dimanche 23 novembre 2014

"بلاسيبو" الاستقطاب: بين قايد النداء ومنصف الثورة




هل تشفينا الأوهام ؟ هل حُقِن الناخبون بيقين كاذب ؟
الشيخ الذي ولّى نفسه على "إمارة الحداثة" لا يرى له منافسا غير "شيخ الإسلام السياسي المعتدل" من بعده داعش
وشيخ الإسلام –بدوره- لا يرى له ندّا غير شيخ الحداثة
أهي حقيقة "الاستقطاب" أم هي صناعة وهْم يقتات منه الناخبون؟
***
 "البـلاسيـبـو": palcebo
 هوالعلاج بالوهم والإيحاء , ومما يُروَى من أمثلة هذا العلاج أنّ "أحد المصابين
 بالربو نزل بفندق فخم. وفي الليل فاجأته الأزمة وشعر بحاجة للهواء المنعش فاستيقظ مخنوقاً يبحث عن مفتاح الضوء، وحين لم يجده بدأ يتلمس طريقه للنافذة حتى شعر بملمس الزجاج البارد. ولكنه عجز عن فتح النافذة فكسر الزجاج وأخذ يتنفس بعمق حتى خفت الأزمة. وحين استيقظ في الصباح فوجئ بأن النافذة كانت سليمة تماماً، أما الزجاج الذي كسره فكان خزانة الساعة الضخمة الموجودة في الغرفة!! ما حدث هنا أن الرجل وقع تحت تأثير البلاسيبو أو العلاج بالوهم"
ومما يروى أيضا أنّ
" السيد "رايت" كان مريضاً بالسرطان، بل في مرحلة متقدمة من المرض، كانت أورامه متناثرة في أجزاء متعددة من جسمه، وكان بعضها يبلغ في حجمه حجم برتقالة صغيرة.
أي إنّ الرجل كان يحتضر. وقد سمع السيد "رايت" وهو في المستشفى عن دواء جديد مفيد في علاج السرطان، تحمَّس له كثيراً وأصرّ على تجربته، وبالفعل بعد ثلاثة أيام من تعاطيه كان السيد "رايت" يتمشى سعيداً في ردهات القسم، و بعد عشرة أيام كان قد خرج من المستشفى بعد أن تحسنت حالته تحسناً ملحوظاً.
ما لم يكن يعرفه السيد "رايت" أن عدداً من مرضى السرطان الآخرين في القسم نفسه قد تناولوا نفس الدواء دون فائدة، وأن الأبحاث أثبتت أن الدواء الذي تناوله فاشل وغير فعَّال في علاج السرطان
لكن كيف تحسَّن السيد رايت على الرغم من أن العلاج غير فعَّال؟ لقد تحسن لأنه (اعتقد) بشدة أن هذا العلاج مفيد و له قدرة على مقاومة المرض، و بالتالي فإن دماغه أعطى جسمه إحساساً داخلياً بالشفاء بغضّ النظر عن فعالية الدواء..."
***
هل يكون الناخب التونسي اليوم مقبلا على الانتخابات الرئاسية وهو تحت تأثير "البلاسبو الانتخابي"؟
فآلات الإعلام والدعاية , والخطابات السياسية الماكرة المخاتلة , جعلت الناخب لايكاد يبصر من الجهات غير جهتين:
•جِهَة نداء تونس يحمل رايته الباجي قايد السبسي مرشّحا
•وجِهَة النهضة يحمل لواءها المنصف المرزوقي مرشّحها السري
ولندرك سرّ وقوعنا تحت تأثير "البلاسيبو" أو العلاج بالوهم كان لزاما علينا أن نشخّص علّتنا والدّاء الذي أضنانا.
بعضنا(بل أغلبنا) طالما اشتكى من علّة الديكتاتورية التي فتكت بالحريات ونحرت الكرامة الإنسانية ولمّا كان للديكتاتورية اسمُ "التجمّع" وجد   "رئيس الجمهورية خلال الفترة الانتقالية" والنهضة من ورائه وأمامه تدفعه وتقوده أنّ أفضل المداخل لحملته أن يوهمنا أنه "العلاج الثوري" الذي من دونه لا خلاص لنا من علّة الديكتاتورية العائدة "نداء" وليدا من ضلع التجمع
وبعضنا(بل أغلبنا) اشتكى منذ انتخابات أكتوبر 2011 من قيادة إسلامية للفترة الانتقالية أخفقت في أن تنزع عنها ثوب الأمير الراشد , فضمّت تحت جناحيها من والاها ومن أطاعها ومن جاورها أيديولوجيا وحزبيا ونأت عن مفهوم المواطنة ماضية نحو تكريس مفهوم الرعية واسمة من خالفها بالخروج عن "ملّة الثورة" رافعة في وجهه حدود "الحِرابة" و "إهدار الدّم" ...
فكان ماكان من امتداد التيارات السلفية الجهادية وإطلاق يدها التي امتدت من رفع رايتها السوداء على أسوار "جامعة منوبة" إلى اغتيال الرموز السياسيين(بلعيد والبراهمي...) وقتال الجنود
والأمنيين ومطاردة المثقفين والفنانين أمام المسرح البلدي أحد معاقل الإبداع وحصنا من حصون الفنّ...
وكان ماكان من إطلاق أيادي رابطات حماية الثورة الموالية للإسلاميين حتى أنجزت هجماتها على مقرات الأحزاب المعارضة وعلى ساحة من ساحات النضال العمالي(ساحة محمد علي حيث مقر الاتحاد العام التونسي للشغل)
وكان ماكان من صمت الرئاسة وغضها الطرف عن تساهل حكومتي النهضة مع من عدّهم شيخها أبناءه وهكذا أخفق الرئيس في أن يصير أبا لكلّ المواطنين إذ اتُّهِم بالاصطفاف إلى جانب الإسلاميين ومن له بهم وشائج قربى أيديولوجية أو سياسية دون غيرهم.  
وهكذا كان مِن أمْرِ مَن يحسَب أنّ الحداثة مهدّدة , والنمط الاجتماعي مستهدفا أن توهّم أو أُوهِم أن لاعلاج له من هذه العلّة غير "شيخ الحداثة : قايد النداء الأول والأوحد"
***
   هل ترى وهم "الاستقطاب" بين "الباجي" مرشح النداء و"المنصف" مرشح النهضة السري يشفي الشق المكلوم في نمط المجتمع الحداثي بأيادي الحركة الإسلامية التي أدارت المرحلة الانتقالية مع من والاها وأطاعها من الأحزاب  أويشفي الشق الآخر الذي طالت شكواه من ألم الاستبداد التجمعي الذي قد يتلفّع اليوم برداء ندائيّ؟
***
     مواصلة لقصة السيد "رايت" التي ذكرناها في بداية المقال، نخبركم أنه بعد خروجه من المستشفى بأيام اطّلع على تقرير صحفي يشكك في جدوى العلاج الجديد الذي تلقاه و يصفه بأنه عديم الجدوى، و بمجرد معرفته بذلك أصيب بانتكاسة وعاد إلى المستشفى ورغم  محاولات الأطباء إنقاذه إلا أنه توفى خلال شهرين...
***
الخشية كل الخشية إذن أن نسلّم  "ببلاسيبو الاستقطاب" الذي يوهم بأن لا علاج لنا من خطايا "المنصف" غير "الباجي" , وأن لا علاج من تغوّل "الباجي" المنذر بعودة الاستبداد غير "المنصف" و الحقيقة أن هذا "البلاسيبو" يسوّق له الطرفان "منصف النهضة" و"قايد النداء" إذ الواحد منهما يعلم أنه يحقق وجوده , ويستمد قوته من وجود الآخر وقوّته فيستمرئان الإيهام  بأنّ الآخر هو العلّة وأنه هو العلاج المضادّ لها متعمّدا إسقاط سائر المترشحين الرئاسيين من المعادلة في إيحاء متعمد بأن من كان حداثيا وجب أن يسلّم قياده "للقايد" ومن كان "ثوريا" وجب أن يتبع طائعا خطى "المنصف المرشّح السري للنهضة"

أفليس الأجدر بنا –إذن – أن نتبصّر "وهم الاستقطاب" الذي قد لا يحقق لنا شفاء حقيقيا خاصة إذا قرأناه قراءة تتأمّل و تُبصِر ما فيه من مخاطر تكمن في أن هذا الوهم قد لا يعدو أن يكون كذبة ديكتاتور عائد يبحث عن الخلود , وكذبة مؤقت فشل في إدارة الانتقال من موقعه الرئاسي فمضى يبحث عن انبعاث جديد من رماد احتراقه... فإن نحن فعلنا قد يصحّ لنا أن نردّد ما ردّده الكاتب التونسي الكبير محمود المسعدي"ارحمهما ولا تؤمن بهما..." لنستطيع ممارسة اختيارنا الحرّ ضمن ماتتيحه لنا القائمة الاسمية الواسعة للانتخابات الرئاسية(وخاصة مرشحوها الموسومون بنضاليتهم ونقاء ذممهم من أدران المال المشبوه) بعيدا عن الدوران الإلزامي في فُلك أحد القطبين عسانا نظفر بعلاج(أو بعض علاج) حقيقي لأدوائنا وعسى ألا يصيبنا ما أصاب "رايت" حين نكتشف أنّ الوهم أشفانا ليقتلنا-بعد الوهم- إدراكنا الحقيقة ,حقيقة عدم جدوى الدواء الذي تناولناه...  

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire