lundi 31 mars 2014

قانون المخدّرات في تونس : آلية لتفريخ المجرمين برعاية الدولة




يعتبر القانون مرآة المجتمع ذلك أنه يتطور بتطوره ويتراجع بتراجعه وهو آلية من الآليات التي خلقت من أجل الرقي بالحياة البشرية نحو الأحسن في جميع المجالات فمدى تقدم كل دولة مرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تطور منظومتها القانونية وباحترام هذه المنظومة من قبل الحاكم والمحكوم على حد السواء وهو ما يؤدي منطقيا الى الاستقرار والأمن والسلم الاجتماعي خصوصا اذا وقع تطبيق القانون المناسب في الوضع المناسب
ولئن شهدت المنظومة القانونية في بلادنا تطورا ملحوظا يشهد به القاصي والداني على المستوى الإقليمي وحتى العالمي إلا انه بقي يشكو عديد النقائص خصوصا فيما يتعلق بقانون العقوبات المضمن صلب المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية وغيرها من النصوص الأخرى الزجرية المرتبطة بالمجالات التجارية والمدنية والإدارية وما يهمنا اليوم هو القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 والمتعلق بالمخدرات الذي بات حسب رأي غالبية فقهاء القانون وغيرهم من الخبراء في علم الاجتماع وكذلك الناشطون في مجال حقوق الإنسان لا يتماشى مع الوضعية الراهنة للمجتمع التونسي خاصة فيما يتعلق بالأحكام المشطة المسلطة على مستهلكي مادة القنب الهندي أو "الزطلة" والتي لم تحقق الأهداف المرجوة منها منذ أكثر من 20 سنة على تاريخ سنّها بل بالعكس زادت الوضعية تعقيدا فارتفع عدد المستهلكين بدل أن ينخفض ...


قانون مجحف

ينص الفصل الرابع من القانون المذكور آنفا انه «يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية مالية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتا أو مادة مخدرة في غير الأحوال المسموح بها قانونا والمحاولة موجبة للعقاب» في حين ينص الفصل الثامن منه على أنه «يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاثة أعوام وبخطية من ألف دينار إلى خمسة آلاف دينار كل من تردد على مكان أعد وهيئ لتعاطي المخدرات ويجري فيه تعاطيها مع علمه بذلك...»وبذلك فان المشرع التونسي اعتبر الاستهلاك او المسك لغاية الاستهلاك كل المواد المخدرة ودون أي استثناء جريمة تدخل تحت طائلة الفصل الرابع بل الأبعد من ذلك فقد اعتبر أن مجرد التردد على الأماكن التي يقع عادة فيها استهلاك المخدرات جريمة تستوجب العقاب المقرر بالفصل الثامن كما أن مجرد المحاولة تستوجب كذلك نفس العقاب ولم يعطي المشرع للقاضي أدنى سلطة تقديرية لدى تطبيقه للفصول المتقدمة بما فيها إمكانية تطبيق ظروف التخفيف حسب دافع ووضعية المستهلك الاجتماعية والنفسية وفيما انه مستهلك للمرة الأولى أم عائد وحسب نوعية المادة المستهلكة فالعقوبة هنا موحدة بالنسبة للكل وهو ما يتنافى مع مبدأ تقدير العقاب الذي يقتضي الحكم حالة بحالة وليس التطبيق الآلي للعقوبات التي لا تشمل فقط المروجين أو المدمنين للمواد الأكثر خطورة كالكوكايين والهروين وإنما كل من خولت له نفسه أن يجرب مادة الزطلة أو استنشقها سلبيا وتم ضبطه وهو ما يؤدي في غالبية الأحيان إلى ضياع مستقبل عديد الأشخاص وحتى المراهقين من بين الطلبة والتلاميذ الذين لم تكن لديهم نية الإدمان أو الاستهلاك أصلا...


إحصائيات مفزعة

بعض الإحصائيات تؤكد أنّ هناك  8 آلاف موقوف في قضايا تتعلق بالمخدرات استهلاكا وترويجا وأن من بين 10 موقوفين في قضايا المخدرات هناك 9 موقوفين في قضايا استهلاك أغلبها تتعلق باستهلاك «الزطلة» وأن قضايا الاستهلاك تأتي في المرتبة الثانية بعد قضايا السرقة من حيث عدد الموقوفين وهذا الأمرمفزع للغاية ...
كما أن عديد التقارير الأخرى تؤكد أن نسب تعاطي "الزطلة" بين صفوف الشباب والمراهقين مرتفعة جدا وتبلغ قرابة 30% من الفئة العمرية بين 13 سنة و35 سنة أي أنّ أكثر من مليون مستهلك لهذه المادة بين هذه الفئات العمرية ونفس هذه التقارير كشفت أن 57 %من بين الفئة العمرية 13 و18 سنة بينما تقل نسبة التعاطي تدريجيا بين الفئات الأكبر سنا لتصل إلى  36.2% بين 18 و25 سنة ثم إلى 4.7 % بين الفئة ما بين سن ال25 و35 سنة في حين لا تتجاوز نسبة المتعاطين بين الفئة المتراوحة بين 35 و50 سنة نسبة 2% وفي نفس السياق تؤكد بعض الإحصائيات أنّ التلاميذ الذين جرّبوا المواد المخدرة بالمؤسسات التربوية يتوزعون بين 61.1 % من الذكور و40.9 % من الإناث...


الحلول المقترحة

لقد لاحظنا من خلال الإحصائيات أنّ القانون عدد 52 الذي يغلب عليه الطابع الزجري لم يمنع من انتشار استهلاك المخدرات في المجتمع التونسي بكل فئاته وهو ما يؤكد مرة أخرى أن عقوبة السجن خاصة إذا كانت لا تنطوي على بعد إصلاحي نفسي واجتماعي لم تأت بأي نتيجة تذكر ولعل النسب المرتفعة  التي ذكرناها ضمن الفقرة المتقدمة خير دليل على ذلك باعتبار أن المستهلك وفي معظم الحالات يقدم على إعادة التجربة فور إنهاء العقوبة ذلك أن السجن في تونس وللأسف الشديد لا يقدم أي علاج نفسي أو جسدي بل بالعكس يمثل مناخا لاكتساب الطبع الإجرامي ويقضي على حياة الشخص خاصة وانه يتسبب له في كثير من الأحيان في فقدان موطن عمله أو دراسته ...


وعلى هذا الأساس ننادي على غرار عديد المنظمات الحقوقية في تونس ومكونات المجتمع المدني بوجوب تنقيح القانون المذكور خاصة فيما يتعلق باستهلاك مادة "الزطلة" ووضع حد لما تسبب فيه من دمار لحياة آلاف الأشخاص لا لشيء إلا لأنهم جربوا استهلاك هذه المادة التي لا تختلف كثيرا على السجائر من حيث الخطورة او استنشقوها سلبيا وبالتالي يمكن هنا استبدال العقوبات السالبة للحرية في هذا المجال بعقوبات أخرى بديلة كالخدمة للصالح العام مع إخضاعه لبرنامج علاجي وجوبي مع الاحتفاظ بالخطية مع الزيادة فيها إلى حدّ معقول وبذلك تتحقق مداخيل هامة بالنسبة إلى خزينة الدولة فإذا ضربنا 8000 موقوف من أجل استهلاك "الزطلة" في 2000 دينار فقط كخطية ستتحقق مداخيل ب16مليون دينار أضف إلى ذلك التخلص من عبئ مصاريف إيواء هؤلاء المساجين بالسجن كما سيساهم ذلك في القضاء على الاكتظاظ في السجون التونسية التي تعاني من وضعية مأسوية نتيجة لذلك كما يجب تنقيح القانون عدد52 لسنة 1992 في اتجاه مزيد زجر مروجي المخدرات وليس مستهلكيها لان المستهلك في آخر المطاف هو الضحية مع إعطاء صلاحيات واسعة للفرق الأمنية المكلفة بمكافحة المخدرات وتزويدها بكل ما يلزم من تجهيزات وعتاد وتوفير كل الضمانات حتى تتمكن من القضاء على عصابات الترويج وبذلك يسبق الجانب الوقائي على الدور الزجري الذي تضرر منه المستهلك الضحية قبل المروج خاصة إذا عرفنا أن عصابات ترويج المخدرات بمختلف أنواعها قد تمكنت من إيصال سمومها إلى كلياتنا ومعاهدنا وحتى مدارسنا الابتدائية والإعدادية...



نفس هذا المنهج توخته الدول المتقدمة بالتوازي مع إلغائها لعقوبة السجن بالنسبة إلى جريمة استهلاك وجعلت من القوانين في خدمة العلاج من الإدمان عوض ملء  السجون لأن هذا الإدمان عادة ما يبدأ بسيجارة ليصل إلى أخطر أنواع المخدرات وبالتالي فالحكمة تقتضي أن يعالج المستهلك العرضي أو المدمن في المراكز المعدة خصيصا لذلك بدل الزج به وراء القضبان والقضاء على حياته ...


                                             عبد الستار بليش

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire