jeudi 9 août 2012

بعد مؤتمرها التاسع : تشريح الخطاب السياسي لحركة النهضة - الجزء الاول








إن الخطاب اللغوي لحركة سياسية ما إنما يعبر عن عقيدتها السياسية في أفكارها وتصوراتها, هو خطاب مشحون بتراكمات الماضي وبرغبة جامحة في الوصول إلى السلطة والتحكم وتحقيق الغلبة, ونحن نروم استقراء الخطاب السياسي لحركة النهضة في تونس ذات الخلفية الإسلامية انطلاقا من نص محدد هو التقرير الأدبي الذي قدم خلال المؤتمر التاسع للحركة
وهذا الخطاب رسالة لغوية تمتلئ بالدلالات السياسية والدينية والاجتماعية والتاريخية والطموحات الذاتية أيضا, إنه خطاب سلطة يرجع صدى خطاب المعارضة القديمة التي تألم زمن الاستبداد, فإذا هي سلطة ناشئة ومتحولة تطوع الخطاب السياسي في الحجاج وأساليب الإقناع وصناعة السيطرة, وتنبئ بولادة عصبية جديدة سوف تحكم تونس في المرحلة المقبلة. .. والتقرير يرتبط بأحداث ووقائع في تاريخ تونس المعاصر بدأ مع نهاية السبعينات وتأسيس الحركة الإسلامية وينتهي بعد انتخابات 23 من أكتوبر لسنة 2011, هو خطاب محمول بتجربة تاريخية تونسية ويتأثر بعوامل إقليمية وتاريخية،  ويرتبط بالظاهرة الأصولية, إنه يسير الهوينى إلى الحداثة وهو يلتفت إلى جذوره الدينية وموروثه الفقهي مثقلا بأحداث وزعامات وتراكمات سياسية, ويأخذه حنين لمعاودة تجربة النبوة وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة ومنبهرا بتاريخ إسلامي يفيض على العالم.
وهو كذلك خطاب ينبنى على قيمة سياسية أخلاقية هي التأسيس للمدينة الفاضلة التي تتحقق فيها السعادة الإنسانية على قاعدة العدل والخير نقيضا للظلم والشر, فهل بإمكان خطاب الإسلام السياسي في تونس أن يحول مقولاته المثالية الحالمة إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق في الواقع التونسي المعيش؟ قد تكون المسافة الفاصلة بين الدولة المثال وبين واقع الدولة في نظرنا عصية عن الإفهام

 
انعقد المؤتمر التاسع لحركة النهضة التونسية موضوع بحثنا أيام 15 / 14 / 13 / 12 من شهر جويلية لسنة 2012, وقد اختزل التقرير الأدبي كامل المرحلة التاريخية للحركة الإسلامية. وفي مستوى الشكل جاء التقرير في 18 صفحة وافتتح بتوطئة أولى تلتها مقدمة. وقد قسم هذا التقرير إلى فقرات خصصت كل فقرة برقم يميزها عن الأخرى من 1 إلى 20, بمعنى أن المنهج الذي توخاه كاتب التقرير هو تنظيم الأفكار وترتيبها وفق منطق رياضي إلى جانب التزامه بالتسلسل الزمني للتاريخ بما يوحي بالنظام والدقة في ظاهره, ومن الغرابة أن النقطة السابعة في التقرير لم تكن موجودة أصلا فسقطت, إذ انتقل المتلفظ من النقطة السادسة إلى النقطة الثامنة فإذا هي 19 نقطة هذا إضافة إلى أخطاء الرقن وبعض اللحن اللغوي, فكأن التقرير قد كتب على عجل وأسقط عن صاحبه عناء المراجعة على الرغم من أهميته،  ثم جاءت الخاتمة لإجمال ما دون في ما تقدم.

 وقد جاء التقرير مخبرا عن مرحلة من تاريخ الحركة تراوحت بين النشاط السري وبين الظهور العلني مرورا بمرحلة السجن ووصولا إلى الحكم, فقدم تفصيلا تاريخيا للنشأة ومؤتمراتها السرية أو تلك التي انعقدت في المهجر لسنوات2007/ 2001/ 1995 / 1988 / 1986/ 1984/ 1981/ 1979.
ونحن نرى أن نص الخطاب السياسي في التقرير الأدبي متعدد الأصوات لا يتوفر على متلفظ وحيد, نقصد أن التقرير نص جماعي شارك فيه متلفظون مختلفون بدليل تعدد الأساليب وأفانين الكتابة, إذ هو ينقل إلينا صوت الزعيم وصوت المريد التابع, فجاءت بعض الفقرات صياغة للأستاذ «راشد الغنوشي» وبعض الفقرات الأخرى خليطا من أساليب مختلفة غاب عنها التنسيق, فظهرت قطيعة بائنة بين الأفكار والفقرات مما أفقد الخطاب قوة الترابط والتماسك. إنه نص مبتور في مستوى أفكاره قد خلا من حجية النص السياسي القائم على القدرة على الإقناع والإبهار. وقد اختصر التقرير حقبة زمنية تمتد على عشرين عاما أراد أن يجملها في بضع صفحات...
فهل يجوز اختزال مرحلة تاريخية ممتلئة بالأحداث والأفكار والتحولات والمشاعر الإنسانية في خطاب لغوي مختصر؟ إنه سيلغي قطعا كثيرا من الوقائع والتفاصيل والجزئيات لأنه في المنتهى ليس نصا تأريخيا يبحث عن الحقيقة التاريخية, إنما هو يقدم وجهة نظر أحد الأطراف السياسية داخل حركة النهضة من تلك الأحداث, هي قراءة الفئة المسيطرة صاحبة القرار داخل الحزب

 
ارتباط بالمقدس 

وقد افتتح التقرير بآية قرآنية وختم كذلك بآية قرآنية بما يوحي أنه نص سياسي مشدود إلى نص ديني مقدس, ويأتي الدعاء مذكرا بأساليب الخطابة الدينية القديمة وهو فن في الكتابة والترسل يقوم على افتتاح المدونة أو الرسالة باستدعاء للعامل الديني, هو دعاء يعود إلى الله والى فكرة الهداية والتوجيه الرباني, ويجدد اعتراف الإنسان بألوهية الخالق, ويهدي الجماعة المؤمنة سواء السبيل وينصرها سياسيا
وهذا الدعاء يذكر أيضا بفكرة الجهاد إلا أنه «جهاد الكلمة» بمعناه الضيق «في حضرة السلطان الجائر» استنادا إلى ما ورد في المقدمة, كانت مقولة إسلامية تدفع المريدين والمناضلين إلى الجهاد ومواجهة الحاكم المستبد الخارج عن شرع الله غير أنها مواجهة سلمية مقيدة بتوظيف اللغة واللسان ضمن إطار النصح والمجاهرة بالحق خارج دائرة العنف... وفي الدعاء كذلك تذكير بالآخرة ويوم الحساب وهي من ركائز الإيمان في أصول الدين. فكأن معاودة فكرة ما بعد الموت أو ما بعد العالم الإنساني فيه تأصيل للسياسي داخل مجال العقيدة الدينية وفيه خضوع لله الواحد الأحد في التصور الإسلامي.

وتؤكد الآيات القرآنية في الافتتاحية أصولية حركة النهضة وارتباطها الوثيق بالمقدس, هي حركة تنتمي إلى تاريخها وتتمسك بموروثها الديني وتحمل في جرابها السياسي حسب تصورها مشروعا حضاريا ينتهي إلى الاعتراف بعبودية الإنسان وبربوبية الله في ملكوته سعيا لتحقيق مفهوم الدولة الإسلامية وفق القيم القرآنية التي ستملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا

 
حقائق
ومن جهة أخرى فإن الخطاب السياسي الذي يستلهم من الموروث الديني ومن نصوص القران إنما يعلن انتسابه للحقيقة الدينية المطلقة من خلال ملفوظه, فيتحول الخطاب البشري في التقرير الأدبي إلى خطاب يستمد شرعيته من التاريخ ومن الله،  هو ارتباط وثيق بين الدين والسياسة لدى الأحزاب الإسلامية المعاصرة بما فيها حركة النهضة, فإذا بنص التقرير قد تحول إلى خطاب لغوي يفارق الخطاب السياسي السائد لدى بقية الأحزاب الليبرالية أو القومية أو اليسارية, وهو يضمر في المستويات العميقة من وعيه السياسي اعتقادا راسخا بأنه يمتلك حقيقة الهداية الإلهية وحقيقة العالم وسر الغيب, ويضحي الخضوع إلى الخطاب السياسي للحركة من جنس الخضوع إلى الخطاب الديني المقدس «وذاك ما يفسر الانضباط الحزبي الصارم لأعضاء حركة النهضة داخل المجلس التأسيسي». ثم إن هذا الحزب المدني المنخرط في العملية الديمقراطية متمسك بمرجعيته الدينية وهو يرى أن أحوال الناس لا تصلح إلا بصلاح أخلاقهم وإيمانهم وتمسكهم بدينهم, وبالتالي ينتفي الفصل بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني فيتماهى الخطاب البشري مع الخطاب الالهي.
بعد المقدمة الدينية ينتقل التقرير إلى توطئة سياسية تصوغ تعريفا عاما لحزب حركة النهضة في تونس فيعتبر « أن تفويضا ديمقراطيا في الانتخابات أهل الحركة لقيادة الشأن السياسي العام من أجل تحقيق أحلام المصلحين وتحقيق مقاصد الإسلام». وحين نمعن النظر في الخطاب «النهضوي» فإننا نقف عند تقرير جمع بين التاريخ الحديث لحقبة الصدام والاستئصال،  وبين خطاب سياسي يسعى إلى تقليب مسائل الحكم بعد مرحلة التمكين والنصر الإلهي حسب اعتقادهم, وما يقتضيه ذلك من صياغة لنظرة كلية في السياسة والأخلاق والاقتصاد والاجتماع الإنساني

 .
خطاب 
ويبدو من خلال الخطاب السياسي للحركة أنه قد تبدل من خطاب احتجاجي ومعارض ضد الحاكم المستبد, إلى خطاب ينظر من زاوية ولي الأمر وفق منطق الدولة. هو يريد تحقيق مقاصد الإسلام الكبرى وتندرج تلك المقاصد ضمن مفهوم الكليات بتعبير الشاطبي في «كتاب الموافقات», إنه يروم تحقيق مقاصد الشرع التي تتأسس على قاعدة مفادها أن العقل به نفسر الكلام الإلهي وهو لهذه الجهة خادم للنص القرآني فإذا ارتبط جلب المصالح باستنباط عقلي فإنه يقدم على النص من أجل درء المفاسد.
«
والحركة تروم تحقيق أحلام المصلحين» بمعنى أن النهضة قد اصطفت ضمن فكر إسلامي إصلاحي بعد أن كانت في الثمانينات تنحاز إلى فكر إسلامي ثوري ومكافح قريب النهج من تشدد التجربة الإيرانية, فاستلهمت من فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأحمد بن أبي الضياف وخير الدين باشا التونسي وبيرم الخامس وبعض من شيوخ الزيتونة... أولئك الذين دعوا إلى النهوض بالأمة الإسلامية والاقتباس عن الغرب في ما لا يتعارض مع الشرع من أجل الخروج من حالة الانحطاط.
بيد أن الخطاب السياسي لحركة النهضة قد تخلى عن مفهوم «الأمة» بمعناه الشمولي أو دحرجه إلى مرتبة ثانوية فلم يذكره أصلا في نص التقرير, لقد انتقل إلى الدولة بمفهومها القطري الضيق بخصوصيات تونسية, إنها الدولة الوطنية التي تسبق في الأهمية فكرة الأمة الإسلامية. فكأنها قد أيقنت بضرورة قبول الواقع التاريخي فتخلت عن التصور المثالي الذي يرى في إمكانية وجود « الدولة /الأمة» متجانسة تدين بالإسلام وتعبد الله وتقيم دولته في الأرض
وقد ورد في التقرير «أن الحركة اليوم تراعي الواقع المحلي والدولي مع الالتزام بالوسطية» ومثل هذه الجملة تنبهنا إلى تنازلات كبرى في مستوى عقيدة الإسلام السياسي إنه يتخلى باسم مراعاة الواقع عن مبادئه التاريخية في مناكفة الاستعمار, والسيطرة الاقتصادية والثقافية التي يفرضها الغرب, وفي معارضة الامبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية, وهو يتخلى عن معاداته للغرب الوريث الشرعي للمسيحية الاستعمارية المحاربة, فلم يعد خطابا إيديولوجيا مكافحا ومجاهدا, لقد أصبح خطابا إصلاحيا طيعا ومرنا.
وأضحى عدو الأمس حليف اللحظة الراهنة. والنهضة اليوم لا تجد حرجا في إعلان تحالفها مع القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لقد صارت تشبه إلى حد كبير الإسلام على الشاكلة الخليجية إسلام مسالم ومتعاون يحفظ المصالح الأجنبية فلا ترى الحركة ضيرا في التعاون مع الغرب ومع الولايات المتحدة الأمريكية تخصيصا بما يتناقض تماما مع عقيدتها السياسية التقليدية
وتشير فكرة الوسطية إلى الإسلام المعتدل وتنبئ بوجود إسلام متشدد راديكالي ترفضه الحركة في مقابل إسلام ليبرالي منفتح على الآخر حد الذوبان. إن هذا الخطاب السياسي في لغة التقرير فيه إضمار لتحولات عميقة في إيديولوجيا الحركة, لقد تغيرت من حركة إسلامية إخوانية مناضلة, لتصبح حزبا سياسيا حاكما يؤمن بحضور الإسلام في أشكال التدين وفي الأخلاق وفي المعاملات الاجتماعية, إلا أنه يتخلى عن فكرة الصدام مع الآخر الغربي في مسألة الخضوع للقوى الدولية وحفظ المصالح الوطنية.

الأستاذ المعز الحاج منصور  - جريدة الشروق ليوم 08 أوت 2012 (يتبع)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire