mercredi 21 mai 2014

ما وراء أكمة المساءلة في التّأسيسي: تركوا مطالب الفقراء تموت وحيدة




غادَروا جلسة مساءلة الوزيرين...لم يتركوا على الطاولات غير الخواء...
فارغ مجلسهم عدا أصداء صراخهم بعد سحب لائحتهم... أفمن يصرخ أكثر هو الأصدق؟ أفمن يصرخ أكثر هو الأطهر؟ أو لعلّ الصراخ استعراض الجدارة للفوز بثقة الجمهور في الاستحقاق الانتخابي القادم؟   
تنقلب الأدوار في المسرحية السياسية بشكل يفتقد لأدنى شروط إتقان الحِبكة
يعجز المتفرّجون عن تحديد جنس للمسرحية ولا يسعفهم التصنيف الأرسطي في كتاب "فنّ الشعر" ليدرجوها ضمن خانة التراجيديا أو الكوميديا أو الغنائية...  
ففي المسرحية ما فيها من مقوّمات التراجيديا يشهد على ذلك دمع نوّاب يذرفونه على ثورة ضيّعناها, ضيّعوها... " لأنهم و لأنّا لم نحافظ عليها كالرّجال..."
وفي المسرحيّة ما فيها من مقوّمات الكوميديا والإضحاك يجسّده "حوار الطّرشان" بين نوّاب يتكلّمون ولا يسمعون ولسنا ندري إن كانوا يفقهون ما يقولون ؟ أو إن كانوا يؤمنون بما يزعمون؟ ويؤثّث بعضهم الركح بشطحات قد تنتهي إلى الولولة ولطم الصدور وما ضرّ لو مزّق أحدهم قميص الآخر  ...
وفي المسرحيّة مقوّمات مسرح غنائي , أغنياته ذات لكنة وطنيّة , ثورية , ملتزمة... رجع الصّوت فيها لازمة هي موقع الثّقل الصّوتي . تستقرّ بالذاكرة الجعجعة
"أنت  بيّوع...بيّوع.. نعم بيّوع..."


ولمّا كانت المسرحيّة السياسية على ركح التّأسيسي بلا هويّة أجناسية...لمّا كانت هجينة بلا لون مجّها المتفرّجون , وعدّوها من الفنون الهزيلة...
قد لا يجد المتفرّج شيئا يثيره في هذا المشهد غيرَ البُعد العجائبي...
هي "الفنطازيا السياسية" تحضر الآن وهنا في المجلس...نعم هي الفنطازيا السياسية تسمح بظهور شخوص بلا ملامح...تمّحي الوجوه لنرى "جمهوريا (نسبة إلى الحزب الجمهوري") يسحب لائحة هو راعيها ويسير في ركابه نهضوي ووفائي(نسبة إلى حركة وفاء)... وترى "ندائيّا (نسبة إلى نداء تونس) يصرخ ضدّ سحبها وهو بالأمس كان يعارضها
نسأل عمّا وراء الأكمة لتعود بنا الذّاكرة وليهدينا ما تسنّى لنا من زاد لغويّ لنستحضر المثل العربيّ "وراء الأكمة ما وراءها" هذا المثل الذي تضربه العرب للتعبير عن أمر مريب أو مكيدة وراء شيء ما كما جاء في قاموس المعاني...
والثابت أن ليس وراء الأكمة مبدأ أو حدّا أدنى من القيم الرّاسخة...فما وراء الأكمة إلاّ حسابات دعائية انتخابية...وراء الأكمة صراعات حزبية...وراء الأكمة صفقات سياسية تُعقد...ويقرّ بعض النوّاب أنّ وراء الأكمة قرارات هبّت رياحها من خارج قبّة المجلس التّأسيسيّ وربّما من خارج الوطن...وراء الأكمة إذن من يصنع مصيرنا بغير أيدينا...


مِن وراء الأكمة تهبّ رياح تعصف بنا , تخلخلنا ولا نبصرها...
ينتهي العرض يغادر الممثّلون الرّكح ولا شيء بعدهم غير الخواء ورئيس التّأسيسي يغلق ملفّاته ويصغي مجاملة لنائب وحيد يرفع شكوى أهالينا  بإحدى جهات الشمال الغربي يتظلّم من مكافأة مطلب أهل جهته في التنمية بإنجاز مكبّ نفايات في الجهة
كم وددت أن أقفز من مكاني لأسائل معشر النوّاب "لماذا تركتم هذا النّائب وحيدا؟"
كم وددت أن أعيد جمعهم لأروي لهم نبأ من أنباء أبي ذرّ الغفاريّ (وأبو ذر "محامي الفقراء" الزاهد في متاع الدنيا وفي استغراق خليفة المسلمين عثمان وأهله وبطانته في ترف العيش ورغده  وملذّات الدنيا...أبو ذرّ الذي قال أنّ "الفقر إذا سافر إلى مكان ما قال الكفر خذني معك" وهو من قال "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج شاهرا سيفه على الناس") كنت لأخبرهم أنّ  أبا ذرّ هو من" حدّثه الرسول هو ومن ضم مجلسه قال"ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين"،  
 كنت لأخبرهم أنّ نبوءة الرسول قد صدقت إذ  عندما حضرت الوفاة أبا ذر أخذت زوجته تبكي على حاله وكيف سيموت فقيرا وحيدا بعيدا عن الناس، فقال لزوجته مبتسمًا أنه كان جالسًا مع رسول الله صلوات الله وسلامه  وبعض الصحابة فقال الرسول: "ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين"، وقال لها أن جميع من حضروا مجلس الرسول ذاك قد "ماتوا في جماعة، وأنا من بقيت..."
وقال لها إذا أنا مت راقبي الطريق لأن عددا من المؤمنين سيحضرون لدفني برغم فوات ميعاد الحج، وأنا كلي ثقة في نبوءة الرسول فغسّلوني وكفّنوني وضعوني على قارعة الطريق...
ثم مات فكفّنته زوجته وغلامه ووضعاه على قارعة الطريق عسى أن يتكفل به من يمرون ببيتهم في الصحراء حتى مر عبد الله بن مسعود مع جماعة من مسلمي العراق وكادت قافتلهم تطأ جثة أبا ذر فقالت لهم زوجته أن هذا صاحب رسول الله أبا ذر فساعدونا في دفنه فصلّوا عليه ودفنوه وبكى عبد الله بن مسعود وقال: صدق رسول الله عندما قال فيك: "تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك." وحين استحضرت وخدة أبي ذر
وددت أن أقول  لمعشر نواب التأسيسي "ماكان عليكم أن تتركوا الفقراء يموتون وحيدين..." ووددت أن أعبّر لهم عن خشيتي من أنّهم استغرقوا في أَسَن السياسة وأخذتهم شهوة طلب السلطان فتركوا الجهات المهمّشة والمفقّرة لتموت وحيدة كما مات أبو ذرّ وحيدا...


وددت أن أقول "إنّ الفقراء والعاطلين والشباب والجهات ممن زلزلوا الأرض تحت أقدام الطاغية المخلوع يموتون اليوم على أرصفة اللّامبالاة أو يودَعون السّجون جزاء ثورة اقترفوها وأيّ ذنب اقترفوا ؟ "
ووددت أن أقول لهم "  كان يجدر بكم ألاّ تغادروا المجلس بعد أن قطفتم غلّة انتخابية رأيتم ثمارها دانية في جلسة المساءلة بل كان عليكم أن تمكثوا قليلا لتكفّنوا آخر مطالب الفقراء والمهمّشين في الجهات وأن تتقمّصوا دور السائرين في جنازتها فلعلّ في سيركم في الجنازة ما تغنمون لكم ولأحزابكم...لكن لأنّ المسرحية هزيلة ولأنّ الحبكة ضعيفة فإن المشهد ظلّ مبتورا لم يكتمل...والممثلون غادروا القاعة ولم يتركوا على طاولاتهم غير الخواء ليس أكثر من الخواء...

         

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire