samedi 22 novembre 2014

دائرة المحاسبات (الجزء 7) : رحلة الألف ميل...: أمر محيّر وعجيب وألف سؤال بدون مجيب؟




أربع سنوات تقريبا مضت على سقوط دولة الفساد وتفكيك غالبية عصابات المافيا والنتيجة كارثية على كل المستويات من تزايد عجز الموازنة ونمو معدلات الفقر وارتفاع نسب البطالة وتفشي  الإرهاب ... آثار اقتصادية واجتماعية مثيرة للقلق ... ويتواصل مشوار الأمر العجيب والسّؤال بدون مجيب في ظلّ هذا الانفلات اللا- مسؤول لأبرز المسؤولين بالدّولة على مدى 4 سنوات وما من رادع وما من رقيب...حالة لا تطاق من الفوضى الخلاقة تسود غالبية أجهزة الدولة وحالة من الشلل التام بعد أن انغمس ساسة اليوم من الثورجيين الجدد في ما يحفظ مصالحهم فنتساءل يائسين:
 هل سيتواصل مسلسل الاستبلاه للأحزاب السّياسيّة والمجتمع المدنيّ والإعلام وسيتمّ استئمان مسرّبي التقرير على رقابة مال الشّعب من المسؤولين القائمين على الدّائرة بعدما حطّوا من قيمتها وإشعاعها ونزعوا عنها  الثقة والمصداقيّة في تقاريرها لسوء تصرّفهم ولهثهم وراء مصالحهم ومنافعهم الشخصيّة والذّاتيّة، خاصّة وأنّ الأمر قد أصبح متعلّقا بحكومة لخمس سنوات ؟ وللتوضيح فمسرّب التقرير رئيس الدّائرة السّابق فعل ذلك خدمة لمدير ديوان رئيس الحكومة الأسبق وزميله السّابق في العمل بالدّائرة والمدير السّابق بالهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة التّابعة لرئاسة الجمهوريّة السيّد محمّد العامري غرودة حتى يتسنّى التعديل والتنميق والحذف بحسب المصالح والأهواء مقابل الإبقاء على المناصب فما بالك باليوم في حضور الرّئيس الحاليّ للدّائرة المعروف بالانتهازيّة والتسلّق على حساب زملائه منذ عهود طويلة وخاصّة في عهد السيّدة فائزة الكافي (حيث نال بفضلها أسفارا ورحلات وصلت إلى المكسيك حتى أصبح يلقّب "بماركو بولو" وارتقى في عهدها إلى رتبة مندوب حكومة عامّ بالرّغم من وجود من هم أقدم وأقدر منه وأكثر كفاءة مزعومة، كما ادّعى في إطار خطّة جهنميّة ضياع سيّارته الوظيفيّة سنة 2010 دون إعلام المصالح المعنيّة كي يبرّر إسناده سيّارة جديدة من نوع قولف 6 golf على حساب زملائه الأحقّ منه وفي ذلك خرق لمبدأ الأولويّة وتكريس لمبدأ الانتهازيّة والتحيّل، وبقدرة قادر تمّ فيما بعد العثور على السيّارة التّائهة صدفة في إحدى الضّواحي ولكن بعد فوات الأوان وهي من أكثر المضحكات المبكيات)...
 وبالتّالي سيعيد التاريخ أسوأ ما فيه وسيتمّ في مرحلة أولى استغلال  الأعمال والمهمّات والتقارير الرّقابيّة التّي ستشرف عليها منفّذة عمليّة التّسريب سابقا السيّدة فضيلة القرقوري لعقد الصّفقات والمقايضات وربط الصّلات ليتمّ في ما بعد الابتزاز في مسلسل التسميّات والتّعيينات ليتمّ في مرحلة أخيرة تسريب التقرير الأوّليّ القادم بأكثر حذر وتستّر إلى الحزب الحاكم  لينمّق ويحذف ويضيف بحسب الأحوال ليتمّ التّوافق على البقاء أكثر مدّة في المناصب ورئاسة الدّائرة وقياداتها.. وهي لعبة مكشوفة منذ البداية طالما لم يستنر الرّأي العامّ حول عمليّة التّسريب. مع العلم وأنّ أكثر الدّول تقدّما وديمقراطيّة لم تغامر بأجهزتها الرّقابيّة الرّسميّة في مثل هذه المغامرات، بل جرت العادة على تكوين هيئات مستقلّة وأحيانا ظرفيّة تجمع ممثّلين عن القضاء العدليّ والإداريّ والمحاماة والمحاسبة والرّقابة والمجتمع المدنيّ لضمان الحياديّة والنّجاعة في رقابة تمويل الحملات الانتخابيّة التشريعيّة والرّئاسيّة، ولتضمن جودة التقرير وشفافيّته وصحّة معطياته ومعلوماته، وخاصّة للحيلولة دون استغلال النّفوذ والسّلطة المتأتّي من الإطّلاع على الأسرار الماليّة للأحزاب السّياسيّة وابتزازها واستغلالها مثلما تمّ على إثر انتخابات سنة 2011.

 نتساءل أيضا، في غياب إجابة وتوضيح حول أسباب وملابسات ونتائج عمليّة تسريب "التقرير الأوّليّ لدائرة المحاسبات حول مراقبة العمليّات الماليّة للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات السّابقة في سنة 2011" وفي غياب أدنى شروط الشفافيّة للاعتبارات السّابق ذكرها، ولغياب ضمانات حقيقيّة حول الموضوعيّة في إنجاز التقرير، ما الذّي يمنع مستقبلا من تشريك منظّمات المجتمع المدنيّ خاصّة جمعيّات "عتيد" و"مراقبون" و"شاهد" وغيرها من الذّين واكبوا العمليّة الانتخابيّة عن قرب، وكذلك تشريك ممثلين عن عمادة المحامين والخبراء المحاسبين والقضاء العدليّ والإداريّ في إعداد التقرير إلى جانب أعضاء الدّائرة والهياكل الأخرى للرّقابة في إطار لجنة مشتركة تكون المسؤولة المباشرة والوحيدة عن التقرير، وبذلك أيضا يمكن الاستفادة من الخبرات والكفاءات المتنوّعة، خاصّة وأنّ نسبة المختصّين في القانون ضعيفة جدّا في الدّائرة، وانّ تشريك أعضاء من خارج الدّائرة سيضمن أكثر جودة وسيبعث على الاطمئنان والثقة والمصداقيّة على مستوى الأحزاب السّياسيّة وسيقلّل كثيرا من شبهة التّسريب أو التعامل السرّي مع أحزاب وقائمات وائتلافات على حساب أخرى ؟

هل أنّ الامتعاض الشّديد والتململ والاحتقان في صفوف أعضاء وإطارات الدّائرة الشّرفاء من تصرّفات رئيسهم المؤقّت ومحاباته وتكليفه لابنة جهته السيّدة فضيلة قرقوري بقيادة عمليّة رقابة الحملة الانتخابيّة وتغاضيه عن التّحقيق الذّي تمّ التعهّد بمواصلته والوقوف على نتائجه أمام جمعيّة القضاة التّونسيّين بخصوص المسئولين الفعليّين عن تسريب التقرير الخصوصيّ ومهاجمته عبر الإعلام وعبر القضاء، لكلّ طرف يثير هذا الموضوع اللّغز، سيبلغ صداه لرئيس الحكومة الحاليّ والقادم وسيقف بحزم ضدّ هذه المهاترات والألاعيب والخزعبلات ؟ وهل أنّ ما بلغنا من أخبار حول اتّجاه النيّة الجديّة إلى المطالبة رئيس الحكومة مهدي جمعة بإقالة عبد اللّطيف الخرّاط من منصبه كرئيس دائرة أو الضّغط عليه بجميع الطّرق والوسائل عن طريق الإعلام الحرّ والمجتمع المدنيّ والقوى السّياسيّة الفاعلة في الحكم والمعارضة لتقديم استقالته ومحاسبته، نظرا لعدم توفّر شروط النّزاهة وتستّره على تسريب التقرير والفساد داخل الدّائرة وخارجها وتمريره لتسميّات رئيسات الغرف المقرّبات منه ونشرها بالرّائد الرّسمي بالرّغم من وجود قضيّة ضدّ قرارات المجلس الأعلى للدّائرة المنعقد في شهر جويلية 2014 والمنشورة لدى أنظار المحكمة الإداريّة، سيضع لها السيّد محمّد الطّاهر بالأسود حدّا وسيكون حصنا قويّا لحماية أنصاره المتستّرين على ملفّه الملغّم (ملفّ صندوق إعادة توجيه وتنمية المراكز المنجميّة) الذّي لم يتمّ إحالته إلى حدّ السّاعة إلى الجهات المعنيّة للنّظر والمتابعة وليحافظ على سمعته ككفاءة مزعومة حتّى يتسلّل بسهولة وبطريقة سلسة إلى الحكومة القادمة المستقرّة ؟

هل أنّ السيّد رئيس الحكومة ومستشاريه والمحيطين به لم يتساءلوا يوما حول الفرق والتمييز السّلبيّ الذّي يمكن أن يبرّر إسناد رئيس دائرة المحاسبات والرّئيس الأوّل للمحكمة الإداريّة التأجير والامتيازات المخوّلة إلى وزير (الأمران عدد 1969 و1970 لسنة 2014) وفي المقابل حرمان الرّئيس الأوّل لمحكمة التعقيب ورئيس الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين السيّد خالد العيّاري من هذا الأجر والامتيازات بالرّغم من كون هذه المؤسّسة من أعرق المؤسّسات ولا أحد يجرؤ على إنكار دورها في إرساء دولة القانون ولا أحد أيضا يمكنه أن يدّعي أنّ المحكمة الإداريّة أو دائرة المحاسبات تفوق أو تضاهي محكمة التعقيب في حجم وجودة الأعمال التّي تقوم بها ولم نقل في الكفاءة ولنا في ذلك ما نقول حتّى لا نتّهم بهتانا بالفتنة ؟ ونفس الشّيء بالنّسبة إلى رؤساء محاكم الاستئناف خاصّة وأنّ الجميع يعرف كبر حجم العمل الموكول إلى محكمة الاستئناف بتونس وكذلك المحكمة الابتدائية بتونس ؟ وهل أنّ السيّدة أسماء السّحيري حرم العبيدي مستشارة القانون والتشريع برئاسة الحكومة حين أعدّت نصّ الأمر عدد 3506 لسنة 2014 المؤرخ في 2 أكتوبر 2014 المتعلّق بتسمية رئيس محكمة التّعقيب لم تنتبه ولم تتفطّن إلى هذا التّفاوت والفارق في التّصنيف ؟ وهل أنّ السيّد مدير ديوان رئيس الحكومة قد تغافل عن ذلك أم أغفله عنوة وعن قصد لعدم وجود مصالح ومنافع مباشرة مع محكمة التّعقيب على عكس مصالحه الثّابتة والمقيّدة مع دائرة المحاسبات ؟....فهل أنّ "الرّؤساء القضاة" أصناف وأنواع حتّى نمتّع هذا بأجر وامتيازات وزير ونحرم الآخر منها ؟

 نحن لا ننتظر إجابة لأنّنا صدمنا بالإطلاع على الرّائد الرّسميّ، حين اكتشفنا أنّه وبالإضافة إلى رئيسي دائرة المحاسبات والمحكمة الإداريّة يوجد رئيس الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة التّابعة لرئاسة الجمهوريّة السيّد  أحمد عظّوم (قاضي عدليّ على غرار السيّد خالد العيّاري ) يتمتّع هو أيضا بمقتضى القرار الجمهوريّ عدد 51 لسنة 2014 المؤرّخ في 21 مارس 2014 بامتيازات وتأجير وزير بالرّغم من أنّ الجميع يعلم الحجم الضّئيل لأعمال هذه الهيئة وقلّة مواردها البشريّة مقارنة بمحكمة التّعقيب (تحتوي على مكلّفان بمأموريّة و3 قضاة وعملة) وهو ما يطرح ألف سؤال حول أسباب هذا التفاوت في إسناد المنح والامتيازات والرّتب وغياب مقاييس موضوعيّة وعلميّة غير اعتباطيّة ومصلحيّة للتّمتيع والحرمان. ولا ننسى الإشارة إلى أنّ السيّد أحمد عظّوم المكلّف الرّئيسيّ بمتابعة التقارير الرّقابيّة التّي تصدرها دائرة المحاسبات والهياكل الأخرى للرّقابة، يباشر مهامّه إلى اليوم دون صدور قرار جمهوريّ في تمديد فترة المباشرة رغم بلوغه سنّ التّقاعد الوجوبيّ منذ شهر جويلية 2014 (وقد كنّا اشرنا إلى ذلك منذ شهر أوت 2014) ممّا أثار حفيظة العديد من المراقبين العامّين وأعضاء دائرة المحاسبات، حيث بلغتنا معلومات مؤكّدة حول احتقانهم ورفضهم إرسال تقاريرهم إلى الهيئة المعنيّة لمتابعتها من قبل رئيسها الذّي هو في حدّ ذاته في وضع غير قانونيّ وتعتبر مواصلة مهامّه خرقا صريحا للقوانين الجاري بها العمل في الوظيفة العموميّة، خاصّة وأنّه ليس في منصب سياسيّ يسمح له بمواصلة مشواره دون تمديد رسميّ، وليس في منصب انتخابيّ يمنحه مدّة مباشرة محدودة في الزّمن...

هل أنّ ما بلغنا من تسريبات حول إقالة كلّ من السيّد نبيل عجرودي رئيس الهيئة العليا للوظيفة العموميّة والسيّدة أسماء السّحيري حرم العبيدي مستشار القانون والتشريع والسيّد باسل حميّد مدير ديوان السيّد نضال الورفلّي والسيّد ناصر بن حميدة رئيس هيئة مراقبي الدّولة من مناصبهم الحاليّة هو تكتيك وحفظ لماء الوجه واستبعادهم من مفاصل الدّولة بالقصبة لافتضاح أمرهم وضعف أدائهم وسوء تصرّفهم أم هو مجرّد استعداد لإعادة الرّسلكة وتحضيرهم لاحتلال مناصب أهمّ وأرفع في الفريق الحكوميّ القادم أو الاستحواذ على رئاسة منشئات ومؤسّسات وهيئات عموميّة تحميهم من أيادي التّحوير والعزل وتحجبهم عن الأعين المتربّصة بهم وعن مرصاد كشف الفساد.... ؟ خاصّة وأنّه بات بالكاشف أنّ هؤلاء لديهم جميعا قدرة فائقة وخلاّقة على التّأقلم والتناغم والتّنسيق مع كلّ من هم في السّلطة (مثلما بيّننا في الحلقات السّابقة من الألف ميل) ولديهم بحكم مناصبهم السّابقة والحاليّة روابط وثيقة بكلّ الأحزاب التّي كان فوزها في الانتخابات معروفا وذلك تحسّبا للنّتائج. وكنّا أشرنا في الجزء السّابق إلى أنّه توجد روابط وعلاقات صداقة وثيقة ومشتركة تربط السيّد محمّد الطّاهر بالأسود والسيّد باسل حميّد والسيّدة أسماء السّحيري بقيادات معروفة بالحزبين الأوّل والثاني في انتخابات سنة 2014. وهي علاقات تضمن لهم الانبطاح والنّفاق والتلوّن بين الأحمر (نداء تونس) والأزرق (حركة النّهضة) بكلّ سهولة ؟ كيف لا ومحبرة "الاقواش" المسمّاة "كفاءة واستقلاليّة ونزاهة وشهادة المدرسة الوطنيّة للإدارة ومسؤول ناجح ومدير عامّ سابق...الخ" كلّها "كليشيّات" des clichésجاهزة تحتوي على كلّ الألوان وتتكيّف مع كلّ الاتّجاهات والسّياسات والاديولوجيّات؟
وأخيرا هل يمكن أن نأمل في غد تطهّر وتحرّر فيه مؤسّسات الدّولة من أزلام الفساد أم سيتواصل مسلسل الغضب ضدّ كلّ جريدة وتلفزة وإذاعة تكشف بطون الفساد فنلاحق الطّبيب ونطارده ونترك أصل العلّة والدّاء ؟ ولا ننسى أن نسأل الفائزين في الانتخابات التشريعيّة المسؤولين عن تكوين الحكومة علّنا نجد لديهم المجيب حول الأمر العجيب الذّي مازال دون رقيب : هل أنّ أزلام الماضي التّي قامت عليهم الثورة وتلوّثت بالفساد ثمّ اختفت إبّان إعصار الثورة ثمّ سمّيت في مناصب راقية أثناء حكم النّهضة ثم سمّيت في مناصب أرقى أثناء حكم المستقلّين والكفاءات المزعومة ستكون أفضل وجهة حين يحين وقت التّعيينات وهل سيشملها صكّ التسامح والغفران ؟ الأكيد أنّ الغد سيحمل لنا كلّ الإجابات الشّافية والضّافية التّي لم نحصل عليها وإنّ غدا لناظره لقريب جدّا...


وإلى اللّقاء في الحلقة الثامنة 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire