بعد شهرين
على أقصى تقدير ستسلم الحكومة الحالية مقاليد الحكم لمن يخلفها ويعود أعضاؤها إلى
طي النسيان كما جاؤوا.
لكن وزير
التعليم العالي والبحث العلمي سيترك خلفه في تاريخه وتاريخ حكومته المؤقته نقطة
سوداء سوف لا يستطيع محوها من الذاكرة، ذاكرة الوزارة والجامعة التونسية على
الأقل.
هذه النقطة
السوداء تتعلق بأنه تم في أيامه على رأس الوزارة مقاضاة وزارته وحكومته لأول مرة
من طرف أستاذ في الجامعة التونسية لدى القاء الدولي والتنظيمات الإنسانية العالمية.
صحيح أنه في منطلق القضية ومسارها في السنوات الماضية
لم يكن الوزير الحالي طرفا شخصيا مباشرا في الموضوع. لكنه بحكم منصبه وبحكم
استمرار ولاية الدولة يتحمل المسؤولية كاملة في ما حصل وما سيحصل. فهو المسؤول شاء
أم أبى.
الوزير مسؤول
حتى لو رحل
الوزير
الحالي مسؤول لأن الشاكي الدكتور مصطفى النصري الأستاذ المحاضر للهندسة
الميكانيكية بالمعهد التحضيري للدراسات الهندسية بتونس حاول جاهدا الاتصال به وشرح
جوانب قضيته أمامه، لكن الوزير رفض استقباله أو حتى الجواب على طلبه.
ثم هو مسؤول
لأن نفس الأستاذ، وبعد أن ضاقت أمامه السبل، أعلمه قبل أن ينطلق في المسار الجديد
الذي اختاره بمقاضاة الوزارة لدى الهيئات والمحافل الدولية، لكن السيد الوزير بقي
على صمته، وكأن الأمر لا يهمه ولا يعنيه ما دام يعلم أنه راحل بعد أسابيع، فلترحّل
القضية لمن سيأتي بعده في الحكومة..
وأخيرا، فإن
الوزير يتحمل المسؤولية أمام المجتمع وأمام الرأي العام الجامعي الآن، بعد أن أخذ
الموضوع بما يشبه الاستهتار به والهزء منه حتى بعد ما طرح علنا في الإعلام وعلمه
الناس.
فإذا كان
المسؤول الأول عن الوزارة - وهو بحكم رسالة التعيين الموجهة له عند تعيينه من رئيس
الحكومة يتحمل مسؤولية قراراته والتصرف في وزارته - يتعامل بهذه الدرجة من عدم الاهتمام مع قضية أستاذ جامعي تحولت إلى قضية وطنية،
فلماذا نوجه اللوم لمن هو دونه في سلم المسؤولية؟
لكنني أسأله:
المعروف عنك أيها السيد الوزير، وحسب ما نشرت في سيرتك الذاتية، أنك تعاملت مع
قضايا جامعية وأوضاع تتعلق بالبحث العلمي وأساتذة الجامعات ببلدان أخرى كفرنسا
والهند وإسبانيا وغيرها، فهل كنت تجرؤعلى تجاهل أي مسألة مهما كانت بسيطة تتعلق
بمدرّس بتلك الجامعات؟ هل كنت تتعامل مع مدرّس جامعي هناك جاء يطرح أمامك قضية لها
مساس بالتكوين العلمي والبحث والفساد بمثل الطريقة التي تعاملت بها مع قضية الأساذ
مصطفى النصري؟ ألا يهمّك أن تفهم خفايا ما يجري في عالم الهندسة الميكانيكية،
وحقيقة الأسباب التي أدّت إلى معاداته من طرف فريق قال لك أنه يهيمن على هذا الاختصاص
دون وجه حق؟ أترضى ذلك للجامعة التونسية؟ أم أن الأمر ليس ذا أهمية كبيرة بالنسبة إليك
ما دام لا يتعلق بعالم المعلوماتية؟
فساد اللجان
والوزارة
المهم أن هذه
القضية التي لم يحصل لها الشرف بأن تحظى باهتمام وعناية وزير التعليم العالي، فلا
فتح بشأنها بحثا جديا ولا تحقق من الإشكاليات القانونية والجامعية التي تطرحها، هي
قضية انطلقت منذ سنوات، قبل مجيء الوزير الحالي وقبل أن يسمع به الناس. كان منطلقها
محاربته لما يسميه السيد النصري الفساد بالجامعة التونسية والوزارة وهيمنة جهتي
الساحل وصفاقس على شعبة الهندسة الميكانيكية بالجامعة التونسية والتي تمنع من خلال
لجان الانتداب والترقية تمكين الطلبة من الحصول على تكوين جامعي متين يسديه
متخصصون في مجالات هذا التخصص، كما تمنع أبناء الممناطق الداخلية من غير المنطقتين
من بلوغ مراتب عالية في هذا المجال.
هذا الفساد
إذن وحسب الدكتور مصطفى النصري تغطيه آليات من أهمها لجان الإنتداب والترقية بما
جعل البلد كله لا يضم سوى سبعة أسماء بلغت درجة الأستاذية أو درجة استاذ محاضر
بالجامعة التونسية منذ الإستقلال إلى سنة 2007، سنة ترشحة للترقية لرتبة أستاذ
بالجامعة في هذا الإختصاص. ومع ذلك فحتى هؤلاء السبعة مشكوك في القيمة العلمية
لبعضهم. ذلك أن أحدهم لا علاقة له بهذا الاختصاص إطلاقا نظرا لمساره في مجال
العلوم الطبيعية والكيمياء، وآخر قدم من اليابان بشهادة قال إنها دكتورا لرسالة
باللغة اليابانية لم تترجم ولا يعرف أحد محتواها، وثالث حصل على شهادة PHD – كالسيد الوزير – من الدرجة
الثالثة من أمريكا بفارق سنوات قليلة ما بين حصوله على الباكالوريا وهذه الشهادة،
بما يطرح نقطة استفهام عن مصداقيتها...
هذه المواجهة
بين السيد النصري وما يطلق عليه بالمجموعة المهيمنة على الهندسة الميكانيكية
بالجامعة التونسية، ولأنها تتحكم بمصائر الطلبة والمدرسين، أدّت به إلى أن يجد نفسه ممنوعا من الترقية مرة أولى لرتبة
أستاذ محاضر إلا بحكم من المحكمة الإدارية، ومرة ثانية لرتبة أستاذ بالجامعة
التونسية لنفس الإختصاص، لا لسبب إلا لأن أعضاء هذه اللجان لا يمكن أن يتم تكوينها
سوى من تلك المجموعة أو المنتمين لها.
الوزارة تغطي
على الفساد؟
وعندما حصل
على حكم جديد من المحكمة الإدارية يطيح برأي اللجنة الإستشارية وبالقرار الوزاري
الذي اتخذ بشأنه والقاضي بعدم ترقيته، قررت الوزارة أن تنفذه بواسطة لجنة أخرى.
وكان من المفترض
أن تعمد اللجنة إلى تنفيذ قرار المحكمة الإدارية، لكنها وكالعادة، لم تنظر أصلا في
الحكم ولا حيثياته رغم أنه كان الجزء الأساسي بالملف، واعتبرته كأن لا وجود له،
وقررت من جديد عدم ترقية النصري لرتبة أستاذ للتعليم العالي.
وسعى مجددا
لجعل الوزارة تدرك ما حصل من خطإ. لكن الوزارة لم تسمع منه وصمّت آذانها عنه،
باستثناء حالة وحيدة مع موظفة بالوزارة يبدو أنها لم تستوعب تفاصيل الأمر.
عند ذلك قرر
اللجوء للقضاء الدولي وللمنظمات الإنسانية الدولية لطرح قضيته، والحصول على إلزام
من خارج المنظومة الإدارية التي تسيطر عليها البيروقراطية، وتستفيد منها اللجان
بأعضائها الذين يحصلون من المال العام على منح تبلغ 75 دينارا للعضو الواحد و100
دينار لرئيس اللجنة كأجر عن كل ملف تناقشه، مضافا لها 5 دنانير عن كل ساعة من
المداولات. ولأعضائها أن يحددوا عدد تلك الساعات.. فما الذي يمنعهم من فوترة 5
ساعات مثلا قضوها في التداول بشأن ملف واحد كانوا قد اتفقوا بشأن مصيره قبل الدخول
للجلسة، و لم يستغرق منهم تدوين رأيهم أكثر من خمس دقائق؟
ما الذي يمنع
هذا أو ذاك من التجاوزات ما دامت هذه اللجان وغيرها لا يضبط كيفية وطرق وإجراءات
عملها أي نص قانوني، سوى النص المتعلق بتشكيلها أو تأجيرها؟ فحتى منشور وزير
التعليم العالي في الغرض لم يزد عن تفسير ما جاء في الأمر المنشئ لها.
هكذا إذن
يضطر الدكتور مصطفى النصري للذهاب بعيدا ليس فقط للدفاع عن نفسه بل ليجد لاحقا
سندا في إصلاح ما يمكن إصلاحه بالجامعة التونسية.. لأن الوزير وطبعا الإداريين
بوزارته لا يهمهم الأمر.



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire