الحقيقة الدامغة اليوم أن أعلى هرم
العدالة محكمة القانون كما يحلو للعديد تسميتها تراجعت مكانتها عمّا كانت عليه
بالأمس.. ويذهب العديد المدركين
لجناح العدالة في
تونس أن محكمة
التعقيب قبل الثورة كانت
رائدة في أحكامها
دقيقة جدا لا يتجاوز
الخطأ في قراراتها ال10 بالمئة إلا أنه
بعد الثورة و نتيجة
لسوء التصرّف وللتخبط العشوائي ولكثرة الملفات المعالجة تطور حجم الخطأ و ظهرت ما
يسمّى بالمهازل القانونية
....
انه من عجائب هذا الزمن أن يتجرأ أعلى
هرم في الهيكلة العدلية ان يتنكر لما سبق آن فصله نهائيا وتصدر قرارات تناقض مع ما
سبق حسمه في نفس النزاع و في ذات الموضوع وبين نفس الخصوم.
والغرابة تزداد حدة عندما ترفض
محكمة التعقيب تفعيل قراراتها السابقة ويجر المرء إلى التساؤل حول دور جناحي
العدالة في نكران العدالة. فهل مصدر هذا النكران يكمن في القضاء فحسب أم أن الفعل يعود إلى المحامين الاشاوس ؟
نترك للقراء الكرام حل هذا اللغز ! أصدرت محكمة
التعقيب قرارها عدد 47943 بتاريخ 20 ماي 1997 و الذي حسم نزاعا انطلق في سنة 1986
اثر امضاء عقد بيع لأصول زيتون تراجع إثرها البائع عن البيع وافتك الحوز بالقوة وتم
استرجاع العقار من المشتري بعد عشر سنوات وقد اكدت محكمة التعقيب صلب قرارها أن
عقد البيع تام الموجبات القانونية وان مسالة الثمن تم حسمها نهائيا بعد تأمين
الثمن بكتابة المحكمة الابتدائية بسوسة بعد رفض البائع قبول الثمن.
ثم طالب ورثة المشتري غرم الخسارة
التي لحقت بهم لعدم التصرف في ملكهم طيلة العشر سنوات وقد اصدرت محكمة التعقيب في
القضية عدد 25564.2008 بتاريخ 21/4/2009 قرارا وأيدت محكمة التعقيب تطبيقا لحجية
القرار عدد 47943 بتاييد القرار الاستئنافي عدد 29786 الذي قضى بإقرار مبدأ
التعويض وانتهى النزاع بين اطراف النزاع.
نكران العدالة
طرحنا تساؤلا فيما سبق بسطه لان
الامر محير اذ تراءى لورثة البائع بعد مرور خمس عشرة سنة جر القضاء الى إصدار أحكام
متناقضة للإحكام السابقة و تكاثفت جهود القضاء من خلال محكمة الاستئناف بسوسة التي
اصدرت قرارها عدد 20663 بتاريخ 15 مارس 1995 و الذي قضى بصحة العقد الرابط بين
اطراف النزاع واكدت حادثة التامين و ناقضته بإصدار قرار عدد 48372 بتاريخ
14/4/2014 تساءلت فيه حول صحة العقد ونفت
التامين واعتبرت المشترين مماطلين.
ولعب الجناح الثاني في العدالة
دورا لا يستهان به في صدور هذا القرار وخلنا ان محكمة القانون ستفض النزاع المحسوم
بنقض الحكم الا ان الدائرة التعقيبية تغض
الطرف عن سبق النظر و استنفاذ الولاية و تؤيد محكمة الاستئناف بسوسة في تناقضها
ولعل القارئ الكريم قد تبين
التناقض بين الحكمين الصادرين عن محكمة الاستئناف
بسوسة اذ ناقض الحكم عدد 48372 بعد مرور سبع عشرة سنة الحكم عدد 20663 و
كان من المفروض أن تصحح محكمة التعقيب في القضية عدد 5954.2013 بتاريخ 20/12/2013
ما فعله قضاء الاصل الا انها ساندت هذا التمشي و نقضت ما اقرته محكمة التعقيب في
قرارها عدد 47943 قبل سبع عشرة سنة خلت.
يعتبر هذا القرار بمثابة الطعنة
بسيف مسموم لقاعدة حجية الحكم القضائي. ان تأثيرات هذه الطعنة تتجاوز وقائع هذا
النزاع ومن الممكن ان تكرر وهو ما يشكل ضربة قاسية لمرفق العدالة ولا يمكن للبلاد
ان تتحمله لان شعور المواطن بالظلم يؤدي الى عواقب غير محمودة





Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire