samedi 13 décembre 2014

"الاتحاد" ... ضيعت الصيف اللبن: الهدة هدة أسد ولكن الرجعة كانت رجعة ذئب




لما صرح الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بأنه كان عليهم أن يحلوا المجلس الوطني التأسيسي في إبانه ردت عليه نائبة رئيسه بأنه عليه أن يعتذر عن ذلك والحقيقة هي أنه فعلا كان عليه أن يعتذر ولكن ليس لديها ولا لدى المجلس الموقر بل لدى الشعب المنتهك المنهك.
ولقد لوح الاتحاد في صيف 2011 بالجمع بين السياسي والنقابي جريا على السنة التي سنها زعيمه الخالد الشهيد الكبير أبو الشعب فرحات حشاد ولكن سرعان ما تخلى عن هذا التلويح واتخذ قراره بأن لا يشارك في الانتخابات وما من شك أنه تم إقناعه من رعاة الانتقال الديمقراطي ومن بينهم الكنفيدرالية النقابية الدولية ذات التوجه الليبرالي ووريثة السيزل بأنه نقابة وليس حزبا سياسيا. وتوالت استقالة الاتحاد من مساندة شعب كان يحتاجه أيما احتياج حتى لا ينتهك مزيد الانتهاك وحتى يتم تأسيس جمهوري ديمقراطي صحيح وليس أكثر من ذلك. لكن ما حصل كان خلافه. وفيه أفصل القول الآتي :
1 ـ لعل المحظور الأول الذي أوقع الاتحاد البلاد فيه بالتواطؤ مع الحكومات الوقتية هو انخراطه في المطلبية المشطة فلم يرق بالثورة إلى تحقيق مطلبها السياسي في تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي وبناء اقتصاد ذي توجه وطني منتج. ولقد شتتت تلكم المطلبية الشعبَ وألهته وفعل به ذلك قبل أن تفعل أشباه الأحزاب. فأُغرق الشغالين في القطاعية الضيقة والمصالح الصغيرة العابرة والشعب فعلا مظلوم وكلّ طالبَ برفع الظلم عنه وهذا حق.... ولكن هذا الحق لن يتحقق إلا باختيارات سياسية واقتصادية وطنية صحيحة ولقد وقعت في العام الأول للثورة زيادات في الأجور وحصلت كثير من القطاعات على امتيازات في قوانينها الأساسية بل حتى قوى الأمن الداخلي وهي أسلاك نظامية حصلت على نقابات لها وامتيازات مشطة ولكن ذهبت السنوات الثلاث وآل الأمر إلى أسوأ مما كان عليه قبل الثورة فقد ارتفعت الأسعار بشكل مشط وغلا المعاش وغيرُ المعاش وبات وضع الفئات الشعبية وطبقة الموظفين في أنكد حال وقد ضيع الاتحاد اللبن مثلما ضيعت الصيف اللبن والحال أنه لم تقع زيادات في القطاع العام في السنة الماضية وقد أبدى حرصا هذا العام على ضرورة الزيادة السنوية لذلكم القطاع. ولكن لما قررت حكومة التكنو - خراب بشكل مستبد تأجيل الأمر كله إلى السنة القادمة سكت سكوت أهل المقابر والأغرب أنها لما قررت كذلك أن تقتطع أياما عن بعض الشهور للموظفين وأمرته بمجلس خارج عن الشرعية سكت كذلك. وحين جاء التنفيذ أبدى اعتراضا إلا أنه حين تم الاقتطاع فعلا سكت من جديد سكوت أهل المقابر فبات فعلا مثل الجميع يبدي ما لا يفعل وهكذا يمر عامان دون زيادة في الأجور بالرغم من عدم تجميد الأسعار فيكون الاتحاد قد فقد كل دور له حتى ترضى عليه الكنفيدرالية النقابية الدولية (وهي المنخرطة فيها إسرائيل) لاسيما بعد أن تبنى مبادرتها بتأسيس اتحاد نقابي عربي موال لها وبعد أن بات أمينه العام رئيسا للمركزية النقابية الجديدة العربية التراديونية الليبيرالية البيضاء.


ولقد فُرضت علينا سياسية اقتصادية من شأنها أن تدمر تدميرا نهائيا كل اقتصاد منتج وتؤسس لاقتصاد مواز مدمر ولانتصاب المؤسسات الأجنبية التي ترغب في مجرد الاستفادة من بخس اليد العاملة فحسب وسكت "عمو" الاتحاد وذلك ما يعني أيضا نهاية الطبقة العمالية في البلاد ليتحول الاتحاد إلى اتحاد لموظفي الدولة وليغرق هو في بيروقراطية تضع مصالحها قبل مصلحة الفئات الشعبيه المنتسبة إليه ثم سنلفي الدولة في حل من كل التزام نحو الشعب فتصبح مهمتها منحصرة في جباية الضرائب من شعب مفقر وهذا كله لم يعترض عليه الاتحاد كما لم يعترض على التخصيص المدمر للقطاعات الاستراتيجية للدولة ولا ينبغي لنا أن نصدق الاعتراض الظاهر في هذا الباب أيضا فعلميا لقد ترك الحبل على الغارب وعمليا خضع لإغراءات الغربيين ووعودهم ودعواتهم وإطرائهم لبني "وي وي".
2 ـ ولقد تم منذ البداية تأسيس باطل وغير شرعي والمركزية النقابية لم تحرك ساكنا فعند انقضاء المدة الدستورية في 15 مارس/آذار 2011 تولت حكومة السبسيبنفسها وفي غفلة من الجميع إصدار قانون تنظيم السلط بالمرسوم بقانون الرابع عشر وهي خارجة عن الشرعية وسكت الاتحاد عن ذلك مثله مثل أشباه الأحزاب بما اعتادوا عليه من سكوت على الاستبداد وطمع في السلطة ونُصبت هيئة غير شرعية هي "الهيئة العليا (!) لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي" لتسويغ التأسيس والإيهام بالشرعية فانخرط الاتحاد في اللعبة والأنكى أنه مثل فيها بخمسة عناصر مثله مثل جمعية نسائية صغيرة ورضي بذلك ثم طالب بحصة في المجلس التأسيسي (60 مقعدا) ورفض له ذلك ولم يكن بوسعه إلا أن يرضى في حين أنه كان الأقدر على فرض تأسيس صحيح وفي نهاية الأمر انكفأ على نفسه ورفض ترشيح نقابيين مستقلين للمجلس التأسيسي أو حتى مساندتهم مدعيا "الحياد ـ الحياد" حين يكون الحياد تخليا عن مهمة تاريخية تغير من وجهة التاريخ نفسه ولو فعل لجنبنا ما وقعنا فيه من فوضى واستهتار وتدمير للدولة ... لو فعل لأحدث توازنا في المجلس التأسيسي ولما حصلت أشباه الأحزاب عل نسبها المضخمة التي خولت لها الاستبداد بالمجلس.... فقد استبدوا به بنحو 48 % من الأصوات بنسبة مشاركة هي من نحو 48 %.... والسبب في ذلك هو نظام انتخابي مدروس محسوب دعي بالمحاصصي وهو في الواقع نظام تزكية لمن ترشحهم أشباه الأحزاب المدعومة خارجيا في المراتب الأولى.... وقد انتفع الفائزون في المراتب الأولى بتشتيت التصويت المدروس مسبقا وذلك بسبب تصويت نافل بلغ 36 % كان نصيب التروكيا المزعومة منه نحو الخمسة والعشرين مقعدا زائدا وكان على الاتحاد ألا يقبل بهذا النظام الفاسد والباقي إلى اليوم أو أن يطالب بتنقيحه على الأقل أو أن يدخل اللعبة من بابها الكبير وليس في ذلك خروج عن نقابيته فالمسألة هنا ليست مسألة حكم بل مسألة كتابة دستور لا غير واختصار للمدة التأسيسية ومنع للكذب والضحك على الذقون.... إلا أن الأصل في أمر النظام الانتخابي هو رفضه رفضا تاما لعدم شرعيته فقد أصدرته جهة غير شرعية والأصل في أنماط الانتخاب هو الاستفتاء ولقد استفتي في نفس العام 2011 ( الخامس من ماي) مواطنو المملكة المتحدة على نظامهم الانتخابي ثم ستستمر استقالة الاتحاد وسلبيته حين لم يقف ضد الاستهتار بالقانون وذلك عندما تجاوز المجلس المدة القصوى لكتابة الدستور والقانون واضح يقول الفصل السادس من الأمر الداعي للانتخابات عدد 1086 الصادر في الثالث من أوت/آب/أغسطس 2011 :

"يجتمع المجلس الوطني التأسيسي بعد تصريح الهيئة المركزية العليا المستقلة للانتخابات بالنتائج النهائية للاقتراع ويتولى إعداد دستور للبلاد في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابه."
وهكذا فالمدة لا تتجاوز سنة كما أنه لم ينتخب لأية مهمة أخرى غير إعداد دستور لا غير ولذا كان لزاما أن تعين حكومة محايدة لتصريف الأعمال وكان لزاما اختصار المدة التأسيسية وكان لزاما اختصار عدده أيضا فالدساتير لا يكتبها من هب ودب فهيئة صغيرة من الأكفاء كانت تجزي وزيادة وكان يمكن ان تعد في شهر واحد ولقد كتب الاتحاد نفسه دستورا في شهر وليعلم الاتحاد أن هذه الفترات الانتقالية غير شرعية في كل القوانين والأعراف الدستورية لكن الجماعة اعتقدت أنها انتخبت لتحكم وصدقت أنها وصلت للحكم فاستولت على السلطة وانقلبت على القانون والشعب واتهمت الآخرين بالانقلابيين والاتحاد بات يقبل الطعنات ويفاخر بماض ولى ولم يعد قادرا على صنع جنيسه فحسب لقد ذهب الذين يعاش في أكنافهم.

وجاء يوم الثالث والعشرين من أكتوبر 2012 واعترض المعترضون من أحزاب واتحاد على تمديد المجلس لنفسه وذلك ما لم يقع في أي فترة انتقالية في تاريخ الدنيا قديمها وحديثها ولكن سرعان ما خفت صوت الجميع بضربة ضارب وجميع الناس أدركت أن قوى أجنبية تدخلت في الموضوع وضغطت وهددت بقفازات من حرير ووعدتبوعود ناعمات والصمت الرهيب الذي ران بعدذلك يشكل وحده دليلا كافيا على تدخلها ذاك وقد اكتفى المكتفونبمظاهرة جرت يوم الثاني والعشرين من أكتوبر للتنديد بالعنف السياسي (هكذا رباه !) واكتفوا بعد ذلك بالمطالبة بتغيير الحكومات في حين أنه كان لابد من حل المجلس الذي انتهك كل شرعية وكان السبب في تشكيلها وفي الدمار الحاصل بالبلاد. فاكتفوا بقطع الذيل وتركوا الرأس لينبت له ذيل جديد فيتحول بضربة ضارب إلى برلمان مستحوذ على السلطة التنفيذية كذلك وعندما وقع قرار الإضراب العام ليوم 13 من ديسمبر 2012 ونزل الأمين العام ليؤكد أن الإضراب العام باق خلت نفسي للوهلة الأولى أني إزاء زعيم جديد وتساءلت فعلا: ترى حشاد جديد؟ ولكن سرعان ما حضرت رئيسة الكنفدرالية النقابية الدولية لتأييد الإضراب ظاهريا لكنها جاءت في واقع الأمر لإلغائه ولا شك عندي أنها فعلت لتخدم مشروع "ثورة الياسمين" ضمن ثورات "الربيع العربي" المزعوم. وقد كانت "هدة أمينه العام هدة أسد ولكن الرجعة كانت رجعة ذئب" كما يقال عندنا.


إلى اللقاء مع الحلقة القادمة
                                                                 الطيب بن رجب
                                                      أستاذ علوم الترجمة والمصلح

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire