لن نذيع سرا إن
قلنا إن
أهل الصحافة استبشروا
خيرا يوم بعثت في
وزارة الداخلية خطة تعنى بالإعلام وتقدم المعلومة الحينية للمتلقي التونسي خاصة عندما كان الاختيار حينها على محمد
علي العروي ناطقا رسميا لوزارة الداخلية لما مثله من خيار أنسب " الرجل المناسب
في المكان المناسب" غير أنه
لابد من الإقرار أن العروي ظل يمارس
سياسة إعلامية أشبه ما تكون بصحافة البداوة التي لم تنتقل للمدينة ولم يمارس عليها التوطين
. حيث لم يخرج عن جلباب المكلف بالإعلام
الذي يظن نفسه شاعر البلاط القديم، مهمته مدح الوزير وهجاء منتقديه دون أن
يعلم أن التكاتف بين المكلّف بالاتصال
والوزير ليس وحدة وطنية ولا هو مؤشر لأي وحدة إنما هو عقد نفاق مرحلي...
ولئن نكبر في
العروي استماتته في الذود
عن المؤسسة الأمنية ورجال الأمن
عن بكرة أبيهم فإننا لم
نتعجب بالمرة من قرار إنهاء تكليفه من خطته كمكلف بالإعلام وناطق رسمي
بوزارة الداخلية كتعجبنا زمنها من هرولته عند كل
حدث كبيرا كان أو صغيرا وأحيانا دون حدث
إلى بسط أنماطه .. وَمدّ سماطه واخذ وقته بَيْنَ أس مخضود، وَورد منضود ، وَدن
مفضود ويظل " يقعد" العود ...
لا حديث يلوكه غير الإرهاب وخطورته على تونس...
صحيح أن
الإرهاب حدث جلل خطير وصحيح أن
الداخلية من خلال تصريحات مسؤوليها تريد أن
تبعث برسائل طمأنة في
نفوس الشعب وتؤكد أن الوزارة حريصة
كل الحرص على أمن البلاد والعباد وأنها
تقوم بمجهودات جبارة لاستئصال فيروس
الإرهاب من جسد الدولة .. وتريد أن " تتبجح " وتفاخر
بانجازاتها وأحيانا تبالغ فيها
أيما مبالغة مقصدها دائما
تمرير صورة نجاح مؤسستنا الأمنية
في الضرب على أيادي المتطرفين
المازجين بين الدم والدين وسد كل
الطرق المؤدية إلى خلق أجواء
الفوضى والترويع ، وعدم إتاحة المجال أمام انتشار الشائعات المغرضة التي تثير خوف
الرأي العام وتؤلبه ضد السلطات المحلية بحجة عجزها عن حماية أمنه...غير أن ما غاب عنها أنها لا ترى إلا نصف الكأس الممتلئ ولا ترى النصف الفارغ .. حيث تزين لها الايجابيات فتنسى السلبيات وأحيانا تأخذها
الأحداث فتتغافل عن مدى تأثيرها على صورة
تونس وسمعتها ...
فالمعلوم أن وزارة الداخلية
تعلم أننا محل متابعة من كافة العالم..
وأن الاقتصاد في تونس في
أحلك فتراته والسياحة تراجعت وتدنت وأن
صورة البلاد وسمعتها متردية وما يزال
الأجنبي يسكنه الخوف
والرهبة من القدوم إلى بلدنا و أن التصنيفات العالمية
مدرجة البلاد في خانة السلبي جدا ... غير أن ما
لا تعلمه هو أن ما تراه هي نجاحا
يراه الآخر فشلا وما تراه هي
ايجابيا يراه الآخر سلبيا
و الأخر هنا نقصد به المستثمر و
السائح الأجنبي .
المقاربة المغلوطة التي لم تفهمها الداخلية
يبدو أن وزارة الداخلية لم تدرك بعد أن التركيز
على تغطية الأحداث الإرهابية يتم استغلاله من قبل الجماعات المتطرفة لترويج فكرهم
الإرهابي ودعمهم من خلال محاولاتهم المستمرة في البحث عن الدعاية الإعلامية لتسليط
الضوء على وجودهم وأغراضهم. فبحسب باحثين
نفسيين فإن الإرهابيين قد يحجمون عن تنفيذ عملياتهم في حال علموا مسبقا أنها لن
تترافق مع الدعاية الإعلامية التي من شأنها كشف حجم الخسائر التي ألحقوها بأعدائهم
.. على اعتبار أن الحرب النفسية تعمل عملها فقط في حال أبدى البعض اهتماما
بالأمر." فقد وصفت مارجريت تاتشر رئيس الوزراء البريطانية السابقة هذه
الدعاية المجانية بالأكسجين اللازم للإرهاب الذي لا يستطيع
الاستغناء عنه ، لان تغطية الحدث الإرهابي إعلاميا يحقق مكاسب تكتيكية وإستراتيجية
للقائمين عليه "..
الأحداث
الإرهابية والمعطيات الإعلامية
عودتنا وزارة الداخلية مع كل
حادثة إرهابية على الصعود
على التلال الإعلامية والترديد على
مسامعنا بعض الأخبار المشفوعة بالأرقام من خلال سرد شيء من الحصيلة الأمنية على غرار
الخبر الأخير المتعلق بإلقاء القبض على 8 من المشتبه فيهم قيل
عنهم أنهم ضالعون في العمليات الإرهابية الجبانة التي ضربت شاطئ سوسة وغيرها
من الأرقام التي
قدمتها وزارة الداخلية وآخرها ما أفاد
به وزيرها محمد الناجم الغرسلي بقوله :"بعد هجوم سوسة الإرهابي تمكنا من الكشف
عن خلية إرهابية خطيرة جدا وإيقاف جميع عناصرها"قلنا عودتنا الداخلية على تعداد ترسانة كبرى من الموقوفين الذين
تمكنت من إلقاء القبض عليهم غير انه ما أن يأتينا نبأ إلقاء القبض عليهم حتى نسمع
خبر إطلاق سراحهم... وهو ما يدفع على
الحيرة ويجعلنا نتوقف برهة لقراءة الاحتمالات الممكنة التي جعلت القاضي يقرر إطلاق
سراح عدد منهم:
· الاحتمال الأول:أن القضية مفبركة والذين
تم القبض عليهم لا علاقة لهم بالإرهاب وأن
ذكر الأرقام و تضخيمها فقط
للبروباقندا الإعلامية في حين أن
القضية فيشوش .
· الاحتمال الثاني: أن القضاء يعمل تحت التعليمات وأن عملية إطلاق
سراحهم جاءت كما يقولون من فوق على اعتبار أن اليد السياسية الخفية ما تزال ممدودة
للمؤسسة القضائية.
· الاحتمال الثالث : أن
القضاء يشتغل تحت الضغوطات
و تحت الترهيب والتهديد بمعنى أن عملية إطلاق
سراح المشتبه بهم في الضلوع
في العمليات الإرهابية كانت نتيجة
خوف ذاتي
يختزنه القاضي بداخله على اعتبار انعدام حمايته و قد يكون أي
قرار يتخذه خلاف إطلاق السراح يعرض
حياته وحياة عائلته للخطر.
· الاحتمال
الرابع: أن القضية سليمة وتهمة الإرهاب ثابتة على هؤلاء غير أن جهاز الأمن الموازي
تدخل وتلاعب في محاضر البحث و افرغ الجريمة من أركانها الأساسية فما يمكن قوله إن
النتيجة لا يمكن أن تكون خارج إطار رباعي
الاحتمالات المذكورة ولو أن الاعتقاد دائما يرجح الكفة للاحتمال الأول.
العمليات
الإرهابية والاستنتاجات الكبرى
أول الاستنتاجات
التي لابد من ذكرها والتي ساقتها الثورة نيوز منذ مدة كبيرة
وكانت سباقة في التأكيد عليها وهي
نزول الإرهاب من الجبال
إلى المدن وهو ما تم فعلا وصدق حدسنا ... بيد
أن كبرى الاستنتاجات المطروحة اليوم
والتي بسطتها الحادثة الإرهابية
في متحف
باردو ثم دعمتها
حادثة نزل امبريال تتمثل في
سهولة اختراق أكثر من مكان محصّن ومؤمّن وسهولة الوصول إلى الهدف وإصابته رغم
كون الموقعين المستهدفين (متحف
باردو وشاطئ سوسة) مؤخرا قريبان من
المناطق الأمنية مما يوحي بهشاشة
جهاز الاستخبارات والفشل الأمني في إحباط مثل
هذه العمليات قبل وقوعها ...
والغريب العجيب أن المنفذين لمّحوا إلى نوعيّة الأهداف بل إن أجهزة الاستخبارات الأجنبية رجحت حدوث عملية إرهابية في سوسة ولكن
كانت الكارثة وانعدم التصدي لها ...
الحقيقة
اليوم أن المواطن
التونسي ظل في المفترق مندهشا لا يدري
من يصدق فالأخبار الرسمية
الواردة تؤكد أن الجهاز الأمني التونسي
قوي لدرجة انه قام بإحباط
عديد العمليات عن طريق الاستشعار قبل وقوعها في حين
تتراءى له في الضفة المقابلة مثل سهولة
تنفيذ تلك العمليات الإرهابية التي
جدت في وضح النهار ودامت أكثر من 35 دقيقة ( على غرار حادثة سوسة) لتؤكد
له العكس وهو أن الجهاز الأمني سهل
الاختراق مرتخ ...بيد أنه لا بد من بسط بعض
الاستنتاجات في قلب أسئلة حارقة وحائرة تتعلق خاصة بعملية القبض
على الشاب منذر لزرق الذي اعتذرت
له الدولة ومكنته من وظيفة عمومية
في مسقط
رأسه في سيدي بوزيد . فعملية القبض تثير هي الأخرى العديد من
الاحتمالات منها إما أن تكون مثل
هذه العملية عفوية و كان الاشتباه
فيه على وجه الخطأ وإما أن
تكون العملية مقصودة والقصد منها تلهية الشارع
وامتصاص حدة غضب التونسيين
من الأداء الهزيل للمؤسسة الأمنية ورغبة منها في تسجيل نجاح امني
وهمي في فترة فشل قاتم ... وقد يكون
في ذات إطار احتمال ثالث نترفع عن ذكره لاعتبارات عديدة..
أهداف الإرهاب
المعلومة
تنوعت
الأهداف الإرهابية فمرت من
الإرهاب السياسي من خلال
قتل كل نفس ثوري سياسي ناقد للنظام ومؤثر في
الشعب و أفكاره يختلف مع
المنهج الذي تحمله
التيارات الإرهابية ففي قتله
يعني قتل كل رأي
سياسي شجاع وقوي و فذ و نزع
حجرة عثرة من طريقهم ...ثم طاف الإرهاب على المؤسسة الأمنية والعسكرية بغاية تفتيت
ركائز الدولة المدنية وحاميها وحافظ أمنها
و ترهيب الأمنيين والعسكريين ثم
وصل إلى جانب جد
مهم وهو قطاع السياحة لما يمثله من قوام
للاقتصاد التونسي بصفة عامة فالسياحة تعتبر احد أعمدة الدولة المدنية وركيزة كبرى من ركائز استقرارها ... والجدير بالقول أن
العمليات الإرهابية تختلف كما وكيفا وتكتيكا
من هدف إلى
أخر حيث تكون كل عملية مدروسة بدقة قبل
تنفيذها فحادثة سوسة على سبيل المثال
والتي كان الهدف
منها قصم ظهر السياحة
كانت يوم الجمعة الموافق ل 9 من رمضان والذي يقترن بحدثين مهمين
الأول هو ولادة نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام (وهو نفسه يوحنا المعمدان أو
يحيى المغسل- أي العمد أو التعميد- حيث كان يعمد القوم ويغسلهم في نهر الأردن
معترفين بخطاياهم)(1) أمه هي (أيشاع) أخت مريم العذراء عليها السلام فهو الداعي
إلى طهارة النفس والسلم وتوحيد الله رافضاَ بشكل كبير مقولة أن اليهود شعب الله
المختار. الحدث الثاني التاريخي الذي حدث في مثل هذا اليوم هو فتح
صقليه حيث في مثل هذا اليوم من العام 212هجرية الموافق الأول من كانون
الأول/ديسمبر العام 827 ميلادية نزل المسلمون على شواطئ جزيرة صقلية واستولوا
عليها لينشروا الإسلام في ربوعها وقد تم هذا الفتح على يد زياد بن الأغلب،وبعد 443
عام من فتح صقلية على يد المسلمين وهو ما يؤكد أن
الخلايا الإرهابية النائمة تعمل بدقة وعملية التنفيذ تكون جد مدروسة .
المطلوب اليوم
والمطلوب اليوم هو التقليل من جرعات المشاهد الدموية ومشاهد العنف
والدمار والقتل ، وذلك للحيلولة دون
اعتياد المشاهد على مثل هذه المناظر ، مع الأخذ بعين الاعتبار الدراسة المسبقة
لتأثير نشرها على الرأي العام ، وذلك من اجل تفويت الفرصة على الإرهابيين
للاستئثار بالإضاءة الإعلامية التي يسعون إليها . . إضافة إلى ذلك يجب التركيز على
المسألة العلاجية للظاهرة الإرهابية ، لا على تغطية الحدث الإرهابي ، وضرورة
الانتقال من التركيز على تفاصيل العمليات الإرهابية وردود الأفعال الرسمية
والشعبية إلى تقديم رؤى تساعد القارئ أو المشاهد على تكوين رأي وطني يتحول إلى
موقف موحد ضد الإرهاب .
وفي النهاية نعيد
من جديد طرح
فكرتنا المتمثلة بالأساس في
انه لا بد من طرح فكرة تشكيل فريق
من الخبراء التونسيين في مجال الإعلام
لبحث سبل التوعية الإعلامية المشتركة ضد مخاطر الإرهاب ودفع
المؤسسات الإعلامية بدل التحليل
الأجوف والتنديد بالعمليات تقصي مجرياتها من جهة وبدل أن تملأ الداخلية بطون التونسيين
بالهواء بأرقام ما أنزل
الله بها من سلطان
أكثر من نصفها موجه للاستهلاك الداخلي و الخارجي
مع من جهة ثانية إلى بناء قاعدة
عريضة من الرأي العام التونسي تحاصر
الإرهاب فكرا وتعزز الجهود الرامية إلى القضاء عليه...








Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire