مرّة أخرى تشاكسنا حلقة برنامج
الأحد على قناة
الحوار التونسي " لمن يجرؤ
فقط " وفي رواية أخرى "لمن يدفع
فقط " حين استضاف منشّطها مدير
الحملة الانتخابية للمرشح للرئاسية المنصف المرزوقي
عدنان منصر أصيل منطقة منزل
كامل أستاذ جامعي مختص
في التاريخ كان
يدرس في كلية الآداب
بسوسة...ولئن أثارت الحلقة العديد من
ردود الفعل وهاجمت بقوة عدنان على خلفية استسلامه وضعفه أمام السؤال
الفلسفي الذي طرحته عليه ابنته حول
العودة إلى السجون دون أن يدخلها و
دون أن
يقترب منها أو يعرف عنها شيئا
حيث ارتعش وتمتم وذرف دمعته ثم
استدرك وواصل قوله فإننا نذهب
عكس ما ذهب إليه
العديد ونجزم بصدق دمعة
عدنان وحرارتها ...
صحيح أن البرنامج كان بمثابة الدوران في حلقة مفرغة شبيه
بجلسة لاثنين في مقهى شعبي يتحدثان... برز
وكأنه ملهاة شعبية لم ترتق حتى إلى حديث "نبّارة
" أو" ضربان الحنك " الذي لا يؤاخذ عليه العامة في أحاديثهم التي
تطلق بأي كيفية كانت وبأي ألفاظ قيلت، فعلى الأقل في أحاديث العامة ترفع الكُلفة ويتبسط الناس في التعبير عن آرائهم ليس فقط
بالألفاظ وإنما قد يمضي الأمر إلى
الإيماءات بوقورها وفاحشها... وقد يعزز بالنكتة والطرفة ..فيكون للمكان ظلاله عملا
بمبدأ لكل مقام مقال وقد يكون للمتحاورين
من العامة خصوصية العمر والمهنة فترسل التعابير بمقارنات ذات دلالة يفهمها الجميع
لتصير ذات وقع مؤثر يثير الضحك و"المفهومية" على حد سواء. فما
يجوز للعامة حتى وإن أتوا في ناديهم المنكر من القول لا يجوز لمنشط مد وجهه في
قناة يشاهدها العديد من التونسيين إلا إذا أراد أن يسبغ علي نفسه صفة المهرج حيث
لا يستقيم أمر كشف الحقيقة مع التهريج.
وصحيح أن الوافي
فهم رسالة الآلة الإعلامية بالمقلوب فبدلا من أن يرتقي بالثقافة يقعده
"الغرض" عن فهم طبيعة العلاقة بين متغيرات الوظيفة الإعلامية (الرسالة،
الثقافة، وسيلة أو أداة الاتصال والقيمة) فيتم تجنيد كل هذه المتغيرات لتختزل في
هدف واحد يجمع في كلمة واحدة لا تخدم ثقافة ولا ترتقي بقيمة ولا تبث رسالة فتكون
النتيجة بالمحصلة (التطبيل) وعندها يتحول المنشط إلى مطبل لا يقيم للأحداث وزنا
إلا من منظور المطبل له، وهنا تفسد العملية الإعلامية برمتها.
ولم يدهش المشاهد بالجديد الذي ربما يصعب
على المنشط تصوره في جدليات العلاقة بين الأحداث والمواقف وجذورها الفكرية
ومرجعياتها السياسية ، وتبعات ومآلات ذلك على مجمل مجرى الأحداث من خلال البرنامج
البهلواني التلفزيوني حيث ينكب
مقدمه وضيفه على بيع الوهم من جديد يتطاولان على الشرفاء
مدعيان أنهما رائدا الحقيقة ومالكا
المعلومات و الحافظان لها... وصحيح أن هدف
إعادة استضافة عدنان منصر معلومة والغاية
من الحلقة مفهومة غير أن السحر انقلب
على الساحر وخرج منصر خالي الوفاض دون انتصار ...
قلنا لم يبق
من برنامج الأحد
سوى سؤال بنت
منصر و دمعة أبيها ...وإن كنّا
لا نشكّ في سؤال الصبية والطالبة الجامعية حتى
لا نرجم بالغيب رغم كوننا لا
نعتقد أن الفتاة درست أدب السجون و
تعذبت بعد أن تمعنت في سطور
الروايات المنقوشة في زخم هذا الأدب كتلك التي اسمها "شرق المتوسط " لعبد الرحمان
منيف أو " تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن
جلون أو تزممارت: الزنزانة رقم 10 لأحمد
المرزوقي أو حتى " يا
صاحبي السجن " لأيمن معتوق
فإننا قد نجد تبريرا لدمعة أبيها
والتي لا نخالها تجاوبا عاطفيا عن
سؤال البنية بل هي
" دمعة" وليدة تراكمات و
فيها دلالة عن قرب
النهاية والوداع ...
فبكاء منصر يحمل الكثير من
الدلالات و يجمع أكثر من معجم
في الآن
نفسه فهو في صورة يوحي أنه ينهل من
معجم الشعر الجاهلي ويقدم نفسه في هيئة
الشاعر الباكي على الأطلال
و قد تكون تعبيرة من تعبيرات
منصر الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من مغادرة قرطاج دون عودة مرددا
يا دار مية بالعلياءِ فالسندِ..... أقوت وطال عليها سالف
الأبدِ
وقفت فيها أُصيلاناً أُسائلها .... عيت جوابا وما بالربع من
أحد
و في صورة ثانية يوحي أنه أراد أن يتطهر من الرجس و من
سياسة ركيكة فاقت 3 سنوات من
العمر فقد قيل قديما :"ما وجدت مثل الدموع غسلا
للأحزان والذنوب وملينة لقسوة القلوب" و في صورة ثالثة توحي بأن الرجل أشبه
ما يكون بصورة العبيد
بناء على القصة الشهيرة ونصها التالي :" وعظ مالك بن دينار_رحمه
الله_يوما فتكلم فبكى حوشب فضرب مالك بيده على منكبه وقال: ابك ابك أبا بشر فإنه
بلغني أن العبد لا يزال يبكي حتى يرحمه سيده فيعتقه من النار.." و في
صورة رابعة وهي الأقرب
للمنطق وللواقع تلك التي يشتبه فيها عدنان
منصر مع النائحة تلك المرأة
التي تمتهن البكاء و تستأجر عليه والتي قال عنها
عمر بن الخطاب رضي الله عنها:"تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها" ...
و قد تكون الصور
الأربع جامعة في دمعة واحدة وكأننا بعدنان يضرب أربعة عصافير
بدمعة واحدة ...
فالحقيقة اليوم
أن عدنان منصر قفز
من خطة مدير الديوان الرئاسي إلى خطة
مدير الحملة الانتخابية للمرزوقي فتأبط شرّا
وازداد غرورا ...و ذهب إلى ظنه انه هو عماد سياسة و سيدها و ما بعده طوفان فبرز متلونا في أفعاله و حركاته فتراه تارة يطلب من خصومه
السيطرة على مشاعرهم ويحاسبهم على التقصير في ذلك،و طورا تجده يضيق ذرعا وغضبا وتنتفخ
أوداجه من سهام منتقديه ونقدهم وانتقادهم ولا يلتمس لهم راي و لا يؤخذ
بعين الاعتبار لتعاليقهم ... كما عرف عنه انه مبتل بعقلية التبرير فهو اعتاد
على تبرير كل إخفاق أو تقصير ، ولا يعتبر نفسه ضالعاً في زلاته وأخطائه، مستعد للوم
العالم بأسره ولا يفكر يوما في لوم نفسه...
ولئن كانت المسؤولية التي منحت
جزافا لمنصر من باب الاعتباطية على اعتبار أن المسؤولية فن لا يمتلكه الجميع وعلى
اعتبار أن منصر لا يجيد فنون التواصل قانعاً دائماً بأميته معتبرا انه ملم ببواطن الأمور
وظواهرها، غير مدرك انه أجهل الجاهلين وفق
قاعدة " إن علمت شيئا غابت
عنك أشياء"...فإن الشارع التونسي من يمينه
إلى يساره اندهش لما أضحى عليه عدنان وما
انكشف عليه وطالب العديد منهم بتطهير السياسة فعلا لان المجال اليوم لا بد ألا يتسع إلا للأنقياء الطهورين غير المتلونين أما أن يبقى أمثال منصر من العبثيين الذين لا يؤمنون بغير
"الكسب السريع"، بما يتضمنه من وصولية لامتناهية جاثمين على صدر السياسة فإن مصير المجال
حتما الفناء.. هذا و الجدير بالإشارة
أن أهالينا في منزل كامل هم لبّ الساحل وقلبه النابض وتعبيراتهم الذاتية معلومة كقولهم "آني" و ليست "أنا"
كما نطقها منصر ...ثم إن أبناءهم
و بناتهم يقولون :"بابا"
و ليس :"pa (با) " كما رددها
مدير الحملة .. و رغم كوننا
نؤمن أن لكل مجتمع لهجته ، ولهجته تكشف ثقافته ، وعقله ، بل هي عنوان هويته
، ومُحدّد رئيس له ، فمن خلال اللهجة يتحدد انتماء الإنسان بل وتتحدد أرضه ، وبيئته...
فقد نجد لعدنان عذرا ربّما يكون وراء تغيير لهجته رغبة جامحة تحدوه في ركوب صهوة
الحداثة المزعومة في
السنوات " المشؤومة "



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire