خلال العهد البائد
كان الحديث على السجون من الجرائم التي لا تغتفر بل بمثابة المشي على الجمر أو
اللعب بالنار ذلك أن التطرق إلى مثل
هذه المواضيع كان يعتبر من وجهة نظر دكتاتورية بن علي مساسا بأمن الدولة وسيادتها
وتشويها لسمعتها على المستوى الاقليمي والدولي فكان الصحفي أو الحقوقي الذي يكتب أو
يتكلم على كل ما له علاقة بالسجون
التونسية خاصة من حيث وضعية السجناء كما لو كان يبعث بنفسه نحو الجحيم على اعتبار أنّه
سيصنف من قبل النظام البائد وهالته الإعلامية على أنه خائن وجب تسليط أشدّ
العقوبات عليه كل ذلك أدّى إلى تعتيم إعلامي كبير حول السجون التونسية فلا إحصائيات
ولا أرقام ولا شيء ممن هذا القبيل يمكن أن يدل على الوضعية الحقيقية لتلك السجون
والسجناء والمعتقلين داخلها وحتى على ما يعانيه الأعوان أنفسهم بالرغم من إنهم
يعتبرون آلة التنفيذ بالنسبة إلى النظام ذاته...
وبالرغم من أنّ
مطالب الشعب التونسي خلال ثورة 14 جانفي كانت رد الاعتبار والكرامة للإنسان في جميع أبعاده
وتحقيق العدالة الاجتماعية إلا أنه وللأسف الشديد بقيت تلك المطالب مجرد شعارات
ترفع خلال المناسبات السياسية وغيرها أكثر منها تطبيقا على أرض الواقع ومحاولات
فعلية للإصلاح والتغيير نحو الاحسن لان ما تعيشه السجون التونسية اليوم مأساة إنسانية
بأتمّ معنى الكلمة ومن جميع النواحي ...
اكتظاظ إلى
حدّ الاختناق
يعدّ الاكتظاظ من أكبر
المعضلات التي تعيشها السجون التونسية اذ بلغ عدد السجناء حسب آخر التقارير حوالي
23 الف سجين موزعين على 28 مؤسسة سجنية لا تفوق طاقة استيعابها 18000 سجين ...
فالمعدل العام
للاكتظاظ بالنسبة إلى كل السجون يفوق
ال125% لكن للأسف في بعض السجون تصل إلى قرابة ال400% مثل سجن القيروان الذي يحتوي على 620 سجينا
فيما لا يتجاوز عدد الأسرة فيه ال246 سريرا وكذلك سجن المسعدين الذي فاق الخيال
فيما يتعلق بنسبة الاكتظاظ اذ تؤكد بعض المصادر بان الغرفة التي لا تتجاوز طاقة
الاستيعاب فيها ال25 سجينا تجد فيها قرابة ال200 سجين وهو ما يتنافى مع الفصل 15
من قانون السجون الذي ينص على وجوب توفر فراش فردي لكل سجين عند ايداعه وما يلزمه
من غطاء على اساس المعايير الدولية في هذا المجال ...
وقد تجاوزت
طاقة استيعاب العديد منها ثلاثة أضعاف أو أربعة وذلك راجع بالأساس حسب أهل
الاختصاص وعديد التقارير الصادرة في هذا المجال إلى تردي المنظومة العقابية في
تونس أضف إلى ذلك أن القضاء التونسي في أغلب
الأحيان يعمل وفق مبدأ وضع الجميع في السجن وهو ما أدى إلى ارتفاع مهول لنسبة
الموقوفين التي قاربت ال60% من عدد المساجين لتصل إلى 13312 موقوف حسب آخر الإحصائيات.
وهذا العدد الكبير للموقوفين يمثل السبب الرئيسي
بل المحوري للاكتظاظ داخل السجون وحسب ما أفاد به مثلا بعض السجناء الذين غادروا
السجن أن كل سجين جديد يمر بالإقامة ب"الكدس" وهي عبارة عن أغطية قذرة
تفرش على الأرض ينامون عليها ليلا ثم تسحب منهم في فترة النهار ونتيجة للاكتظاظ
خلق في السجون التونسية نوعا آخر من أنواع الإقامة وهو ما يسمى حسب لغة السجن ب"البلاطة"
وهي عبارة عن سريرين من طابقين يتم ضمها إلى بعض أو بناء من الإسمنت قصد جمع
أكبر عدد ممكن من المساجين فيه.
بنية تحتية متردية
جدا
حيث تؤكد عديد التقارير أنّ
زنزانات السجون التونسية و غرفها ضيقة ومنعدمة التهوئة وفي أغلب الأحيان تفتقر
للتبليط والطلاء أو إنها لم تطل منذ عقود بالإضافة الى المراحيض الغارقة في
الاوساخ والقاذورات بحيث لا تتطابق مع ادنى مواصفات النظافة والصحة...
تدهور
الحالة الصحية
إنّ الاكتظاظ
الكبير داخل السجون التونسية بالإضافة إلى تردي البنية التحتية أدّى إلى انتشار شتى أنواع الأمراض
من بينها الجرب والسل وغيرها من الأمراض المتناقلة جنسيا وبالرغم من أنّ قانون
السجون والمواثيق الدولية تلزم السلط المعنية بوجوب احترام حقوق المساجين الأساسية
وخاصة منها الحق في الصحة والحق في العلاج وتوفير الاطار الطبي والأدوية اللازمة إلا
إنّ بلادنا وللأسف لا تزال بعيدة كل البعد على توفير مثل هذه الحقوق خاصة وأنّ عدد
الممرضين في كامل سجون الجمهورية لا يتجاوز ال22 ممرضا فما بالكم بعدد الأطباء ...
أعوان
السجون والسجناء في الهوى سواء
حالة الأعوان وإطارات السجون لا تختلف عن
أوضاع المساجين فهم كلهم ضحايا تراكمات سياسة الدولة السجنية التي كانت منذ عقود
قائمة على الزجر والعقاب فقط وليس على الاصلاح فأعوان السجون لا يزالون الى يوم
الناس هذا يفتقرون للتجهيزات الأمنية واللوجستية الضرورية لأداء مهامهم على أكمل
وجه وفي إطار الحماية اللازمة من المخاطر التي يمكن ان يتعرضون اليها بالإضافة الى
عدد ساعات العمل اليومي للأعوان الذي لا يتماشى مع طبيعة الفضاء المغلق الذي
يشتغلون فيه وما ينتج عنه من تأثيرات سلبية على الجانب النفسي والمعنوي مما يؤدي
في كثير من الأحيان إلى الاستعمال المفرط للقوة مع المساجين من دون أي قصد للقيام
بذلك كما أنّ عون السجن ليس بمنأى عن التأثيرات الأخرى السلبية التي تخلفها
الوضعية المزرية للسجن مثله مثل السجين وخاصة منها الامراض اتي تولد عن الاكتظاظ
وعن البنية التحتية المهترئة ...
بعض الحلول
يبدو أنّ السبب الرئيسي لتردي وضعية
السجون في تونس هو الاكتظاظ وبالتالي فان تحسين تلك الوضعية وإصلاحها يتطلب ومن
دون أدنى شك القضاء على ذلك الاكتظاظ من خلال تطوير القانون العقابي التونسي وذلك
بمراجعة القوانين الاجرائية المتعلقة بالإيقاف والاحتفاظ بالمتهمين على ذمة
القضايا والنظر في مسالة تطبيق العقوبات البديلة خاصة وأنّ السجن لم يعد يقوم بالدور
الاصلاحي المرجو منه إذا عرفنا إنّ عدد المساجين العائدين يمثل قرابة ال45% من
العدد الجملي للمساجين ... فمثلا مدة
الايقاف التحفظي في القانون التونسي يمكن أن تصل إلى 6 أشهر قابلة للتجديد لتصل
الى 14 شهر وهذا الاجراء خاضع للسلطة التقديرية المطلقة للنيابة العمومية وذلك
يعتبر مجحفا في حق المتهم ويتعارض مع قرينة البراءة وقد أدى بدوره إلى ملء السجون
بالموقوفين الذين فاق عددهم عدد المحكومين وهي وضعية تتنافى مع المنطق والواقع
وحتى مع القانون الذي يعطي للقاضي امكانية اللجوء الى الحكم بالعقوبات البديلة عن
السجن من بينها العمل لفائدة المصلحة العامة ولا ندري لماذا لا يلتجئ القاضي
التونسي لمثل هذه العقوبة البديلة وغيرها التي توصل الى عدة نتائج ايجابية أخرى إضافة
إلى التقليص من عدد السجناء فيمكن مثلا أن تعوض عقوبة السجن في الجرائم التي لا
تشكل خطورة كبيرة على المجتمع بالخطية او العمل لفائدة المصلحة العامة وهو ما سيدر
على خزينة الدولة أموالا هامة كما أنه يمكن تعويض إجراء الإيقاف بإجراءات وتدابير أخرى
أخفّ وطأة على المتهم وعلى السجون وتجدر الإشارة في الأخير إلى أنه بمجرد حل معضلة الاكتظاظ سيجد عون السجن
نفسه يعمل في منظومة مريحة ذلك أن الأموال الطائلة التي كانت تصرفها الدولة على
جزء هام من الموقوفين والمسجونين يمكن صرفها على تحسين وضعية الاعوان والمساجين
الاخرين على حد السواء ...









Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire