الاستنتاج
الذي يخرج به جل المتتبعين للمشهد الديواني قبل وبعد الثورة يصب في أن هذه الإدارة
الجبائية الكبرى من ناحية إمكانياتها وصلاحياتها ومواردها البشرية الضخمة (أكثر
من 8000 موظف) بقيت تجرف خارج السرب بل ضد الاختيارات والبرامج
الحكومية ولتتحول إلى مصالح ملحقة في خدمة عصابات متنفذة عملت لعقود خلت على خنق
العمل القمروقي وعلى تطويعه لخدمة مصالحها الضيقة على حساب مصلحة البلاد والعباد.....
ما
حدث بالديوانة قبل الثورة لا يهمني بقدر ما يهمني حاضرها والمقصود بعد الثورة زمن
الحوكمة الرشيدة والتطهير والإصلاح والعدالة الاجتماعية من وزراء المالية :
جلول عياد وحسين الديماسي وسليم بسباس ووصولا إلى المديرين العامين للديوانة :
محمد السعيد الجوادي والطاهر بن حتيرة ومحمد عبد الناصر بلحاج ومحرز الغديري ...
فخلال سنة وسبعة اشهر اشرف على وزارة المال 3 وزراء وحكم الديوانة 4 مديرين عامين
...ولتبقى دار لقمان على حالها (ولنعطي
لكل ذي حق حقه تعتبر فترة إشراف الطاهر بن حتيرة ورغم قصرها حيث أنها لم
تتجاوز ال5 أشهر من أواخر جانفي 2011 إلى أوائل جويلية 2011 ... من أحسن الفترات
التي عاشتها إدارة الديوانة من إصلاح وتطهير وتنظيم لكن النقابة المستحدثة وتحت
ضغط عصابة ال18 المحالة على التقاعد الوجوبي كان لها رأي آخر إذ رفعت في وجهه
العبارة الثورية"ديقاج" مصحوبة باعتداء خسيس على شخصه وعلى هيبة الإدارة)
أو لنعلنها صراحة بان الأمور تعكرت في هذا المرفق الجبائي الهام وتدحرجت من السيئ إلى
الاسوء ... خصوصا وانه اتضح بالكاشف أن وزراء المالية لا يتحكمون مطلقا في قطاع
الديوانة سواء مصالحها المركزية أو الجهوية أو الإدارية أو الميدانية أمر لا يحتاج
إلى طول تفكير.
لقد بقي هذا السلك ضحية للتجاذبات بين أقطاب
مافيوزية وعصابات مافيا أسست لنفسها :
-
فضاءاتها الخاصة تحت مسمى "مخازن التسريح الديواني" وهي فضاءات
اعتمدها النظام البائد لتسهيل أعمال التهريب من خلال تحويل أعمال تفقد ومعاينة شتى
أنواع البضائع الموردة عبر المداخل الحدودية البحرية من الميناء إلى محميات لا
تلحقها أعين المتطفلين ولا تراقبها أجهزة الكاميرا...أصحاب مغازات التسريح
المذكورة تحولوا إلى وكلاء للدولة في القيام محلها لاستخلاص المعاليم الديوانية
المستوجبة بطريقتهم وباعتماد بيانات حمولة مغلوطة ووثائق شحن مدلسة ومن ابرز
مجموعة الوكلاء المتورطين نجد صلاح الدين لحمر "سوكوتي" والهادي ميلاد
"سي.ام.ا" والطاهر شاكر "اس.ام.سي" وسالم النابغة
"او.تي.اي" وفرحات بن بلقاسم "سي.ام.سي.ا - بحرية" والقائمة طويلة لا يسمح المجال بذكرها .
-
شركات وهمية تعمل تحت غطاء التصدير الكلي وتنتفع بتشجيعات غير مستحقة
قننتها مجلة الاستثمارات الصناعية أو السياحية أو غيرها من المسميات ودعمتها إدارة
الامتيازات الجبائية صلب إدارة الديوانة التي اختصت في منح شهادات باطلة للتمتع
بما شاءوا من إعفاءات وغيرها من الامتيازات المسقطة ولنا امثلة كثيرة في شركات
تمتعت بامتيازات جبائية اعتمادا على تصريحات مغلوطة وعلى أعمال مشبوهة ومنها على
سبيل المثال لا الحصر :
مجمع محمد مقني للتجهيزات الكهرو- منزلية ومجمع عاطف بن سليمان ومجمع الإخوة سمير
وكمال كمون ومجمع عبد اللطيف الفخفاخ ومجمع الإخوة بن شهيدة" اقروم دي
قولف" ومجمع صالح الشريف ""سوفريباي" ومجمع علي الحليوي شهر
الحوات ومجمع صلاح الشملي و....
-
منظومة ديوانية معتمدة "سندة"هي أصل الداء تعمل لخدمة مصالح
العصابات المتنفذة دون سواها فكم من مورد أو مهرب تمتع بمعاملة خاصة لدفع معاليم قمروقية
مستوجبة دنيا باعتماد الخزعبلات والمغالطات فصاحب كلمة السر وهو في العادة أما
مدير إدارة القيمة أو مدير الإعلامية بالديوانة الأول تابع لها والثاني تابع
لوزارة الإشراف أي وزارة المالية... كلاهما قادر على النفاذ إلى المنظومة وتغيير
النسبة أو القيمة مثلما يحلو له وبعد إتمام عملية التسريح ورفع البضاعة يقع الدخول
من جديد وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه...
-
عصابات مختصة في التهريب والنطر والسرقة مهمتها إخراج البضاعة من الميناء
بطرق جهنمية مستحدثة تعتمد عادة على أختام مسروقة ووثائق مدلسة وإيصالها سالمة إلى
أي نقطة من تراب الجمهورية حسب طلب الحريف .... هذه العصابات المحترفة والمختصة في
اختراق المصالح المشرفة على المراقبة والتفقد والتفتيش الآلي"سكانار"
واليدوي ولتتحالف مع "دوكارات" الميناء والمقصود بهم عمال الشركة
التونسية للشحن والترصيف المؤسسة الوطنية المستاجرة للميناء في شكل لزمة والجهة
الوحيدة المخولة قانونا لتفريغ البواخر ولترصيف الحاويات ولجر المجرورات ... عصابات
مافيا على الطريقة الايطالية تغولت زمن دولة الفساد وامتدت إلى ما بعد سقوط دولة
الفساد وارتبطت مع شبكات متنفذة تعمل داخل وخارج الميناء من مصالح الديوانة ومصالح
شرطة الحدود ومصالح سلطة الموانئ وصولا إلى مصالح الأمن الترابي وامن المرور من
شرطة وحرس ....ولتنجح هذه العصابات في ممارسة التهريب حسب طلب خصوصا بعد الثورة والمقابل
لا يقل عن 40 ألف دينار لحاوية سعة 40 قدم و20 ألف دينار لحاوية 20 قدم... بعض الأطراف
المطلعة تؤكد على نجاح هذه العصابات في تهريب أكثر من نصف الحاويات التي دخلت
موانئ البلاد ولتحرم خزينة الدولة من مئات المليارات التي أخذت طريقها إلى جيوب
المتورطين والمرتشين... نفس الأطراف تؤكد على أن جل العصابات العاملة تنشط لحساب ياسين
الشنوفي شهر بابا (إطار
ديواني سابق معروف بشراكته مع عصابة السراق الحاكمة سابقا)
والذي هرب بعد الثورة إلى دبي ليراقب أعماله عن بعد بالريموت كونترول.....
بقاء هذا القطاع خارج سيطرة حكومة حمادي الجبالي
أصبح أمرا واقعا وملموسا خاصة إذا ما
علمنا أن كل ما أنجز بعد الثورة لا يرتقي إلى الآمال المعلقة على الديوانة لتوفير
الاعتمادات المالية المتأتية من تجفيف منابع التهريب وتحسين أداء الاستخلاصات
الجمركية....فهل تنجح الحكومة الحالية فيما فشل فيه غيرها ولكنني شبه متأكد من أن
محرز الغديري الإطار الديواني السابق المتورط حد النخاع في منظومة الفساد
النوفمبرية والتجمعي المناشد للرئيس المخلوع والمعين حديثا على الإدارة العامة
للديوانة غير قادر في الوقت الحالي على تقديم الإضافة المرجوة ولا على تحسين العمل
الديواني ولا على السيطرة على الأوضاع خصوصا وان فاقد الشيء لا يعطيه..






Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire