vendredi 26 décembre 2014

بعد الدعوة إلى حراك شعب المواطنين: من ثورة صاحب الحمار إلى ثورة صاحب البرنوص




إن الجنون وحده يصنع فى بلاطنا القرار
نكذب فى قراءة التاريخ نكذب فى قراءة الأخبار
ونقلب الهزيمة الكبرى الى انتصار

نزار قباني

ما أغرب التاريخ ! وما أشبه اليوم بالبارحة ! بالأمس صاحب الحمار واليوم صاحب البرنوص ! المسرح هو نفسه والشخصيات لا تكاد تختلف كثيرا ، والأوضاع تتشابه إلى حد بعيد .. ثائر الأمس الذي عرف بصاحب الحمار (كان يتنقل بين المدن والقرى ناشرا دعوته العدائية راكبا حمارا.) اسمه الحقيقي هو مخلد بن كداد اليفرني أصيل قبيلة زناته البربرية وعنه قال ابن خلدون " {...وهو صاحب الحمار-من أهل قسطيلية... وكان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة... وخالطىالنكارية من الخوارج.......فمال إلى مذهبهم وأخذ به...... وكان يذهب إلى تكبير أهل ملته واستباحة الأموال والدماء والخروج عن السلطان..... ولما مات المهدي خرج بناحية جبل الأوراس وركب الحمار وتلقب بشيخ المؤمنين : فاتبعه أمم من البربر....} أما ثائر اليوم الذي اشتهر بصاحب البرنوص (كان يتنقل بين الولايات والمعتمديات وهو يرتدي برنصاللايهام بأنه أصيل فلما عرف أن نهايته في الحكم اقتربت لبس ربطة عنق  )  فاسمه الحقيقي محمد المنصف المرزوقي وعنه قالت الباحثة والأستاذة الجامعية ألفة يوسف " أن تكون مجنونا، فهذا أمر نعرفه جميعا وإن أخفاه المختصون...أن تكون متاجرا بحقوق الانسان، فهذا أمر نعرفه جميعا ويكفي أن نرى جابر الماجري في السجن وأن نراك تصافح الإرهابيين والمجرمين...أن تكون مضطربا خائفا على منصبه الوهمي، فهذا أمر نعرفه جميعا، ويكفي أن نراك تلعق أحذية الإسلاميين لنفهمه...أن تكون بيوعا أبا عن جد، فهذا أمر نعرفه جميعا، ويكفي أن نرى بناء قاعدة أمريكية وانتهاك سيادة البلاد في زمنك الأسود...ولكننا نكتشف اليوم انك كاذب، تتهم بلا بينة وتلفق تهما، وليتها كانت كذلك بلا دليل..." ! أتى صاحب الحمار إلى المهدية غازيا ومحاربا للقضاء على الفاطميين في عاصمتهم بعد أن قام بحملات دعائية صاخبة في المدن والقرى وارتكب عملا استفزازيا وهو دق رمحه على باب المهدية الجنوبي بعد عملية شغب معلنا بداية ثورة أجمع المؤرخون على أن نجاة الدولة الفاطمية منها كان بمثابة معجزة.. وعاد صاحب البرنوص من فرنسا بعد ثورة 14 جانفي 2011 وأعلن وهو في بهو المطار ودماء الشهداء لم يجف بعد بأنه سيكون رئيسا لتونس ..وكان من حين لآخر يدلي بتصريحات عجيبة من بينها تقسيم التونسيين إلى طواغيت أشرار و" ثوريين أخيار " ونادى لما انهزم شر هزيمة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية يوم 21 من ديسمبر 2014 إلى حراك شعب المواطنين معلنا عن ثورة جديدة ..وأجمع التونسيون على أن تخلص تونس من الترويكا كان بمثابة معجزة .. قامت ثورة الأول في المهدية العاصمة الأولى للفاطميين قبل الانتقال للقاهرة وذلك في زمن حكم الخليفة محمد القائم بأمر الله 322هـ – 334هـ وانتهت في زمن حكم ابنه الخليفة المنصور بالله 334هـ-341هـ وقامت ثورة الثاني بعد 21 ديسمبر 2014 في عهد المهدي جمعة وهو أصيل مدينة المهدية ! المرزوقي بعد ثلاث سنوات بلغ فيها الفقر وغلاء الأسعار مستويات قياسيّة، هو من سيقاوم الفقر وينشئ سياسة اجتماعيّة...بهذا المنطق، يمكن للمجرمين أيضا، أصدقاء المرزوقي، أن يترشّحوا لجائزة نوبل للسّلام... . تسترت ثورة صاحب الحمار بالدين واستعانت بالأمويين. فقد تطرف بها قائدها وانحرف بها تبعا لأطماعه كما تبينه بعض المصادر التاريخية. واحتمت ثورة صاحب البرنوص بتجار الدين واستعانت بالأتراك والقطريين .. .
 وكما  دامت ثورة صاحب الحمار  ثلاث عشرة  سنة عطلت في أثناها الحركة الاقتصادية والعمرانية للبلاد.. دامت فترة حكم المرزوقي ثلاث سنوات اكتوى فيها التونسيون بغلاء الأسعار  وشلت فيها الاقتصاد واصبحت البلاد على شفا حفرة من الإفلاس
 نهاية صاحب الحمار ..نهاية صاحب البرنوص
ومن طرائف التاريخ أن تتشابه النهايات كما تشابهت البدايات  فصاحب الحمار قد انهزم ولاذ بالفرار متأثراوتعهد  بجولة أخرى لكن المنصور أصر على ملاحقته لإفنائه وقطع دبره ودبر الخوارج – ويرى المؤرخون أن المعركة من اخلد المعارك التي شهدها المغرب العربي وكان ضحايا الخوارج فيها أربعين ألفا ، وتذكر كتب التاريخ أن ما فتئ المنصور يضيق الخناق عليه محاربا إياه من مدينة إلى أخرى ومن حصن لحصن ومن قلعة لأخرى إلى أن قبض عليه وهو مختف في إحدى المغاوير أمّا ابن عذارى فيقول في كتابه البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب {قبض عليه وقتل في الجزائر بجبال كيان } ولكن المهم أنه تم القضاء على صاحب الحمار.وتذكر روايات أخرى  أنه  قبض عليه ووضع في قفص وحمل للمهدية مكبلا بالسلاسل والأغلال وأمر المنصور بإعدامه وسلخه وحشوه بالقطن وتعليقه على باب المهدية الجنوبي الذي دق رمحه فيه وكان ذلك في سنة 339ه وأعلن المنصور بعد ذلك عن موت أبيه القائم بأمر الله الذي مات أثناء المعركة ولم يعلن عن موته ألا بعد أربع سنوات حتى تهدئ الثورة ووقع القضاء عليها.



وأما صاحب البرنوص فلما انهزم في الدور الثاني وأيقن أنه سيفارق قصر قرطاج فراقا لا عودة بعده غرته أصوات ناخبي حركة النهضة وظن خطأ أنه أصبح قائدا مغوارا لا يشق له غبار فدعا  جمع أنصاره  وخطب فيهم زاعما أن الانتخابات داخلها تزوير فتحرك البعض وأحرق مؤسسات الدولة ، كما  دعا الرئيس المنهزم  إلى حراك شعبي سماه " حراك شعب المواطنين"  عساه يفعل ما فعل بعض المنهزمين في ليبيا ..وبدأ في إثارة النعرات الجهوية إلى أن خاطبه رئيس الحكومة المهدي جمعة وزعيم حركة النهضة بالكف عن الهذيان وتأجيج غضب المتعاطفين معه فلاذ بالصمت وعرف أن محاصصة حزبية خاطئة قد أدخلته إلى قصر قرطاج يوم 23 أكتوبر 2011 وأن ساعت الرحيل قد أزفت وأن الأبواب التي انفتحت  له ذات يوم قررت أن توصد في وجهه بعد أن تبين لسكان الدار أن المرزوقي قد فشل فشلا ذريعا في إدارة مرحلة الفترة الانتقالية .، عندئذ جمع المرزوقي أنصاره وحوارييه وغادر  القصر وفي المآقي دموع سخية وحال لسانه يقول : 
          وفي الهيجاء ما جربت نفسي ... ولكن في الهزيمة كالغزال
إذا جربت نفسي كنت شهما ... أصيح بملء صوتي لا أبالي
أحمس في الورى فرسان قومي ... وأحمي ظهرهم عند النزال
فإن هربوا سبقتهم جميعا ... وإن هجموا فقد دبرت حالي
ولي عزم يشق الماء شقا ... ويكسر بيضتين على التوالي
ويقطع حبل قطن بعد شد ... إذا ما الحبل كان على انحلالي
ويوم رأيت صرصورا كبيرا ... فما هربت ولا سلمت حالي
إلى أن يأذن المولى بحل ... وينهزم العدو بلا قتال
وألهمني المولى أن ألقي بنفسي ... وأن أتماوتن على الرمال
وقد فر الصريصر من أمامي ... وهذا الأمر لم يخطر ببالي
ولو لم ينهزم لغدا صريعا ... وشاهد همتي ورأى فعالي
وتلك مزية الشجعان مثلي ... يفر عدوهم بلا قتال


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire