حُكي أن الحجاجَ حبس رجلاً في حبسه
ظلماً، فكتب إليه رُقعةً فيها: قد مضى من بؤسنا أيامٌ ومن نعيمك أيامٌ، والموعدُ القيامة،
والسجنُ جهنمُ، والحاكمُ لا يحتاج إلى بيِّنة، وكتب في آخرها:
ستعلمُ – يا نَؤومُ - إذا التقَينا غداً عِندَ الإلهِ مَنِ الظَّلُومُ؟
أما واللهِ
إن الظُّلمَ لؤمٌ
وما زال الظلومُ هوَ المَلومُ
سينقطعُ التلذُّذُ
عن أُناسٍ أدامُوه, وينقطعُ
النّعيمُ
إلى ديَّانِ يومِ الدِّينِ
نَمضي وعندَ
الله تجتمعُ الخصومُ
قد يذهب إلى ظن أهل الردّة و تجار
الرذيلة الذين يتاجرون بدم الشهداء و
عائلاتهم ... و الذين عجزوا عن بلوغ أهدافهم
القذرة و الباحثين عن ركوب
صهوة حصان الثورة و المتمعشين و الباحثين عن شهرة مزيفة و الذين
ظلوا يغالطون العدالة و غابت عنهم الحجّة
بل و افتقدوها و لم يهتدوا بعد إلى
سبيل الحقيقة و تاهوا مع التائهين و خاضوا مع الخائضين هؤلاء كلّهم
و غيرهم و من لفّ لفهم (قد يذهب
إلى ظنهم) أن صحيفة الثورة نيوز بفتحها لملف
الأمنيين المساجين قد تقمصت دورا غير دورها ووقفت وقفة المحامي الذائد عن القيادات
الأمنية و المدافع الشرس عنهم وهم بذلك
أخطؤوا العنوان مرّة أخرى ...
و قد يذهب الاعتقاد لدى شق آخر من الضالعين في
ارتداء البدلة السوداء أن الصحيفة و أسرتها لا تعير وزنا للشهداء و
أنها أدارت الأنظار عن مآسي أهاليهم... فكل هذه التخمينات مردودة على من ادعاها لنعلن على الملأ أن الهدف الأول و الأخير من
فتحنا لمثل هذه الملفات التي " يخجل منها " العديد على اعتبار أنها تتعلّق بمسؤوليين كانوا على
رأس الجهاز الأمني في الزمن البائد دون أن يدركوا أن الظاهرة الإنسانية لا تقبل التعميم و انه لا معنى للمعاقبة الجماعية كما لا معنى " للشنقة مع الجماعة
خلاعة " أو " شكارة و البحر" غايتنا هي
خدمة القضايا العادلة و كشف وجوه التلاعب و إنارة الرأي العام و التبيان
لعائلات الشهداء أن القاتل الفعلي للشباب الثورة ما يزال مجهولا بل ربما منحته الثورة أجنحة أخرى و اختفى عن الأنظار تماما ...
كما لابد من التأكيد أن فتحنا لهذا الموضوع ليس
إلا لاعتبارات عديدة نسوقها تباعا مع الإشارة
أن تهم الإدانة الموجهة إلى القيادات الأمنية و المتمثلة في القتل عمدا أو
المشاركة فيها مهزوزة و حجيتها ضعيفة و
أركان إسنادها مفقودة .
عادل التيويري
...معاناة على معاناة
عادل التيويري المدير العام للأمن سابقا
واحد أبناء ولاية زغوان يقبع رهن الإيقاف منذ شهر افريل 2011 دون أن توجه له أي
تهمة لأنه بالمختصر المفيد ليست له تهمة ....
هو واحد
من رجال الأمن التي استهدفتهم
الرصاصات التي تطلقها العقول الناقصة
والأقلام الرخيصة و الألسنة الخبيثة التي
لم تدرك بعد أن رجال الأمن هم أولئك الرجال الذين يحملون حب أوطانهم داخل
قلوبهم ووهبوا البلاد أغلى ما لديهم ولم يبخلوا على الوطن بأجسادهم التي تقطعت على
أيدي المخربين، وبدمائهم التي سالت على ثراها بل ضحوا بأرواحهم وأوقاتهم في سبيل
أن ينتصر الوطن على من عاداه، و الذين
لم تدرك عقولهم بعد أن عمل رجال الأمن يختلف عن غيره من الأعمال
فهم يحملون مسؤولية وطن مكلفين بالسهر على أمنه وضمان استقراره....
حتى لطمتهم أمواج رجال السياسة الجدد الذين قدموهم كقرابين لإسكات أصوات عائلات
الشهداء و جرحى الثورة و ليصيبهم "جور"
القضاء في المقتل وفق منهجية السياسة تفصّل
و القضاء يلبّس .
أسئلة نطرحها اليوم بعد أن
قاد القدر "الأحمق" عادل
التيويري إلى السجن :أهو صخرة أو جبل لا تهزه الأقاويل و موجة التهم
الفارغة التي يسوقونها إليه ؟ و إلى متى
سيظل في موقع القربان لترضية
عائلات الشهداء ؟ و أي معنى
للعدل اليوم إن تم الزج به في أتون السجون دون إسناد قانوني صريح ؟
لسنا ممن
يتلذذون بمعاناة الآخرين و لسنا
ممن يستسيغون الأحكام المسبقة التي
تم زرعها في عقول التونسيين و التي تنص على أن الأمنيين كانوا وراء قتلة الشهداء و وراء
إطلاق عيارات الرصاص الذي خرّب أجساد المدنيين فسقط من سقط مودعا و بقي من بقي ليعيش معوقا ... و لكننا
نخضع كل القضايا إلى التحليل
المنطقي وفق قاعدة المعطيات المتوفرة و ندفع بالشك لأنه الطريق الوحيد إلى
اليقين و نتساءل إلى أي مدى كانت القيادات الأمنية و تحديدا
عادل التيويري وراء القتل عمدا أو
المشاركة و وراء إصابة أكثر من 69 شابا تونسيا اثناء الثورة ؟؟
و هل صحيح فعلا أن عادل التيويري أراد وأد
الثورة كما يزعم الزاعمون ؟؟ و هل فعلا يستحق الزج بها في أتون السجون ؟؟ و هل
صحيح فعلا أن التيويري هو من قتل عمدا شهداء الثورة من اجل عيون المخلوع و نظامه ؟؟ أسئلة نسوقها
و نحللها تباعا و ننفض عنها
الغبار في وقت يعيش فيه هذا الأخير أسوأ
لحظات حياته و أعسرها و يحسب أيامه بالدقيقة و الثانية وراء
القضبان بعد أن سلطت عليه عقوبات سجنية يحق الطعن فيها و مناقشتها بدل
المرة مرات ...
إحالة غريبة
طبقا لقاضي الإحالة بالقصرين و قاضي
الإحالة بتونس وقع إيقاف عادل التيويري في قضيتين الأولى تهم
الضحايا الذين سقطوا بكل من تالة و القصرين و الثانية تهم
الضحايا الذين سقطوا خلال الثورة بتونس الكبرى و العاصمة و قد وجهت إليه تهمة المشاركة
في قتل المتظاهرين ... و نص إحالة عادل التيويري وفق أهل الاختصاص و الضالعين في القانون كان ضعيفا
و يخلو من جانب الإسناد المادي
و المعنوي ... و الغريب في الأمر أن الإحالة اقتصرت على
جهتين :القصرين و تونس و لكن السؤال المطروح كيف تتم إحالته على جهتين فقط
و الحال أن الضحايا سقطوا في عديد
المدن التونسية الأخرى علما أن التيويري
كان زمنها مديرا عاما للأمن ؟ بمعنى هل كان هو وراء القتل في تونس و القصرين
و في الآن نفسه ليس مسؤولا عن عمليات القتل الأخرى التي وقعت في الجهات التونسية الأخرى ؟ أليس في
الأمر شبهة تثير الدهشة ؟؟اللهم إن كان التيويري
مديرا عاما على الأمن في تونس و
القصرين فقط ... و هذا لا يستقيم عقلا وواقعا ؟؟
و شهد شاهد من أهلها ؟
فالمعلومات القادمة من رحاب جلسات
المحاكمة و حتى خلال الطور التحقيقي أكدت انه أثناء المكافحة مع شهود عيان كلها أكدت أن التيويري لم يعط
أي تعليمات بقتل المتظاهرين
بل أكدت أن التعليمات ارتكزت أساسا على ضرورة ضبط النفس ... و من الوثائق التي يراد لها أن تصمت
تلك الشهادة التي أدلت بها في يوم 10 ماي 2011 وئام
شاذلية بنت عبد الله جراد رئيس
مصلحة الدراسات و المراقبة
بالإدارة العامة للأمن
العمومي و أكدت فيها بعظمة لسانها أنها تنتمي إلى الإدارة العامة للأمن العمومي و قد تطوعت
اثر الأحداث التي جدت خلال شهر
جانفي 2011 إلى الإقامة لمدة 10 أيام بمكتبها لتتولى المساعدة على
تعميم التعليمات و التي تمثلت
أساسا في عدم استعمال الذخيرة
الحيّة و التحاور مع المواطنين و محاولة كسب ثقتهم و لا سيما سحب جميع الأسلحة من وحدات الأمن الوطني و ذلك بالتنسيق مع خلية المتابعة نقلا عن المدير العام للأمن العمومي مؤكدة بأنّ
قرار سحب الأسلحة من المراكز و مقرات الأمن من قبل المدير العام للأمن الوطني عادل التيويري كان
قرارا شجاعا الغرض منه تفادي سقوط العديد من الضحايا و قد كان يعود
عليه بالوبال لو لم تنجح الثورة
مضيفة بأن عادل التيويري لم يكتف بذلك
بل أوفد إطارات أمنية رفيعة المستوى أصيلي الجهات قصد التحاور مع أهاليهم و إقناعهم بالحسنى و تهدئة الأوضاع ...
إضافة إلى هذه الشهادة كانت
هناك شهادة أخرى في ذات اليوم لعبد الستار السالمي مدير إقليم
الأمن الوطني بنابل و المدير العام
الحالي للأمن العمومي و الذي أكّد انه بتاريخ 9 جانفي 2011 تلقى مباشرة تعليمات
من مدير الأمن العمومي نقلا عن
المدير العام للأمن الوطني مفادها عدم استعمال أي طلق ناري و تجنّب الاصطدام و توخي السلوك الحضاري و قد سجلت تلك التعليمات بدفتر مرقم
يعرف بدفتر شريط الأحداث
الممسوك من قبل أعوان قاعة العمليات بإقليم الأمن الوطني بنابل و قد إذن له بتعميمه على
رؤساء المناطق الراجعين له بالنظر و أضاف السالمي انه تلقى تعليمات
واردة من الإدارة المركزية بوزير الداخلية في يوم 11 جانفي 2011 مفادها تأمين الأسلحة بالمقرات
و في صورة اقتحام المقرات الأمنية
إطلاق النار في الهواء و إذ لم
يمتثل المقتحمون فإطلاق النار على أرجلهم ...
تضاف إلى الشهادتين شهادة
مكرم عقيد رئيس خلية المتابعة للإدارة العامة للأمن الوطني بتونس و الذي أكد انه كان على اتصال دائم
بالمدير العام للأمن الوطني
و قد كانت التعليمات الصادرة عنه
تفيد عدم استعمال الذخيرة الحيّة و ضبط النفس و التحاور مع المواطنين مشيرا أيضا إلى قرار سحب الأسلحة من أعوان
الأمن الوطني ...
و الشهادات الموثقة للأمنيين
رافقها تسجيل صادر عن المنظمة
الإعلامية بالإدارة و
المركزية للعمليات بوزارة الداخلية ضمن
قرص مضغوط يحتوي التعليمات
الصادرة عن المدير العام للأمن
الوطني آنذاك و تقضي
بضبط النفس مع المتظاهرين و المحتجين
... و يشهد على ذلك أيضا دفتر العمل
بقاعة العمليات المركزية بتاريخ 9
جانفي 2011 و المضمن لنفس التعليمات و
لتعليمات أخرى تقضي بتفادي إطلاق النار داخل الأحياء ...أضف إلى ذلك كلّه
التعليمات الصادرة عن قاعة العمليات ماهر2 و التي تؤكد نفس التعليمات ...و جل الشهادات القريبة أو البعيدة من التيويري تؤكد أنه
من أحسن و أنظف رجالات الأمن و ينحدر من عائلة محافظة و على خلق عالية
و نزيه و يده نظيفة .
بأي ذنب يحاكم التيويري ؟
ما يمكن التشديد عليه
هو حتى و إن افترضنا أن عمليات
القتل عمدا للمتظاهرين متوفرة فان الأكيد أنها عمليات فردية معزولة لا يتحمّل مسؤوليتها المدير
العام للأمن على اعتبار أن الجهاز الأمني المتواجد على الميدان قد يكون أباح لنفسه استعمال السلاح من خلال إطلاق
الرصاص الحي على المتظاهرين وهي عملية لم
تكن إلا
نتيجة رد فعل فردي و
معزول في غياب التعليمات الفوقية و تطبيقا
للقانون عدد4 و نظرا للخطر الداهم الذي أحس به رجل الأمن الميداني من خلال المداهمات للمقرات الأمنية السيادية ... عنف
مادي و لفظي ... اعتداءات وحشية باستعمال المولوتوف ...) ...ثم كيف تقع محاسبة من كان في
وزارة الداخلية و يتركون من قتل حرا طليقا
دون محاسبة ؟؟ ثم ان الوقائع تؤكد اليوم
انه من فترة 17 ديسمبر إلى فترة 13 جانفي استشهد حوالي 69 شابا تونسيا و نسبة كبيرة من الشهداء قتلوا برصاصات
غير متوفرة لدى الأجهزة الأمنية
المتواجدة على عين المكان حيث توصلت
الاختبارات الفنية الباليستية إلى أن الذين قتلوا تم قتلهم برصاصات من عيار 7.62
مليمتر و هذا النوع من الذخيرة لا تتحوّز
عليه وزارة الداخلية.
ثم إنّ غياب الركن
المادي و المعنوي للجريمة و توجيه
تهمة القتل عمدا أو المشاركة فيه
لعادل التيويري باطلة على معنى الفصل 205 من
المجلة الجزائية و على معنى الفصل عدد4
لسنة 69 الذي يبيح استعمال السلاح مع
التدرج في استعمال القوة وهو ما يؤكد أن
عملية القتل عمدا و عن قصد غير متوفرة ...و
تهمة القتل عمدا أركانها غير متوفرة أيضا
على اعتبار هام ربما يجهله العامة
فالبندقيات المستعملة من طرف جهاز الأمن
ذات العيار 5.56 مليمتر هي أسلحة تعمل بالتعديل ... اذ يلزم بعد كل استعمال لها تعديلها
و لعمري أن 90 % من الآمنيين التونسيين يجهلون عملية التعديل ...و بناء عليه
فانه في غياب عملية التعديل تصبح إصابة
الهدف غير مضمونة و بالتالي فقد يكون على سبيل المثال الهدف ساق المتظاهر فتكون الإصابة على مستوى الرأس
... مما يؤكد مجددا أن نية التعمد و
القصدية في القتل مفقودة ...
الدية وصلت فلم
القصاص؟؟
قد تجدنا في هذه الواقعة ملزمين بللعودة إلى المعجم
الديني على اعتبار أننا مجتمع مسلم
ارتضينا الإسلام دينا ... و المنهج الإسلامي يؤكد انه لا معنى للقصاص إذا ظفر المتضرر بالديّة
و قياسا عليه فان عائلات الشهداء و الجرحى وقع التعويض لهم و
تسلموا جزءا من الأموال لجبر الضرر
من الدولة وهو اعتراف ضمني من الدولة ذاتها في مسؤوليتها في قتل المتظاهرين و لا
نحسب أن التيويري و بقية الأمنيين
المسجونين لهم عداوة و بغضاء شخصية مع كل متظاهر قتل دفاعا عن شرف الوطن على
اعتبار أن ملف شهداء الثورة اختلط فيه الحابل بالنابل و النزيه الصادق بالبلطجي
السفيه و لم نعد نفرّق بين المتظاهر و بين الناهب
و بين الصادق و بين الكاذب و
مع ذلك لابد من القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قتل له قتيل , فهو بخير النظرين : إما
أن يقتل , وإما أن يُفْدَى ) . وقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ( من أصيب بدم , أو خبل , فهو بالخيار بين إحدى ثلاث ،
فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه : أن يقتل , أو يعفو , أو يأخذ الدية ) .. ولم
يقع نزاع بين العلماء في صحة عفو أولياء الدم عن القصاص إلى الدية ، وهو ما دلت
عليه الأحاديث السابقة . وحينئذ
يطلق سراح الجاني ويُلزم بدفع الدية .
بين ناريين
الخلاصة تؤكد أن التيويري جازته الثورة جزاء
سينمار فانحيازه لعدم الاعتداء على
المتظاهرين و قتلهم كان سيعود عليه بالوبال لو لم تنجح الثورة و ظل
النظام صامدا ... و رغم نجاحها فقد عرف نفس المصير ... وتلك المظلمة الكبرى التي ظل أهله يرددها قياسا على قول الشاعر :
أخي
إن نمُتْ نلقَ أحبابنا .. فروْضاتُ ربي أعدت لنـــــــــــا
و
أطيارُها رفرفت حولنا .. فطوبى لنا في ديار الخلــــــــــود
أخي
أنت حرٌ وراء السدود .. أخي أنت حرٌ بتلك القيـــــــود













Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire