إثر كل عملية إرهابية تتعالى أصوات السياسيين : "حيّ على
الوحدة الوطنية"
ثم تتالى التصريحات فإذا الصوت يتلاشى , وإذا الوحدة أثر بعد عين ...
أتراهم يدعون إلى الوحدة ولا يعرفون السبيل إليها؟
أتراهم يزعمون فتح أبواب الوحدة ويتقاعسون عن اجتياز العتبات إليها؟
***
بعد الأحداث الإرهابية بنزل "إمبريال" سوسة مضت جموع من
السياسيين ممّن أداروا البلاد أو يديرونها تخوض في الحديث عن الفكر التكفيري بحثا
في أسبابه وأصوله وإيضاحا لأخطاره واستشرافا للإعصار المقبل نحو أرضنا ولعلّهم لم
يدركوا بعد , كما لم يدركوا من قبل أنّنا في عين الإعصار وإن لم يشعروا أو إن هم
كذبونا القول مذ أوهمنا أهل "الترويكا" أنّ "الإرهاب رياضة"
وأن "الأفغنة تبشير بثقافة جديدة" إلى يوم أوهمنا النداء بأنّه لهيبة
الدولة حافظ فإذا الهيبة تستحيل هباء يفرّ من بين أصابعه حين سارت جحافل حزب
التحرير في سيارات تتحدّى لوحاتها المنجمية هيبتهم , بل تتحدى القانون والدولة
لتكتب اسم دولة الخلافة بديلا عن دولة مدنية نكاد نضيعها
وإذا الهيبة هباء يفرّ من بين أصابعه ونحن نرى رجل أعمال يعتلي صهوة السياسة
الخارجية مع من اعتلاها , فضرب عصا الترحال نحو فجر ليبيا , ودق لخيمة التفاوض
خيمة –لعله أراد للدولة أن تدخلها طائعة أو مجبرة-
***
يحاول من أداروا البلاد ومن يديرونها أن يتطهّروا من ذنب استقدام إعصار
الإرهاب -لأخطاء سياسية ارتكبوها أو لسوء قراءة وتقدير أو لارتعاش أيديهم...-
بإبراز ما لحق عباءة الحكم من أدران قبل أن يرتدوها
ونذهب إلى ماذهب إليه الإعلامي عبد الباري عطوان في أحد مقالاته الأخيرة حين
اعتبر أنّ الإرهاب "بضاعتنا التي ردّت إلينا"
بضاعتنا من أسلحة الناتو التي فتحت لها "حكومة الباجي قايد السبسي"
بعد الثورة معابر لتمرّ إلى ليبيا
وبضاعتنا من الإرهابيين التي فتحت لهم حكومة الترويكا مدارس شرعية وغضّت
الطّرف عن جمعياتهم الوهابية ليلبسوا الإرهاب لبوسا جهاديا دينيا لا يحلّ في غير
سوريا , وأشرعت لهم أبواب الحدود التونسية ليمضوا في رحلة التكوين المعمّق في
نظريات التكفير , والتكوين التطبيقي في الذبح والتقتيل...
أفليسو جميعا مذنبين وإن سعوا إلى التطهر لا بالاعتراف بخطاياهم ومحاولة
التكفير عنها بمراجعة أفكارهم وسياساتهم وإنما بالتراشق بالتأثيم والتجريم ؟
***
إثر الأحداث
الإرهابية بسوسة-وربما قبلها- اكتشفنا أيضا أنّ "للفكر التكفيري" في
مجتمعنا طبقات...أقصاها الإلغاء المادي بالقتل والذبح وأدناها الإلغاء المعنوي
بإضمار الكثيرين الموافقة أو التشفي أحيانا وإيجاد التبريرات لفعل القتل...
أي نعم للفكر التكفيري طبقات تبدأ ممّن ترجَمَ "فكره الأعمى" رصاصا
يصيب الآخرين , وتنتهي –ربّما- عند أولئك الذين "قلوبهم معنا وسيوفهم في
نحورنا" أولئك الذين سرعان ما يستدركون دمعة تغلبهم لمشهد موت الأبرياء
بتبرير فعل القتل الذي لم يصب غير "المفطرين , والمسيحيين الكفرة...
"
***
لكن دعونا من هذا الاستطراد المتصل بطبقات الفكر التكفيري ودرجاته ولبِنَاته
التي تمثّل بعضا من مكوّنات البناء الثقافي المجتمعي , ولنمض إلى جولة في أسواق
الاتّجار السياسي حيث اعتدنا شتى أشكال الاستثمار الشخصي والحزبي للمِحَنِ و
المآسي الوطنية:
من استثمار شعارات العدالة والحرية والكرامة والثورة...
إلى استثمار الدم ...
محاصرون نحن
داخل حلقات العبث لا نغادر إحداها إلاّ لنقع في غيرها :
في البدء تكون حلقة عبث الفعل الإرهابي يتلهّى بالقتل وتجديد القتل...
ثم تكون حلقة عبث ردود الفعل السياسي , ومبتدأ هذه الحلقة يكون بإطلالات
التصريحات الإعلامية للطّبقة السياسية (بمختلف أطيافها وأيديولوجياتها ومواقعها)
تبشّرنا بالقطع مع زمن التشرذم والصراعات المصلحية الذاتية والحزبية والأيديولوجية
والتأسيس لزمن "الوحدة الوطنية" لكن سرعان ماتتقطع بهم
السبل فيكون منتهى الحلقة عودا على بدء إذ سرعان ما يهوي شعار الوحدة لتعلو
الهتافات في سوق الساسة :
"
وامصلحتاه"
"واحزباه"
"وا
إيديولوجيّتاه"...
***
يتصدّع شعار "الوحدة " الذي تجدد رفعه بعد أحداث نزل إمبريال
سوسة" حين يهوي عليه رئيس الجمهورية بمعاول تجريم التحركات الاجتماعية ومن
ورائها النقابات والتحرك المعروف ب"وينو البترول" والأحزاب المحركة له (
رغم أننا لا نجد لحادثة الحال على الأقل) صلة موضوعية بهذه التحركات ...
ويتصدّع شعار الوحدة ونحن نصغي إلى صاحبة نزل "إمبريال" وعضو مجلس
النواب تدعو إلى ضرورة بعث صندوق لمساعدة المؤسسات السياحية...
ويتصدّع شعار الوحدة ونحن نستمع إلى صوت الحبيب خذر العضو السابق في المجلس
التأسيسي عن حركة النهضة ومقرّر الدستور يدعو المشرّعين والسّياسيّين إلى مراجعة
موقفهم الداعي إلى تخفيف عقوبة استهلاك المخدرات لاعتبار أنّ مرتكب الجريمة
الإرهابية معتاد على استهلاك المخدرات
ويتصدّع شعار الوحدة بصرخة رئيس حكومة الترويكا الأولى حمادي الجبالي إذ يتوجه
برسالة إلى رئيس الحكومة الحالي يطلب منه خلالها ألاّ يأبه لأمر الرّايات البيض
والسود (وهي على حدّ علمنا رايات لا يرفعها غير الإرهابيين أو أولئك
الكافرين بالدولة المدنية)...
***
سيظل شعار الوحدة الوطنية الذي ترفعه الطبقة السياسية إثر كل عمل إرهابي شعارا
منذورا للنسيان ولو بعد حين , وسيظل أقراصا دعائية لحملات انتخابية في غير
مواعيدها , أقراصا لتسكين أوجاع المواطنين ومعاناتهم المزمنة من تجاذبات الطبقة
السياسية المحكومة بالمصالح الفردية أو الحزبية الضيقة وبتصوراتهم الأيديولوجية
المتكلّسة التي تتهاوى دونها كل إمكانيات تطبيق الوحدة الوطنية
واقعيا...

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire