مازلنا
نتوهّم الخلاص من الاستبدادَ , والاستبدادُ يسكننا ويطفو على سطح اللّغة خطابات
وشعارات تسم حوارات الصمم السياسي الحزبي الأيديولوجي بعقيدة الصوت الواحد الذي لا
يقبل له شريكا...
تؤسس
النخب السياسية والثقافية معجم الرجم عنفا لفظيا , واتهامات بالخيانة والعمالة
ورميا بالغباء والخبل والبلاهة...ويجد هذا المعجم صدى لدى القواعد الحزبية ولدى
عامة الشعب من ذوي الأهواء السياسية المختلفة وحتى أولئك الذين لاهوى لهم
وحدها الحجارة التي يقذف بها اليميني اليساري والتي يقذف بها اليساري اليميني تشيع
بين الجميع , ليلتقط هذا الطرف نفس الحجر الذي رُمِي به فيصوّبه نحو ضديده لتصير
عبارات مثل "اشربوا ماء البحر" و "موتوا بغيظكم" و "
أيّها الأبله" "لازمهم يسكتوا...لازمهم يحشموا..."(*) وما
شابهها ... جزء من حوارات البلاتوهات التلفزية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي
لست
أغالي إن استعرت قول أحد الفلاسفة لتوصيف حالة الثقافة المميزة لمجتمعنا –هنا,
الآن- التي تعكسها لغة الرّجم وطّرد الآخر المختلف من جنّة التعبير عن الرّأي
لأردد : "يركض
الجميع إلى قيودهم مصدّقين أنهم قد أمّنوا حرّيتهم"...
***
تعرّينا
هذه اللغة إذن وتكشف أننا مازلنا نستبطن ثقافة الاستبداد بالرّأي , وإن ارتدينا
أقنعة الحوارات الديمقراطية ...
ولعلّ
التجاوز الفعلي لثقافة الاستبداد يستدعي أجنحة لوعي "فولتيري"(نسبة إلى
"فولتير" تشيعه النخب الثقافية والسياسية بممارساتها العملية واللغوية
ليتسنى لها الارتقاء بالوعي الشعبي العام من قاع مصادرة الرأي المختلف إلى مدى
الإيمان العملي (لا النظري الذي لا يصدقه الفعل ولا تعبّر عنه اللّغة في زلاتها
اللّاواعية الفاضحة للجوهر الاستبدادي الذي لم تزل نخبنا محافظة عليه وإن ادّعت
خِلاف ذلك...) والمقصود "بالمدى الفولتيري" هو ما يختزله قوله :
"قد أختلف معك في الرّأي ,
ولكني مستعدّ أن أدفع حياتي ثمنا لحقّك في التعبير عن رأيك"
***
إنّ
استعارتي صورة الأجنحة للوعي المخلّص من ثقافة الاستبداد يعود إلى مقارنة تسيطر
عليّ لتجعلني أعتبر أنّ القانون الاجتماعي الثقافي كما القانون الطبيعي للحركة
كلاهما محكوم بمبدإ "الجاذبية" :
فإذا
كانت الكتلة المادية تنجذب دوما إلى سطح الأرض , فإنّ الثقافة الاجتماعية تنجذب
دوما إلى سطح "المعتاد , المألوف , السّائد"
وهذا
ما يجعل الانحدار والسقوط هما القاعدة , والارتقاء هو الاستثناء
ولما
كنا مجتمعا قد ألف الاستبداد وتربى عليه , تجدنا منجذبين إلى سطحه , نواجه عَنَتا
ومشقّة في الارتقاء إلى مراتب الديمقراطية والإيمان بشرعية الاختلاف ونرى
"نخبنا " عاجزة عن التحليق والارتقاء بوعيها الخاص ومن ثمة بالوعي
الشعبي العام ...
نراها
تنطّ في مكانها توهمنا أنها ترتجي المضيّ إلى فضاءات حرية الرأي والإيمان
بالاختلاف , غير أنها-فيالحقيقة- تظل مشدودة منجذبة إلى سطح الاستبداد المألوف ,
السائد , ويكشف دوي صوتها وهي تلوذ بلغة الرجم :
"اشربوا ماء البحر"
"أيها الأبله"
"اسكتوا...احشموا شوية..."
عن
حجم سقطتها , وانحدارها ...
***
نخبنا
السياسية والثقافية مازالت عاجزة عن التحليق إلى فضاءات الديمقراطية والإيمان
بحرية الرأي , نخبنا مازالت تنط على سطح الاستبداد وتوهمنا بأنها تخلصت من
انجذابها إليه...
ولنا
أن نعتبر "حركة نطّها" هذا بأنّها الحركة التي مازال هؤلاء
"الديمقراطيون المستبدّون" لم يتقنوا غيرها
وليس
من العجب في شيء أن نسميهم "الديمقراطيين المستبدين" لأنهم على خلاف
"فولتير" يؤمنون بأنهم أحرار في التعبير عن آرائهم لكنهم غير مستعدين
للقبول برأي الآخر , ينزلقون إلى لغة الرجم عنفا ورجما وتخوينا...
ولعلّ
أخطر ما في الأمر أنّ مثل هذه الخطابات تمثّل تهديدا حقيقيا للعيش التشاركي القائم
على الحوار متعدد الأصوات , وتنذر بإنشاء جزر حزبية أيديولوجية لا يسمع ساكنها غير
رجع صوته...
(*)اُنتُقِيَت الأقوال المذكورة
لأنها وإن نسبت إلى حساسيات سياسية وأيديولوجية مختلفة يمثلها (محمد
عبو"اسكتوا...احشموا شوية" أو "سهام بادي "اشربوا ماء
البحر" أو حسن بن عثمان "أيها الأبله"...) إلاّ انها وغيرها من
الأقوال المعبرة عن مصادرة حق الآخر في التعبير قد انتشرت بين الناس وصارت جزء من
معجم الخطاب السياسي الذي يستعمله هذا الطرف كما يلتقطه من خالفه سياسيا أو
أيديولوجيا ليستعمله بدوره...ونشير إلى أن هذه الخطابات ليست حصرا لما أسميناه
"خطابات الرجم" وإنما هي مجرد نماذج لمعجم تثريه نخبنا السياسية في كل
حين بما تتفتح عنه قرائحها ويلاقي هوى في النفوس المسكونة بثقافة الاستبداد
بالرأي...

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire