطر حاليا على المكتب التنفيذي
والمتحالف مع بعض القوى اليسارية التقليدية والمهزومة انتخابيا، وبين طامحين
نقابيين جددا قد يتكاتفون مع تيار إسلامي ممتلئ بذاته، يبحث عن موطئ قدم له في
الاتحاد بما يعادل حضوره الجماهيري سياسيا واجتماعيا، بل إننا نزعم أن العامل
السياسي ما بعد الانتخابات سيؤثر حتما في الجسم الداخلي للمنظمة النقابية
مستقبلا، وأنه يؤذن ببداية صراع إيديولوجي بين اليسار والإسلاميين صلب العمل
النقابي.
في
جهة أخرى، تتجلى أزمة الاتحاد كذلك في اتساع تمثيلية المنظمة في كامل النسيج
العمالي وفي جميع القطاعات المهنية، وهذا التوسع التاريخي في الأصل قد يفسّر على
أنه عامل دالّ على القوة والامتداد الجماهيري في المجال السياسي ، إلاّ أن هذا
الاتساع تحول إلى عائق يمثل سبب ضعف حقيقي في القدرة على التسيير الإداري لهذه
المنظمة المترامية الأطراف، بما يوهن بالضرورة فكرة الدفاع عن مصالح الطبقة
العاملة، فضلا عن عامل البيروقراطية الإدارية الذي يعني المحسوبية والفساد الإداري
والمالي ∙
إنّ الاتحاد هذه
المنظمة المريضة والمترهّلة في الواقع، لا يمكنها أن تستمر على شاكلتها الحالية،
إنها في حاجة إلى إصلاحات جوهرية، ولعل العائق الأكبر إنما هو غياب الوعي بضرورة
التغيير وأن قواعد اللعبة قد تبدّلت بعد الثورة، وأنه ليس بالإمكان المحافظة على
نفس السياسة بذات الوجوه التي تتمسك بمصالح شخصية حوّلت المنظمة إلى ما يشبه
الإقطاع العمالي ، ثم إن كل دعوات الإصلاح لا يمكنها أن تنتقل بالاتحاد إلى برّ
الأمان، لأنه ليس بالإمكان أن تسير المنظمة كل تلك القطاعات الواسعة للطبقة
الشغيلة وفق تحالفات بين أطراف لا تمثل ثقلا في الواقع وارتبطت تاريخيا بالنظام
البائد، أو تحت إشراف قيادة تتكون من مجموعة أفراد استبدوا بمناصبهم منذ عقود في
رفض لفكرة التداول على المناصب النقابية ديمقراطيا، وأّنّ تطبيق الفصل العاشر
وإزاحة عبد السلام جراد إنما جاء تحت ضغط الرأي العام وليس قناعة مبدئية بفكرة
الديمقراطية.
ولعلّ تأسيس
كنفدرالية للنقابات سيشكل نقلة ثورية في العمل النقابي، بمعنى أن تتجزّأ المنظمة
الأمّ إلى نقابات منفصلة لكل قطاع اجتماعي تتمتع باستقلال ذاتي واسع، وأن ينخرط
جميعها في كنفدرالية تسمح بالدفاع عن الخصوصيات العمالية لكل قطاع في
استقلالية عن المركز، وتتخلص بالتالي من التبعية للمكتب التنفيذي الذي كبّل بشدة
نضالات العمال وربطها بمصالح سياسية ضيقة، فالجهد النضالي إبّان الثورة ذاك الذي
قام به نقابيون ينتمون إلى القواعد الدنيا للاتحاد من معلمين وأساتذة وموظفين في
سيدي بوزيد والقصرين كان مجهودا فرديا وطنيا ومستقلا، عارضه المكتب التنفيذي بشدة
في البداية ولم ينحز إلى الجماهير إلا بعد أن تأكد من سقوط النظام، ونستثني هنا
نقابة التعليم الثانوي وكثيرا من النقابيين المناضلين الذين أضفوا على تجمعات ساحة
محمد علي شرعية نقابية وحقوقية حين أغلق المكتب التنفيذي أبوابه ونوافذه أمام
المتظاهرين ضد حكم بن علي∙
قد نولّي نظرنا
شطر إحدى أهم القطاعات النقابية داخل الاتحاد، ونقصد "النقابة العامة للتعليم
الثانوي" التي تضم أكبر عدد من المنخرطين والمناضلين، هذه النقابة قادرة على
أن تستقل بذاتها عن المركز وتقطع مع التبعية العمياء للمكتب التنفيذي، وأن تنشئ
مشروعا لنقابة مستقلة تضمّ كل رجال التعليم، في الابتدائي والثانوي والعالي، بل
تشمل كل ما يتصل بالعملية التربوية من متفقدين وقيمين وإطارات في استقلالية تامة
عن اتحاد الشغل، هو مشروع طموح لفكرة تخامر البعض، أن يتأسس تنظيم نقابي يسمح
لقطاع واسع من الطبقة المثقفة والمتعلمة في أن تساهم في المجال التعليمي والثقافي
والفكري، وأن تؤثر بثقلها في سياسة الدولة القادمة على شاكلة النقابة الوطنية
للصحافيين أو الهيئة الوطنية للمحامين، وأن تكون نقابة التعليم صوت العقل والمعرفة
والحكمة، دون التخفي في احتشام خلف عباءة اتحاد منتفخ ومريض قد أصابه البلى
"كحال العصا في يدي سليمان النبي وهو ميت"، قد يؤوّل البعض هذه الرؤية
باعتبارها هدما لاتحاد حشاد أو هي ضرب لوحدة العمل النقابي، إلاّ أننا نراها خطوة
ضرورية نحو التجديد والقطع مع الماضي في سياق ثوري، فالتعدّد والكثرة ضامن لحق
الاختلاف ونقيض للفكر الأحاديّ المستبدّ، وأنه لا وجود لفكرة نقابية محنّطة أو
مقدّسة أو ثابتة، فالتغير جزء من كينونتي أنا الإنسان بل التغير هو تاريخ
الإنسان∙
بقلم الأستاذ
المعز الحاج منصور