vendredi 16 mars 2012

حين إستكمل كلّ من عبد الله القلال و محمد علي القنزوعي إعداد و إخراج مسرحيّة وهميّة عن قلب نظام حكم المخلوع ممثّلوها كانوا مكرهون لا أبطالا


لم أكن أعرفه سابقا....... إلتقيته صدفة حين كان يقطع طريقا و كادت تدهسه سيّارة.... إنتبهت للفرملة الإضطراريّة لتلك العربة...... لم يستفق لما حدث حوله بل واصل طريقه بخطوات متناثرة و متمايلة و كأنّه غير متأكّد من الإتّجاه الّذي عليه أن يسلكه....... تقدّمت منه و أمسكت يده و ساعدته فى الوصول إلي الطرف الآخر من المعبّد..... لم يمانع و لم يشكر....... كان هائما و غير مدرك لما حوله. كان بيننا و لم يكن معنا....... سألته عن إسمه....... أطرق برهة و أجاب : ليس مهمّا ثمّ إستدرك : .... ينادونني القبطان.....

سألته إن كان من العاصمة فردّ بسخرية لم أفقه تفسيرها : أنا من برّاكة الساحل...... أعدت سؤاله بغباء إن كان يقطن هناك ؟ فردّ عليّ ببلاهة : لست من برّاكة الساحل ..... ليست مسقط رأسي و لم أرزها قطّ.......... للحظة خلت أنّ الرّجل مصاب بضربة شمس لكنّي تذكّرت بأنّنا بفترة ما بين الخريف و الشتاء......... أعدت التحديق بعينيه الغائرتين فإذا به يفصح : لست من برّاكة الساحل و لكنّ عبد الله القلاّل أوجدني بها إفتراضيّا و إعتقلني لذلك فعليّا و عذّبني من أجل ذلك جسديّا و حطّمني ذهنيّا و لاحقني إجتماعيّا و أقصاني بنفسجيّا و همّشني ثوريّا......ا

حينها نظرت إليه و أيقنت أن خلف جبين الرّجل كتابا لم يقرأ بعد. عرضت عليه إحتساء كأس من الشاي فلم يمانع...... بعد رشفة الشاي الثالثة سألته عن حيثيّات كنية شهرته فأجاب : القبطان كانت يوما ما كنيتي حين كنت نجما يتوهّج شبابا و عطاءا و وطنيّة إلي غاية منتصف عام 1991 سنة المسرح السياسي بالبلاد حين إستكمل كلّ من عبد الله القلال و محمد علي القنزوعي إعداد و إخراج مسرحيّة وهميّة عن قلب نظام حكم المخلوع ممثّلوها كانوا مكرهون لا أبطالا.......
لم يشأ الدّخول في التفاصيل......... إكتفي بالقول : لم يتبقّي لي شيئا..... حاولت أن أهمّ برفع معنويّاته فصعقني بمواصلته القول: كرجل لم أعد أقدر على شئ ...
ذهلت ممّا بلغ أذناي لحدّ أنّي أحسست بتسمّر في لساني و إرتجاج في تفكيري........ أعادني إلي الوعي سؤال منه : هل سمعت عن سنوات الجمر؟ أجبت بنعم ....... قلت هوّ عنوان لشريط سينمائي للمخرج الجزائري لخضر حامينا الحاصل على جائزة 'كان' السينمائيّة خلال الثمانينات , يعرض فيه المخرج ما قاصاه الشعب الجزائري خلال كفاحه التحريري من ويلات المستعمر الفرنسي

قاطعني بقوله : أنا لا أقصد الف
يلم يا سيّدي و إنّما الحقيقة الّتي عاشتها بلادنا في التسعينات أثناء حقبة الإستعمار الدّاخلي المسلّط من المخلوع و عائلته و أصهاره ضدّ البلاد و العباد. لم أشأ أن أدخل معه في سجال لتيقّني أنّ الرّجل كان ممتلئا حطاما و مهشّما من كلّ الزوايا...... نظرت إليه لمّا صمت فوجدته قد سافر في غياهب كواليس ماض رماديّ بإنغلاق على الأسود....... لاحظت جسده و هو ينكمش فوق كرسيّ المقهي المشفق عليه...... حاولت إخراجه من عزلته فسألته عمّا إذا قد أنصفته الثورة و نفضت الغبار عن ملفّ مجموعته و عن إمكانيّة إستردادهم لحقوقهم الماديّة و المعنويّة ؟

إلتفت إليّ بنظرة جمّدتني مكاني و كدت أقدّم إعتذاري له بعدها. قال لي : الثورة عدّدت قرابة الـ 300 شهيد هم أحياء عند ربّهم يرزقون و عائلاتهم تتهيّأ الآن كي تصرف لهم التعويضات و المساعدات أمّا نحن فإنّنا الشهداء الأحياء....... لا نوجد بأيّة قائمة ولا بأيّ مقترح و لا بأيّ تصحيح..... نُحارَبْ لدى القضاء و نُهاجم بأموال عائلتي القلاّل و القنزوعي و مهمّشون من الكلّ

لا تقلق لأمرنا يا سيّدي فنحن ملعونون : خانتنا صحّتنا و تنكّر لنا الجميع بما في ذلك عائلاتنا و زوجاتنا و أبناؤنا......... لا توجد بركة في حياتنا و لا عزّة في مماتنا........ نحن فقراء من عامّة الشعب لم يكن لنا من رأس مال سوى وطنيّتنا فصرنا منعوتون بالخيانة و حتّي لمّا سقطت جميع أقنعة العهد البائد أسقطوا حقوقنا معها في سلّة النسيان و الإقصاء........ ظللت أتابعه و أرقب سيجارته الّتي كان يتآكل معها....... لم أقدر على الصبر إلي آخر حكايته....... وقفت و أردت مصافحته و الهروب من مرارة حقائقه.......

بقي جاثما و لم يكترث لوقوفي. هممت بأن أطلب منه أن ينهض ثمّ أحجمت عن أن أطلب منه ذلك لتيقّني أنّ ذلك الطلب لا مبرّر له : فالنهضة لا معني لها جسديّا إن لم تكن تلقائيّة بعد أن تستردّ الحقوق و تضمّد الجراح و تطوي الصفحات وتستبدل الأشواك ياسمين ثورة...... لا مفرّ من أن يُنصف المظلومون من تهمة ألصقت بهم كما ألصقت واو بعمر: فلا إستعادتهم الأبجديّة و لا إحتضنتهم حروف العطف و بقوا كحجر سيزيف يتأرحجون ما بين ظلم أطبق و عدل لم يتحسّس طريقه لهم بعدُ
.......
لامست كتفيه و دفعت مستحقّات المشروب و إنصرفت و برأسي مشهد مشاكس أردت طرده فإستعصي عليّ....... تذكّرت حادثة المواطن الكندي من أصل سوري الّذي أعادته السلطات الكنديّة لإجهزة موطنه الأصلي بتعلّة مشاركته في أحداث 11 سبتمبر و تبيّنت لاحقا براءته...... تذكّرت كيف أنّ كندا قد صرفت له 7 مليون دولار كندي كتعويض إضافة إلي أمر أهمّ ألف مرّة من ذلك المبلغ وهو عقد مقابلة تلفزيونيّة علنيّة جمعته بالوزير الأوّل الكندي إعترف له فيها الوزير المذكور بخطأ حكومته في ما تمّ و قدّم له علنا إعتذاره الشخصيّ و إعتذار الحكومة الكنديّة عن ذلك

لقد أكبرت ذلك لدى الكنديين و لكنّ ذلك لم يكن يمرّ دون أن يشعرني بتقزيم نفسي داخلي من جرّاء هذه الجمرة الّتي تأبى الفتور بداخلي و الّتي يسمّونها " الوطنيّة"
......

صرت أمشي و أتكلّم مع نفسي و إذا بسيّارة تفرمل بقوّة على مقربة منّي...... لقد كادت تدهسني مثلما كان سيحصل آنفا لصديقنا القبطان...... إسمحوا لي أن أقطع الطريق و أصمت..... أجدّد أسفي فأنا لم أعد أرغب في مزيد الكلام.
مقال منقول




Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire