قضت المحكمة العسكرية يوم السبت الفارط بتاريخ 12 افريل 2014 بإطلاق سراح
وزير الداخلية الأسبق رفيق الحاج قاسم و4 مسؤولين أمنيين سابقين بعد أن قضت في
شانهم ب 3 سنوات سجن وهم علي السرياطي وجلال بودريقة ولطفي الزواري وعادل التويري
المتهمين فيما يعرف بقضايا شهداء تونس الكبرى والقصرين وتالة وتاجروين والقيروان
وقرقنة وصفاقس كما أذنت نفس المحكمة برفع تحجير السفر عن جميع المتهمين في هذه
القضايا من بينهم مسؤولين وأمنيين آخرين وذلك اثر تنفيذ العقوبات الصادرة ضدهم
والتي تراوحت بين السنة الواحدة وال5 سنوات سجنا بالإضافة إلى الحكم على كل هؤلاء
بالتعويضات المادية والمعنوية عن الأضرار الحاصلة بمبالغ تراوحت بين 5 آلاف و140 ألف
دينار ...
هذا الحكم يبدو معقولا ومنطقيا إلا انه لم يكن مستساغا من طرف العديد من الأطراف
السياسية والجهات الحقوقية التي عودتنا منذ البداية على فنون الركوب على الأحداث
واستغلالها لخدمة مصالحها الضيقة وأطماعها السياسية وانتهازيتها اللامتناهية
اللاهثة وراء المناصب ...أحزاب الترويكا اليوم ومن لف لفّها تريد اتخاذ دماء
الشهداء وجرحى الثورة ومآسي أهاليهم مطية مرة أخرى لتحقيق مآربها السياسية الدنيئة.
لكن لم تعد تنطلي على الشعب التونسي مثل هذه المواقف والتصرفات الشعبوية المقيتة
المؤسسة على الدجل وسياسات القرابين وأكباش الفداء ...
الثورة المخترقة قرينة على البراءة
مباشرة بعد خروجه من السجن أدلى وزير الداخلية الأسبق رفيق الحاج قاسم
بتصريح مفاده أن وزارة الداخلية قد شهدت اختراقات كبيرة من قبل عصابات مجهولة وهي
التي أطلقت النار أثناء الثورة وهذا التصريح فيه جانب كبير من الصواب باعتبار انه
بالرجوع إلى أحداث ما يسمى بالثورة نكتشف عديد الملابسات التي تفيد بما لا يدع أي
مجال للشك تدخل عديد الأطراف الأجنبية لتحريك الاحتجاجات والمظاهرات وبث الفوضى
والعنف بتخريب المنشآت و المؤسسات العمومية وحرق المقرات الأمنية والقضائية ومقرات
السيادة بصفة عامة ولعل أهم طرف أجنبي بث سمومه في تونس دويلة قطر التي استغلت
قوتها الإعلامية عبر قناة الجزيرة لبث الإشاعات والفتن كما استعملت الأموال الطائلة
التي قاربت 3مليار دولار تقريبا لشراء ذمم بعض المسؤولين وانتداب القناصة وزرعهم
في التراب التونسي حسبما تؤكده عديد المصادر ونفس الشيء قامت به في الشقيقة ليبيا
مع تزويد الثوار بالأسلحة وتمريرها عبر الحدود التونسية وهاهي اليوم تقوم بنفس
الدور الشيطاني في سوريا بانتداب المقاتلين من شتى الفصائل لتخريبها وقد بلغت
نفقاتها في سبيل ذلك إلى حد الآن أكثر من 4 مليار دولار كما لا ننسى الدور الاستخباراتي
الفرنسي في توجيه أحداث الثورة عبر اختراق مؤسسات الدولة وخاصة وزارة الداخلية
التي أصبحت مرتعا لكل من هب ودب وهذا الاختراق يأتي ليفند حصر التهم في الأمنيين
التونسيين وحتى لو اقر الاختبار البالستي أن قتل الشهداء تم بواسطة رصاص تابع لوزارة
الداخلية فانه منطقي في إطار عملية الاختراق يمكن استعمال الأسلحة التابعة لنفس
الوزارة بكل سهولة ...
غياب ركن الإسناد القانوني
من وجهة نظر قانونية بحتة فان الحكم الذي أصدرته محكمة الاستئناف العسكرية
على القيادات الأمنية المذكورة آنفا هو حكم على غاية كبيرة من الحرفية والصنعة
القانونية ويثبت مدى خبرة القاضي الذي توصل إليه بالرغم من الضغوطات التي سلطت
عليه من الأطراف التي تسعى جاهدة لتسييس الملف باسم حقوق الإنسان وغيرها من التعلات
الواهية التي لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة ما وقع على الأرض من أحداث وكذلك
المبادئ القانونية الواجب اتباعها في كنف احترام النصوص القانونية فالملف خال
تماما من ركن الإسناد الذي يقتضي أن يكون مرتكب الجريمة معروفا وان تثبت العلاقة
السببية بين ما أقدم عليه من أفعال بطريقة قصدية أدت إلى إزهاق روح بشرية حتى
تكتمل الصورة في ذهن القاضي ويقتنع بالحكم الذي سيصدره على أساس النص القانوني
المناسب دون أدنى اعتبارات خارجية ...
في نفس السياق بعض رجال القانون يعتبرون أن هذا الملف كان من المفروض الحكم
فيه بعدم سماع الدعوى ما دام ركن الإسناد منعدما ففي غياب هذا الركن يعتبر
المتهمين أبرياء لأنه ليس هناك أي دليل يثبت تورطهم في عمليات القتل وبالتالي فان
النزول بالأحكام من 30 و27 سنة إلى 3 سنوات يعتبر عين الصواب من قبل القاضي الذي
اقتنع بالبراءة لكنه وجد حرجا نوعا ما في إطار الواقع السياسي للبلاد فاقر بتلك الأحكام
عوضا عن عدم سماع الدعوى وتجدر الإشارة هنا إلى كون المحكمة حكمت حسب الأوراق
المظروفة بالملف دون الخضوع إلى الأوامر السياسية وهي سابقة تحسب للقضاء العسكري
التونسي الذي تخلص من براثن السلطة التنفيذية وحكم بما يقتضيه القانون فحسب ...
"خانها ذراعها قالت مسحورة"
مباشرة اثر صدور الحكم المذكور هاج وماج محامو شهداء وجرحى الثورة وأطلقوا
العنان لألسنتهم لوصف القضاء العسكري بشتى النعوت اللاخلاقية خاصة منهم المدعو شرف
الدين القليل الذي شكك في هذا القضاء ووصفه بأنه منحاز و«غير مستقل وفاسد » وان
هذا الحكم صدر في إطار صفقة عقدت بين الأطراف السياسية وكالعادة فان القليل نسي
انه محام وما عليه إلا احترام الأحكام القضائية و إتباع الإجراءات القانونية التي
تخول له الطعن في الحكم بالتعقيب وما يبعث على السخرية انه عوض أن يتبع تلك الإجراءات
التي يكفلها له القانون بات يصرخ في الشارع ويقفز ويتنطع من منبر إعلامي إلى آخر
يكيل السب والشتم للقضاء العسكري مستخدما كعادته معجم الثورجية والمصطلحات
الشعبوية الفضفاضة التي لا تسمن ولا تغني
من جوع ليذكرنا بالمثل التونسي المعروف «خانها ذراعها قالت مسحورة»...
تعد سافر على السلطة القضائية من قبل التأسيسي
في سابقة خطيرة قام المجلس التأسيسي يوم الاثنين الفارط بعقد جلسة عامة
موضوعها مناقشة الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية وهو ما يمثل تدخلا سافرا في أعمال
السلطة القضائية ومساسا بمبدأ الفصل بين السلط وضربا لاستقلالية القضاء الذي كان
مطلبا محوريا من المطالب التي نادى بها الثوار والمناضلون. ففي البلدان التي تحترم
نفسها لا يحق للسلطة التشريعية التدخل في السلطة القضائية ولا مناقشة الأحكام
الصادرة عنها حتى ولو كانت جائرة لكن للأسف الشديد بما أن نوابنا لا يفقهون في مثل
هذه المبادئ الأساسية للديمقراطية ولأنهم غير متعودين أصلا عليها ولا يؤمنون بتاتا
بدولة القانون والمؤسسات نجدهم منهمكين في مناقشة حكم قضائي والغريب في الأمر أنهم
لم يطلعوا على محتوى هذا الحكم وبما فيه من تعليلات ومن المضحكات المبكيات أن
النواب المحترمين الذين قتلونا بنفاقهم وتملقهم توصلوا بعد اخذ ورد إلى ضرورة تولي
محاكم متخصصة الفصل في ملف شهداء الثورة من جديد وكأننا بهؤلاء النواب يريدون
تفصيل محاكم على المقاس تذكرنا بمحكمة أمن الدولة تصدر الأحكام وفق رغباتهم
فيعدمون من يشاءون ويطلقون سراح من يشاءون كما يطرح التساؤل هنا لماذا لم يتحرك
المجلس التأسيسي من قبل وينادي بهذه المحاكم المتخصصة عندما ضرب أهالي سليانة
بالرش في عيونهم في عهد الجبالي والعريض ولماذا لم تصدر منه أي ردة فعل على الأحكام
المخففة ضد الفاسدين والإرهابيين الذين عاثوا في البلاد فسادا خلال نفس العهد...
المرزوقي "لكل امرئ من دهره ما تعود"
كالعادة خرج علينا بوق رئيس الجمهورية المؤقت عدنان المنصر يوم الأحد
الفارط مصرحا بان المرزوقي يعتبر الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف العسكرية "غير
منتظرة وصادمة للشعور العام" ولا ندري هل يمثل المنصف المرزوقي الشعور العام
للبلاد التونسية أم أن هذا التصريح يدخل كالعادة في إطار السمسرة السياسية الرخيصة
التي عودنا عليها واستغلال الوضع لتغذية حملته الانتخابية التي شرع فيها منذ فترة
على حساب الخزينة العامة خاصة وأننا لا نتذكر شيئا مما قام به رئيسنا المفدى خدمة
لقضية شهداء وجرحى الثورة سوى الخطابات السياسية الجوفاء المليئة بالوعود الفارغة
والتصرفات الشعبوية الساذجة ...وبالإضافة إلى تصريحاته تدخل المرزوقي يوم الثلاثاء
الفارط لدى وزير الدفاع بغرض الطعن في الحكم المذكور وهو ما يعتبر أيضا تدخلا
سافرا من السلطة التنفيذية في السلطة القضائية باعتبار أن النيابة العمومية في
القضاء العسكري لا تزال تابعة لوزير الدفاع وخرق واضح لمبدأ استقلالية القضاء
المكرس صلب الفصل 109 من الدستور...
وفي آخر المطاف نستخلص أن كل ردود الأفعال التي انجرت على حكم المحكمة
العسكرية من قبل بعض المحامين والحقوقيين وغيرهم من السياسيين ليست سوى زوبعة في
فنجان المراد منها الركوب مرة أخرى على ملف الشهداء لاسترجاع العذرية المفقودة
فمتى اهتم نواب الترويكا ورئيس الجمهورية وغالبية الأحزاب السياسية بهذا الملف إلا
إذا كان ذلك داخل في النفاق والكذب الذي عودونا عليه والذي بفضله تمكنوا من سرقة
ثورة الشعب الذي لم ولن يرضى باقتياد الأبرياء للسجون والمشانق إرضاء لنخبة سياسية
مريضة وانتهازية تتخذ من الثورة شعارا لها وهي من مبادئها براء...














Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire