الملوك يقضمون أصابعهم خوفا على سلطانهم كما الأخطبوط يلتهم أطرافه إن جاع...
في البدء كانت قبائل العرب
متناحرة لم يكن يضير بعضهم أن يتّخذ من البيزنطيين أو الفرس سندا يستقوون به على
من خالفهم من بني عمومتهم لأجل كلإ ومرعى أو ماء أو ضرع أو سيادة...
هو الصّراع لأجل الثروة
والسلطة...
وقد تتحالف المجموعة من
العشائر ضدّ عشيرة أو عشائر أُخَر ومثال ذلك ما وقع في حلف الأحلاف
وهو تحالف جَمَع بين بطون قريش
دعما لبني عبد الدار بن قصي في تنازعهم مع بني عبد مناف بن قصي حين أراد بنو عبد
مناف أن يستولوا على ما منحه أبوهم قصي لإخوتهم بنو عبد الدار من حِجابة وسقاية
ورفادة ولواء وندوة
وقد جمع بنو عبد الدار حلفاء
وتعاهدوا عند الكعبة بعد أن ذبحوا بقرة وقالوا "من أدخل يده في دمها ولعق
منها فهو منا" وسُمّوا لذلك حلف الأحلاف "لعقة الدم"
وفي المقابل أعدّ لهم بنو عبد
مناف من ساندهم من القبائل وأسندوا إلى كل قبيلة حالفتهم قبيلة ممن عاداهم
وتوافقوا على أن تفني القبيلةُ القبيلةَ التي أُسندت إليها لتواجهها...
فهل غادرت القبائل اليوم من
متردّم؟ أم تنادت السعودية والإمارات والبحرين استعدادا لطرد قطر من مجلس التعاون
الخليجي بعد أن سحبوا سفراءهم من الدوحة ؟
لئن يبدو الأمر اليوم على أنّه صراع سياسات
ومصالح مرتبط بسياستي كل من قطر والسعودية في المنطقة وتحديدا في سوريا ومصر إلاّ
أنّه في جزء كبير منه صراع ضغائن وثأر (بالمعنى القيَمي القبليّ )
1-صراع السياسات والمصالح
إن كان الدّم السوري
"لعقة الدم" التي وحّدت الموقفين السعودي والقطري إذ اتفقا على إسقاط
النّظام الأسدي ( وبالطبع لا يمكن أن يكون هذا الاتفاق لرغبة في دعم الديمقراطية
أو في تحرير السوريين لاعتبارات أهمها أنّ الأنظمة الملكية المنغلقة هي الأشد خشية
من نجاح الثورات حتى لا يصيب تطاير شررها عروش الملوك بالحريق بل إنّ مرجعه
العداء السياسي وربما الأيديولوجوي وحتى الشخصي للأسد ونظامه -من ناحية-
ولاعتبارات الولاء لمشاريع النظام العالمي الجديد والانصياع لتنفيذها
-من ناحية أخرى-)
غيرإنّ الدّم المصري مثّل
"لعقة الدم" التي فرّقت بين قطر من جهة والسعودية والإمارات من جهة
ثانية إذ إنّ السعودية الخائفة على من منافسة قطر لها على السيادة والنفوذ في
المنطقة , والتي يمثّل "الإخوان المسلمون" عدوّا لها كما للإمارات في
داخل الممالك ومن خارجها صارت تعتقد أنّ قطر قد شقّت عصا طاعتها حين واصلت
دعم "الإخوان المصريين" بعد سقوطهم (في مصر) بل ربما صارت تتوجّس خيفة
من أن يمتدّ النّهم القطري إلى النفوذ -الذي يذكيه دعم أمريكا والغرب لها- إلى أن
تتمادى في خدمتها لبثّ "مشروع الفوضى الخلاّقة" إلى داخل الممالك
الخليجية التي مازالت في منأى عنه إلى الآن وإن كانت منخرطة في تنفيذه بدرجات
متفاوتة ومن مواقع مختلفة...
2-صراعات الضغائن والثأر
سنة 1913 قرّر الملك السعودي عبد العزيز ضمّ قطر إلى منطقة
الأحساء السعودية على اعتبار أنها منطقة تابعة للسعودية ولم يعترف بها دولة مستقلة
إلا بعد سنتين تحت وطأة الضغط البريطاني
وفي سنة 1995 اتهمت قطر قبائل
"بني مرّة" بالولاء للسعودية التي استغلت هذي القبائل في محاولة
الانقلاب ضد الأمير "خليفة آل ثاني" وقد انتهى الأمر بسحب الجنسية
القطرية وتهجير عدد كبير من أفراد "بني مرّة"... أمّا في سنة 2002
فقد تفجّر الخلاف مجددا حين استضافت قناة "الجزيرة" شخصيات سعودية
انتقدت الملك "عبد العزيز" وآلَ الأمرُ حينها إلى سحب السفير السعودي
"صالح الطعيمي" من الدوحة لمدّة ستّ سنوات . ثم قد كشفت المكالمة
المسرّبة التي قيل أنها دارت بين معمرالقذافي و وزير الخارجية القطري السابق
"حمد بن جاسم" سنة 2011 عن عمق القطيعة بين السعودية وقطر وعن
اشتداد الضغائن المضمرة فقد تحدث خلالها "حمد" عن أن "النظام
السعودي نظام هرِم...وعن إنهاء السعودية على يده وأن قطر موجودة وستدخل يومًا
الى القطيف والشرقية... وأن الملك عبد الله ليس سوى واجهة، وأن الحاكم الفعلي هو
سعود الفيصل، وأنه منته وستقسم بعده السعودية إلى عدة مناطق". كما كشف خلالها
عن أنّ «أمريكا وبريطانيا طلبتا منه تقريرًا عن الوضع في السعودية، وأعربتا له عن
نيتهما في الإطاحة بالنظام الملكي هناك، إلا أنهما يتخوّفان من البديل...»
ويقابل الموقف القطري
الموقف السعودي الذي عبّر عنه رئيس الاستخبارات العامة السعودية "بندر بن
سلطان" الذي يرى المحللون أنه تزامن مع سعي المملكة السعودية إلى سحب الملف
السوري من قطر وتركيا وقد ورد في تصريح بندر " أنّ قطر 300 شخص وقناة،
وهذا لا يشكل بلدًا"
وبناء على المؤشّرات السابقة
يمكن أن نؤسّس استنتاجين هامّين
أوّلهما أنّ الممالك الخليجية
لا تبدو محصَّنة ضدّ مشروع "الفوضى الخلاّقة" والتقسيم الجديد
الذي سُطّر للمنطقة.
وثانيهما أنّ الملوك الذين
يقضمون أصابع مصر وسوريا...ليحفظوا بقاء عروشهم قد ينتهون إلى قضم أصابعهم هم ,
إلاّ أنّ الأصابع المقضومة لن تتجدّد كما هو شأن أطراف الأخطبوط وإنّما ستظلّ
مبتورة أو ستُنبِت أُصيبعات ضعيفة عاجزة محلّ كلّ إصبع مفقود.
فلعلّنا إن شئنا أن نظفر بتشخيص لواقع العرب
وباستقراء لمستقبلهم ندرك أنّهم يعيشون انتقالا من ضياع شخّصه الشاعر "محمود
درويش " حين قال
"عرب أطاعوا رومهم⁄عرب وباعوا روحهم⁄عرب...وضاعوا..."
إلى انقراض تنبّأ به الشاعر
مظفّر النوّاب إذ قال
"أقسمت بتاريخ الجوع ويوم السغبة ⁄ لن يبقى عربي
واحد إن بقيت حالتنا هذي الحاله ⁄ بين حكومات الكسبه..."
فبعد انكسار حلم الدولة
القومية في القرن الماضي والانتقال إلى مفهوم الدّولة القُطريّة يبدو أنّنا مقبلون
–اليوم- على مفهوم الدّولة "الميكرو- قُطريّة " إن صحّت العبارة... أو
لعلّ التاريخ سيلقي بنا خارجه مادمنا نسير ضدّ مجرى التطوّر الطبيعي للمجتمعات
البشرية في عودة إلى زمن القبائل...
-فتحي البوزيدي-




Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire