بعد زرع خلايا الثورات الشعبية الغريبة أو ما يسمى بثورات الربيع العربي من
طرف الأذرع الخفية للقوى الدولية العظمى ها نحن نعيش اليوم على وقع كذبة كبرى لا
يسعنا إلا تصديقها ...كذبة الديمقراطية التي أرادوها لنا...توالت الأحداث بسرعة
مثلما تداول علينا الحكام ...حكومة أولى فحكومة ثانية فمجلس تأسيسي شاهدنا فيه ولا
نزال نشاهد كل أنواع التهريج السياسي ويمكن الإقرار بأنه كان السبب الرئيسي في
الأزمات المأساوية التي تعيشها البلاد
اليوم على جميع الأصعدة ...فكان سركا بأتم معنى الكلمة يتنطع فيه ساسة
بأعمار الديناصورات لم تغادرهم نرجسيتهم المقيتة منذ عهد بورقيبة وآخرون جدد لم
نكن نرى وجوههم الخشبية من قبل أرونا من الثورجية والنفاق أشكالا وألوانا ربما
لأنهم كانوا منذ زمن ليس ببعيد مجرد طلبة يتسولون السجائر أو سائقي سيارات أجرة أو
ميكانيكيين وغيرهم أو مناضلين من ورق كانوا قبل فرار المخلوع ينقرون فتاة الخبز على أعتاب السفارات الأجنبية أو
إسلاميين اتخذوا من الدين تجارة رابحة قبل أن تذبل خلايا أدمغتهم وراء القضبان بعد
أن قضوا أعمارهم في السجون وفي المنفى
واحترقوا احتراقا من جراء إغراء السلطة التي كانت الهدف الأوحد بالنسبة إليهم ...
كل هؤلاء المتنافرين وغير المتجانسين اجتمعوا بمنطق الغنيمة وقسمة الكعكة
والمصالح الشخصية على مصلحة البلاد في مجلس يوحي اسمه بالتأسيس لكنه وللأسف جعلوا
منه مصدرا للخراب والدمار في كل الاتجاهات وعلى جميع المستويات بفضائح للنواب ما
انزل الله بها من سلطان كانت فردية وجماعية وضربت الشكل والمضمون لا يزال الشعب
التونسي يعاني من آثارها الشنيعة إلى الآن
...
لا شرعية ولا أصلية
قبل أن نخوض في الكشف عن المعدن الحقيقي لنواب المجلس التأسيسي وفي الصفقات
والمزادات التي كانت تبرم فوق الطاولة وتحتها من أجل المصالح المادية والحزبية
نذكر قراءنا الكرام بأن المجلس المصيبة حل علينا اثر انتخابات 23 اكتوبر 2011 وهو
يضم 217 عضوا وقع انتخابهم ضمن انتخابات شهدت العديد من الاخلالات على المستوى
المال السياسي وعدم تحييد المساجد وغيرها من التجاوزات لتكون النتيجة سيطرة حركة
النهضة على المجلس الموقر بعد أن تحالفت في إطار براغماتية مقيتة مع المؤتمر من
اجل الجمهورية والتكتل في قالب ما يسمى بالترويكا التي انبثقت عنها أفشل حكومتين
في تاريخ البلاد .
والجدير بالذكر أن المجلس قد أتى على أساس التزام سياسي
وأخلاقي من كل الأحزاب المشاركة في الانتخابات تقريبا يقتضي بإتمام مهمة سن دستور
جديد في فترة لا يمكن أن تتجاوز السنة لكن رغم ذلك قد وقع الإخلال بهذا الالتزام
في سقوط أخلاقي مقيت من طرف كل تلك الأحزاب وخاصة تلك الفائزة بغالبية المقاعد مما
جعل الكثير من الفقهاء في القانون وغالبية المحللين السياسيين يعتبرون انه بتجاوز
مرحلة السنة فقد خسر المجلس شرعيته ورغم ذلك فقد تواصل عمله خارج الشرعية ولم يقم
بسن الدستور سوى مؤخرا في أواخر جانفي من السنة الحالية وبالرغم من خروجهم عن
الشرعية فقد طفق غالبية النواب وخاصة نواب الترويكا يتغنون بشرعية زائفة معتبرين
أنهم أصحاب السلطة الأصلية متناسين أو متغافلين عن صاحبها الأصلي الشعب التونسي
صاحب الثورة وصاحب الدولة ذاتها الواهب لكل السلط فالشرعية والأصلية هي بعيدة كل
البعد عن نواب حادوا عن مسار الثورة من الناحية القانونية وحتى من الناحية
الواقعية واتخذوا من قبة المجلس مركزا تجاريا افتتحوا فيه دكاكينهم السياسية وسوق
للنخاسة يباعون فيه ويشترون كالعبيد من طرف أصحاب الأموال ولوبياته ...
صفقات ومزادات
المجلس التأسيسي اللاشرعي أصلا والذي لا يمتلك أي سلطة
أصلية ولا تبعية بحكم انعدام شرعيته قد تحول ومنذ انطلاق أعماله بتاريخ 22 من
نوفمبر 2011 إلى سوق ودلال يباع فيه النواب حسب قانون العرض والطلب السياسي فباتت
ذمم النواب وضمائرهم تباع وتشترى كما تباع السلع الرخيصة في الأسواق الشعبية وذلك
ما يمثل ام الفضائح بالنسبة إلى تلك التي
صدرت عن المجلس المذكور،كان البعض قد أطلق عليها مصطلح السياحة البرلمانية وهو ما
يعتبر مصطلحا ملطفل بالنظر إلى حجم الجرم المرتكب والذي لا يمكن أن يسمى سوى خيانة
برلمانية أي خيانة هؤلاء النواب لأنفسهم أولا ثم لناخبيهم وكذلك لوطنهم لان من
يبيع نفسه يمكنه أن يبيع وطنه في أي لحظة...
الفضيحة الكبرى انطلقت بعد تصريح البحري الجلاصي رئيس حزب
الانفتاح والوفاء بأنه اشترى مجموعة من النواب من بينهم جلال فرحات وطارق بوعزيز
ومنصف الشارني وشكري العرفاوي وحسن الرضواني
مقابل منحهم ما اسماه بوسائل عمل استعدادا للانتخابات المقبلة لكنهم نالوا
العديد من المنافع ثم اخلوا بالتزاماتهم كما أكد الجلاصي بأنه قد قدم لهؤلاء
النواب مبالغ مالية تصل إلى 17 ألف دينار ثم اتهمهم بالسرقة والتحيل وخيانة مؤتمن وبأنهم
قد اتصلوا بعدد من رؤساء الأحزاب الأثرياء أمثال سليم الرياحي والعربي نصرة
والصحبي البصلي طالبين الانضمام إلى أحزابهم مقابل مبالغ مالية وفعلا قد تمكن
العربي نصرة مثلا في هذا الصدد أي في موسم المزادات والصفقات البرلمانية من شراء
10 مقاعد نيابية عبر 7 نواب كانوا تابعين للعريضة الشعبية وهم رمضان دغماني والمولدي الزيدي وطارق بوعزيز
وشكري العرفاوي وسعد بوعيش وحسن الرضواني والمنصف الشارني
ونلاحظ أن جلهم من بين الذين اتهمهم البحري الجلاصي بالوثائق والبراهين بالإضافة
إلى 3 نواب آخرين اعتادوا التنقل للاسترزاق بين حزب وآخر وهم محمد لطفي مصباح ومحمد نزار قاسم ووسام
ياسين الذي ترشح ضمن قائمة اتحاد المعطلين عن العمل الذين فوضوه للحديث عن
معاناتهم لكنه باع القضية بمجرد التحاقه بالمجلس التأسيسي وفي هذا الصدد أيضا نذكر
رجل الأعمال محمد العياشي العجرودي الذي كوّن حزب حركة التونسي للحرية والكرامة
وتمكن بفضل أمواله من ضم 5 نواب في فترة قياسية وهم محمد الطاهر الإلاهي وإبراهيم
الحامدي ومحمد صالح شعيرات وعبد الرزاق الخلولي وسهير الدردوري وقد استقال النائبان
الأخيران ربما لتسعيرة لم تعجبهما ولنتأكد من خلال كل ذلك أن من له المال يمكنه
شراء جزء من المجلس التأسيسي بكل سهولة ما دام هناك نواب قابلين للبيع والشراء إلى
درجة أن كل من هب ودب باتت له الأطماع في قيادة البلاد والاستحواذ على السلطة وإلا
فكيف نفسر دخول بعض الماركنتيلية إلى المشهد السياسي التونسي وتعكيره كالبحري
الجلاصي والعياشي العجرودي وسليم الرياحي والعربي نصرة الذين لا يفقهون في أبسط
أبجديات السياسة ولا يملكون أي تاريخ نضالي بل بالعكس مغلبهم كان متواطئا مع النظام البائد ولا ننسى في إطار كل ما تقدم أن
نعرج على القصاص وأمثاله من النواب الذين استقطبهم حزب نداء تونس في نفس سياقات
المزادات السرية منها والعلنية ضحكا وسخرية من الثورة التونسية ومن الناخبين الذين
طعنوا في الظهر...
مهاترات ومزايدات
المجلس التأسيسي كان
وكرا للمهاترات والمزايدات السياسية بامتياز بل كان ركحا عرضت عليه جميع أنواع
المسرحيات الهزلية منها وحتى التراجيدية من سذاجة سنية بن تومية
مرورا بغطرسة القصاص وجنونه وجهله وصولا إلى تطرف اللوز وشورو وغيرهم حيث حذق النواب عبر تلك المسرحيات ومن مختلف
الألوان والأطياف والمشارب السياسية لعب دور الحريصين على مصلحة الوطن بإلقاء
مختلف الخطابات الشعبوية وتقمص الأقنعة الدينية والإيديولوجية خدمة للأجندات
الشيطانية وكأنهم قد نسوا أو تناسوا أن وثيقة الدستور الذي سنوه وصادقوا عليه
مؤخرا قد كشفت من دون أدنى وجه للشك وجوههم الحقيقية المليئة قبحا ونفاقا وخيانة
وهي برهان موثق ودليل قاطع على أنهم قوم يقولون ما لا يفعلون فترى جعجعة ولا ترى
طحينا ولعل ابرز مثال على ذلك ما وقع مؤخرا من ضجة في إطار لائحة اللوم التي وجهت
ضد وزيرة السياحة أمال كربول والوزير المكلف بالأمن الذين اتهما من قبل النواب
بالتطبيع مع الكيان الصهيوني على خلفية دخول بعض السياح اليهود إلى تونس ولائحة
اللوم هذه رغم انه قد وقع سحبها إلا أنها في واقع الأمر تندرج في إطار عمليات
الاستعراض السياسي الزائفة والجوفاء التي عودنا بها نواب التأسيسي خاصة وان
الدستور الذي صادقوا عليه لم يمنع التطبيع مع إسرائيل صراحة رغم مناداة غالبية
الشعب التونسي بإدراج فصل يقر منع التطبيع ونحن لا نستغرب من دستور جعلوا عليه الأمريكي
ذا الأصول اليهودية "ﻧﻮح ﻓﯿﻠﺪﻣﺎن" اﻟﻤﺴﺘﺸﺎر اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻟﻠﺤﺎﻛﻢ اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ في العراق "بول بريمر"
الذي تم وصفه بصاحب النظرية السحرية لتقسيم الشعوب وقد كتب دستور أفغانستان
والعراق و الذي استقبل بحرارة وتم إدخاله إلى
عقر المجلس من قبل النائبة عن حزب المؤتمر مبروكة مبارك يوم 9 جانفي 2014 ثم يوم
12 من نفس الشهر والسنة من قبل النائبة عن النهضة ايمان بن محمد وقس على الدستور العديد من القوانين الأخرى
التي تعبر على الوجه الحقيقي لهؤلاء النواب الذين امتهنوا المهاترات والمزايدات
السياسية يتظاهرون أمام الشعب بالبطولة وهم أجبن خلق الله إنسانا وأشدهم نفاقا
وتملقا وانتهازية وطمعا ولعل القانون الذي مرر بليل بغرض الزيادة في منحهم أهم الدلائل
على كل ذلك وفي آخر المطاف لا يسعنا القول إلا أن ما يقوم به المجلس التأسيسي
اللاشرعي من تصرفات عجيبة غريبة نابعة من السعي المحموم نحو كسب الانتخابات
المقبلة بكل الطرق الشرعية واللاشرعية وما يصدر عن نوابه من خيانات متكررة لإرادة
الشعب ومن أخطاء فادحة في حقه بالإضافة إلى الإمكانيات المالية الكبيرة المرصودة
له دون أدنى فائدة يتطلب حله في اقرب وقت خاصة وانه أصبح معطلا أكثر من قبل وعقبة
أمام سير الحكومة الجديدة التي تحاول إخراج البلاد من هذه المحنة الكبيرة التي تمر
بها وعلى أساس انه يمكن إكمال المشوار حتى الموعد الانتخابي القادم بطريقة توافقية
خاصة وان الدولة ذاتها تدار دواليبها الآن بنفس الطريقة التوافقية...







Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire