mercredi 23 avril 2014

نقابات التعليم الثانوي والقواعد الأستاذيّة: لا تحاكِموا سقراط...




لأستاذ سقراط يرفض الهروب من أثينا...هم سيحاكمونه...سيعدمونه لأنه يجوب البلاد وفي محاوراته قبس من نور الفكر لكن بعض الناس ألِفوا العتمة...وأصحاب السّلطان يسهل عليهم قياد العميان والتحكم في خطاهم وسقراط يعلّم الشعب أن يبصر ...
لا هداية غير هداية العقل...الأساتذة والمعلّمون خَدَم الفكر والمعرفة لذلك يُحاكَمون...
وفي هذا البلد من بلاد "اقرأ" يُقاضَى الأستاذ كما قوضيَ سقراط...
لقد كانت النقابات الأساسية والجهوية للتعليم الثانوي من أهم النقابات التي أطّرت الحراك الشعبي في تونس منذ السابع عشر من ديسمبر 2010
وبعد فرار "ابن علي" وانتصاب حكومة "محمد الغنوشي" غيّر الأساتذة عنوان إضرابهم الذي حُدِّد موعده (قبل سقوط الجلّاد) إلى السابع والعشرين من جانفي 2011...   
 فالنقابات الجهوية والأساسية للتعليم الثانوي من بين قلّة من أطياف المجتمع الذين قالوا  "لا في وجه من قال نعم" على حد عبارة "أمل دنقل"...
إذن غيّر الأساتذة عنوان إضرابهم من إضراب للمطالب الاجتماعية إلى إضراب يرفع لواء مطلب شعبي سياسي مفاده "إسقاط حكومة الغنوشي" لوعيهم أنها حكومة تمثل استمرارا لنظام تقتضي المرحلة التاريخية ويفرض الواجب الوطني أن تكون الأولوية لاجتثاثه وفاء لأحلام الشعب ومطامحه في الحرية والكرامة وإن اقتضى الأمر تأجيل المطالب القطاعية   
ولمّا أصابت لوثة المطلبية كلّ القطاعات رفضت نقابة التعليم الثانوي أن تقايض تحقيق مطالبها بالمناظرات الوطنية وبإنجاح السنوات الدراسية وعدّت ذلك خطّا أحمر وسلاحا محظورا يمنع استخدامه في التفاوض مع الحكومات المتعاقبة ودفع الكثير من الأساتذة ثمن إنقاذ السنوات الدراسية جراحا وكدمات لحقتهم في خوض مغامرة مراقبة البكالوريا والالتحاق بقاعات الدروس في ذروة الفوضى والانفلاتات الأمنية...


لكن في هذا البلد من بلاد "اقرأ" يُقاضَى الأستاذ في البلاتوهات التلفزية على يد وزير التربية في حكومة الباجي قائد السبسي "الطيب البكوش" وعلى يد تلاميذ دعاهم –وقتها- ليُوهَموا أنّ الفعل الثوري اقتصاص من الأستاذ , فيصابون بالخدر هم وأولياؤهم وتتراخى أجفانهم عن إبصار فساد واصل الضرب في مفاصل الوزارة وعن منظومة تعليمية اهترأت وتكشّفت سوءاتها  
ثم يُقاضَى الأستاذ مجددا على يد وزير التربية في حكومة علي العريض "سالم الأبيض" الذي يستعيض عن إعادة هيكلة الوزارة وإصلاح قوانينها ومكافحة ما فيها من فساد بتأثيم الأساتذة واتهامهم بالتمارض وكأنه لم تبلغه أنباء الأساتذة الذين قضوا نحبهم في قاعات الدرس وأولئك الذين نخرتهم أدواء السكري وضغط الدم... أولئك المؤهّلون أكثر من غيرهم وفق إحصائيات ثابتة إلى الإصابة بأمراض القلب والأعصاب...
ويقاضى الأستاذ إلى اليوم  في بعض البرامج التلفزية والإذاعية الموجَّهة نحو اتهامه بالمطلبية المشطّة كيف لا وهو الذي حظي بزيادة تناهز الثلاثين دينارا يتسلّم منها عشرين دينارا كاملة بعد الخصم الضريبي , ويُتّهم بالتكالب على الدروس الخصوصية وكأنّ كلّ الأساتذة يدرّسونها أو كأنّ التلاميذ لا يحتاجونها أو كأنّ الأستاذ لا يستحقّ أجرا على ما يبذله من جهد إضافي, ويتهمون الأستاذ بإهانة التلميذ والتعدي على حقوقه وهم لا يبصرون أساتذة عُنِّفوا أثناء الدروس أو خلال مراقبة امتحانات المناظرة الوطنية وفي الوقت الذي يُمضي فيه الأستاذ أياما في شكوى أمره إلى مراكز الأمن وارتياد المستشفيات التي قد تعالج جسده غير أنها عاجزة عن إبراء كرامته المكلومة يواصل التلميذ اجتياز امتاحاناته إذ لا صيغة قانونية إدارية تمكّن من منعه من مواصلة المشاركة في مناظرة وطنية إلاّ بعد الانتهاء من اجتيازها...
لكن بعض الساسة وأصحاب القرار وبعض الإعلاميين يحجبون الشمس بغرابيل خطاباتهم التعويمية التعميمية الدعائية المغالطة...       
كذا يساق الأستاذ إذن  إلى محاكمات الدعاية الانتخابية والدعاية الإعلامية مفقَّرا مُهانا  كما سيق سقراط إلى المحاكمة حافيا مقيّدا...


في هذا البلد من بلاد "اقرأ" تتداعى المقدرة الشرائية للأستاذ الذي كان زمن الرهان على تحديث التعليم الذي نجح فيه "بورقيبة" ووزراء تربيته فيه بمقدار يتقاضى جراية تضاهي جراية القاضي...ووحدة قيس المسافة اليوم بينهما تقدّر بما يزيد عن الألف دينار...ولمن يرى في  غرابة في المقارنة بين الأستاذ والقاضي أن يصغي إلى المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" وهي تخاطب القضاة المطالبين بمساواة أجرتهم بأجرة الأساتذة إذ تقول" كيف تطلبون تسويتكم بمن علّمكم؟"
ذا قول في بلد غير بلاد "اقرأ" غير أنها بلاد ترى في المعرفة والعلم رهانا يصون الوطن ويطوّره ويحفظه من مخاطر الجهل وإن لم يحقق للساسة والحكام فوائد انتخابية أو دعائية ولا سبيل إلى ذلك غير تقدير المعلّم والأستاذ ولِم لا تقديسه لقداسة رسالته التي حفظت ذاكرتنا من موروثنا قولا صار غير ذي معنى في ذا الزمن "قم للمعلّم وفّه التبجيلا..."
 أمّا في اليابان ذلك البلد من غير بلاد "اقرأ" فإنّ لهم  قولا مأثورا عن امبراطوها تترجمه منظومتهم التعليمية إجراء والتزاما...فقد كان جواب الامبراطور الياباني " حين سئل  عن أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير : «بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير».
كما أنّ ترجمة ما قال الامبراطور يجلّيه أنّ  المعلم حين يدخل إلى الفصل، يقف الطلبة وينحنون احتراماً له، ويرددون عبارة «يا معلمنا نرجو أن تتفضل علينا وتعلمنا»
وتجليه تعاليم الأسرة لأبنائها التي تختزلها العبارة اليابانية " اجعل المسافة بينك وبين معلمك سبع خطوات حتى لا تدوس على ظلّه..."
ولأنّ القاعدة الأستاذية اليوم في هذا البلد من بلاد اقرأ كرهت أن يساق سقراط في كلّ يوم إلى المحاكمات الإعلامية والانتخابية ولأن بعض النقابات الأساسية والجهوية كتلك التي بسليانة وغيرها وهي نفسها التي أسهمت بقدر كبير في  قيادة الحراك الشعبي الثوري في تونس وتأطيره بدأت تتململ وتتحرك في اتجاه الضغط على النقابة العامة للتعليم الثانوي لتتبنّى مطالبها حول إصلاح منظومة التعليم واجتثاث الفساد الوزاري وإعادة الاعتبار إلى الأستاذ ماديا ومعنويا وليكن أمره بعد ذلك كأمر سقراط يهب دمه ليشيع النور في آفاق وطن حلم بثورة لن تنجز ولن تستكمل ولن تبلغ مداها ما لم تراهن على المعرفة والتعليم , ولتكن عظامه بعد ذلك جسرا إلى الشمس كذاك الجسر الذي حدّث بأمره الشاعر خليل حاوي حين قال "

 ومتى نطفرُ مِن قبوٍ وسجْنِ
ومتى, ربَّاهُ, نشتدُّ ونبني
بِيَدينا بَيتنا الحُرَّ الجَديدْ
يَعبرونَ الجِسرَ في الصبحِ خفافًا
أَضلُعي امتَدَّتْ لَهُم جِسْرًا وطيدْ
مِن كُهوفِ الشرقِ, مِن مُستنْقعِ الشَرقِ
إِلى الشَّرقِ الجديدْ

غير أنّ هذا الحلم سيصطدم ببعض العوائق السياسية والاقتصادية والنقابية نذكر منها
-عائقا سياسيا يتمثل في أنّ الحكومة التوافقية القائمة اليوم نظرا لمحدودية قدرتها ولمحدودية صلاحياتها ولمحدودية مدة حكمها قد لا تكون قادرة على الإقدام على إصلاحات جوهرية عميقة في ميدان التعليم
-وعائقا اقتصاديا يتمثل في الظروف الاقتصادية العسيرة التي قيدت إليها البلاد

-وعائقا نقابيا يتمثل في محاولات بعض النقابات والمنظمات والنقابيين الجدد من خارج اتحاد الشغل المرتبطين سياسيا بالترويكا(النهضة والمؤتمر خاصة)  الركوب على هذه المطالب المشروعة وتوظيفها سياسيا وحزبيا بعد أن كان بعضهم قد دعا في مرحلة حكم الترويكا إلى الزج بالأساتذة المضربين في السجون....


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire