مولعون نحن بضرب خيام الفكر خارج التّاريخ. هائمون على
وجوهنا في براري اللّامنطق . مبدعون في تشويه المفاهيم والنظريات...
لا حاجة لنا من الديمقراطية –مثلا- بغير
الاسم...لا حاجة لنا بصناديق الاقتراع ولا بالممارسات الانتخابية...
بوسعنا أن نحوّل الانتخابات إلى بيعة, وبإمكاننا أن
نسقطها من باب "فرض العين" السياسي إلى باب "فرض الكفاية"
فالحرج مرفوع بأقلام "آبائنا السياسيين" عن الشعب غير
"المكلّف" بواجب انتخاب رئيسه...
أفلم يبلغ شعبي سنّ الرشاد والتكليف السياسي بعد حتّى
تقوم "الصّفوة من الأحزاب السياسية" و "الزعماء الشيوخ"
باختيار رئيسه نيابة عنه؟
أخبرتنا كتب التّاريخ أنّ دار الندوة التي أنشأها
قصي بن مرة بن كعب في الجاهلية صارت مركز التقاء عِلية القوم وسادة القبائل
من القرشيين أصحاب الجاه والمال وأدعياء الحكمة ورجحان العقل ممن تجاوزوا الأربعين
ليتداولوا في شؤون القبيلة وليديروا شؤونها...وفي دار الندوة تنجز الأحلاف وتعقد
ألوية الحرب...وما على الرّعاع والعامة إلاّ الطّاعة والخضوع لقرارات سادة الدار
وشيوخ القبائل...
وتحدّث الأخبار أنّ دار الندوة قد انتهى بها الأمر بعد
عقود من ظهور الإسلام إلى أن خرِبت وصارت مرمى القمامة والقاذورات...
لكن هل أنشئت مؤسسة دار الندوة في تونس من جديد؟ هل أعيد
لها الاعتبار ؟ هل استرجعت ماكان لها من سلطة نفوذ وقرار؟
لنا
في تونس حتما "دور ندوات" داخل البلاد وخارجها يلتقي فيها السادة
"شيوخ الحكمة" ليديروا أمور النّاس وليسطروا لهم مساراتهم...فالنّاس بعد
كل الانتفاضات الشعبية وبعد كل الحراك الثوري الذي عرفته بلادهم آلوا إلى ما كانوا
عليه... بل لعلّ سادة وشيوخ أعتى القبائل الحزبية قد هدتهم "حكمتهم" إلى
أن يعقدوا بينهم حلفا يقضي بأن يتوافقوا ويتفقوا ويقرروا وأن نسمع ونطيع...
لسنا شعبا إذن...لسنا مواطنين...ما نحن إلاّ رعية ورعاع
لا يجدر بنا أن نفكّر ولا أن نقرر ولا أن نختار...
أصواتنا تذروها رياح اتفاق السادة شيوخ السياسة تهبّ
علينا من "دور ندواتهم" ولقاءاتهم السرية والعلنية برعاية أجنبية...
وها إنّ هذه الريح تتّجه إلى أن تقرّر لنا وجهتنا خارج
لعبة الانتخابات الرئاسية ...
هذه الريح تتّجه إلى أن تحملنا على الوقوف على هامش
صناديق الاقتراع لنكتفي بالفرجة في ملهاة "التوافق حول رئيس الجمهورية
القادم" ...
إنّ هذه الريح التي هبّت علينا من "دار الندوة
النهضوية" يمكن أن تصنّف في إحدى الخانات التالية التي يحددها الكثير من
الساسة ومن مراقبي ومحلّلي الشأن السياسي الوطني:
* خانة
ربح الوقت لاختيار مرشّح للرئاسة من داخل الحركة أو من ضواحيها الحزبية القديمة أو
القادمة.
*خانة
التكتيك الذي يعتمد على إغراء بعض القيادات الحزبية من خارج النهضة بهذا المنصب
لإصابة هذه الأحزاب أو التحالفات المنخرطة ضمنها بالتصدّع ومن ثَمَّ إضعافها
وإفشالها في الرهان الانتخابي القادم...
*خانة
الغزل المتبادل بين "النهضة" و"نداء تونس" الذي يبشّر بوجود
مشروع تحالف بينهما "ما بَعدانتخابي" أو مشروع "تقاسم
للسلطة"...
لكنّ هذه الريح في في كلّ الأحوال ريح ردّة سياسية إلى
زمن غير ديمقراطي , زمن "مبايعة الرئيس" وإلغاء المبدأ التنافسي على
السلطة, هذه الريح هي ريح تجاهل لصوت الشعب الذي يمثّل المصدر الأصلي للشرعيّة...


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire