لقد عرف الشعب التونسي أثناء حكم الترويكا جميع أنواع المصائب إذ تتالت الأزمات
تباعا على البلاد حتى كادت تعصف بها نتيجة للفشل الذريع في التعاطي مع كل الأمور
تقريبا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.. فحكومتا الجبالي والعريض لم
تتمكنا من فعل أي شيء وبقيتا عاجزتين عن التعاطي مع أبسط المطالب الشعبية والثورية
وذلك ناتج عن انعدام الكفاءة السياسية وانعدام الخبرة في إدارة الدولة التي كانت
بالمنظور الإخواني عبارة على غنيمة وجب اقتسامها ...
سقطت حكومة الجبالي بعد اغتيال شكري بلعيد ومثلها حكومة العريض على اثر
اغتيال الشهيد محمد البراهمي فكان لا بد
من حل للخروج من هذا المأزق ..وكان الحوار الوطني لتوحيد وجهات النظر حول إيجاد
خارطة طريق يمكن من خلال تطبيقها الخروج من الأزمة وقد وقع التوافق فعلا على هذه
الخارطة التي اقتضت اختيار رئيس حكومة مستقل ومحايد لتكوين حكومة تكنوقراط تسعى
وتعمل على إيصال البلاد إلى الانتخابات القادمة ....
وبعد أخذ ورد وباجتهاد كبير من الرباعي الراعي للحوار الوطني تم اختيار
المهدي جمعة رئيسا للحكومة وعلى ضوء ذلك قام باختيار حكومته من الكفاءات غير المتحزبة
ونالت هذه الحكومة الثقة من المجلس الوطني التأسيسي في 29 جانفي 2014 وانطلق رئيس
الحكومة الجديد منذ ذلك الوقت يعمل بكل
تفان وإخلاص لخدمة الوطن عسى ان يخرجه من عنق الزجاجةويبدو أن هذا التوجه لم
تستسغه عديد الأطراف وعلى رأسها حركة النهضة التي تعرف جيدا أن نجاح جمعة سوف يبرز
مدى فشلها في إدارة البلاد في الفترة السابقة ...
الوضعية الموروثة عن فترة حكم"الإخوان"
حينما تسلم المهدي جمعة الحكم كانت البلاد على فوهة بركان وكان الوضع العام
يوحي بالخراب على جميع المستويات فعلى المستوى الاجتماعي وصل عدد العاطلين عن
العمل إلى قرابة المليون نسمة ،أمّا نسبة الفقرفقد بلغت أعلى مستوياتها خاصة في
المناطق الداخلية أضفإلى ذلك تدني المقدرة الشرائية للمواطن أمام التهاب الأسعار
وكل ذلك بسبب سوء التصرف المالي والإداري لحكومة الإخوان التي عجزت عن استقطاب
الاستثمارات لعدم قدرتها على التواصل مع
المستثمرين المحليين والأجانب على حد السواء والراجع بالأساسإلى تناولها لملفات
رجال الأعمال خارج إطار العدالة الانتقالية إضافةإلى فقدان السيطرة على الجانب الأمني
الذي بات يوصف بالكارثي وقد غدت البلاد
محضنة للاغتيالات السياسية وانتشر فيها الإرهاب انتشار النار في الهشيم حتى وصل إلى
قلب المدن السياحية ...
وقدأدى كل ذلك إلى وضعية اقتصادية حرجة للغاية تعرض لها المهدي جمعة مؤخرا خلال لقاء تلفزي بيّن خلاله أنّ
البلاد لم تعد تحتمل أكثر من ذلك وأنّ الوضع الاقتصادي على غرار الوضع الأمني ينذر
بالكارثة وأنه على الجميع تحمل المسؤولية والتضحية من أجل انقاذ تونس مما حلّ بها
من خراب ...
وضع العصا في العجلة
كلنا نعلم أنّ العريض ومن خلفه حزبه لم يعترف ولو مرة واحدة بفشله الذريع
في إدارة الدولةولم يصارح الشعب التونسي بما آلتإليه البلاد من جراء دغمائيته
وتعنته وعناده لذلك نجده قد سلّم الحكم عن مضض مؤمنا إيمان الجاهل بجهله بأنه لم
يخطئ وأن حكومته هي "أقوى حكومة في التاريخ "وأن انجازاتها عديدة
ومتعددة ...وكان في كل مرة يعلق فشله على
شماعة المعارضة ويؤكّد أنها هي التي تضع له العصا في العجلة بافتعال الاحتجاجات
والمظاهرات..
ومن المضحكات المبكيات أن ما يلومه علي العريض على المعارضة ينتهجه اليوم
حزبه ضد حكومة المهدي جمعة حيث بمجرد أن بدا هذا الأخير في العمل بكل جدية في سبيل
إصلاح ما وقع هدمه جراء انعدام الكفاءة والانتهازية وإنقاذ البلاد من السقوط في
الهاوية حتى انطلقت النهضة في العرقلة وذلك من خلال حشر أنفها في كل شاردة وواردة
خاصة على مستوى التعيينات باستعمال أذرعتها الموازية في مؤسسات الدولة وفي كثير من
الأحيان باللجوء إلى تحريك الشّارع عبر قواعدها التي لا تؤمن بالدولة ولا بعلوية
القانون ونذكر مثلا الضغوطات الكبيرة التي تعرض لها جمعة من طرف الحركة فيما يتعلق
بحركة الولاة وكذلك في إطار تغيير بعض القيادات الأمنية والمسؤولين الإداريين فنجد
أن النهضة قد فرضت تعيين العديد من الأسماءوإبقاء جزء هام من الفريق الفاشل الذي
كان يعمل مع العريض بالإضافةإلى ذلك هناك عديد الأدلة التي تورّط الحركة في السعي
نحو إفشال حكومة المهدي جمعة مهما كانت التكاليف وذلك من خلال استخدام أذرعتهاالإعلامية
لتشويه صورة الرجل وعديد الوزراء الأكفاء الذين اختارهم للعمل معه باتهامهم بتهم
ما انزل الله بها من سلطان كالعمالة والجوسسة وقد وصل الأمرإلى مطالبة الحكومة
الجديدة بالاستقالة ...
كما التجأت حركة النهضة إلى تهييج الشارع في بعض المناطق الداخلية والجنوب
باستغلال شيطاني لمسألة الثروات الطبيعية المهدورة مما أدىإلى عديد الاحتجاجات
والتحركات في تلك المناطق والسؤال هنا لماذا لم تتم هذه الاحتجاجات ضد حكومتي
النهضة إلاإذا كان الشعب التونسي قد تذكر هذه المطالب فقط عندما ترأس المهدي جمعة
الحكومة ...
هذه الأسئلةإن دلت على شيء فهي تدل على تورط حزب النهضة في السعي نحو إفشال
الحكومة الجديدة باستغلال كل الطرق الشرعية وغير الشرعية وربما ذلك راجع إلى تكتيك
هدفه إبرازللرأي العام أن حكومة الكفاءات الجديدة ليست أكثر كفاءة من حكومة الإخوان
وأنّ جمعة ليس أقدر من الجبالي أو العريض ولا يهمّإن أدىّ
ذلك بالبلاد نحو الفوضى والجحيم ...
السعي نحو الخلاص
أمام كل هذه التحديات وبالرغم من الألغام
التي خلفتها حكومة العريض وبالرغم من وضع العصا في العجلة من قبل حزب النهضة إلى
يوم الناس هذا نجد المهدي جمعة بالوسائل القليلة المتاحة له يسعى نحو تخليص البلاد
من أزماتها خاصة منها الاقتصادية..ويريد بذلك إيصالهاإلى برّالأمان بعد أن وجد
نفسه أمام اقتصاد كل مؤشراته تنذر بالخطروتتجلى في عجز الميزانية
بنحو 8 %وارتفاع نسبة التداين التي وصلت إلى نحو 50 %من الناتج الإجمالي الخام
لتونس ونسبة تضخم بـ6 %وعجز في الميزان التجاري بنحو 5 مليارات دولار وتراجع نسبة
تغطية الواردات بنسبة 70.6 %ووجود نحو 800 ألف عاطل عن العمل منهم نحو 250 ألف شاب
متخرج من الجامعات وتراجع الاستثمار الوطني والخارجي وتدهور قيمة الدينار أمام
الدولار الأميركي واليورو بنحو 9 % منذ بداية السنة علما بأن هذه الأوضاع كانت ولا
تزال سببا في التحركات الاجتماعية والاحتجاجات والاعتصامات...
أمام
هذه الوضعية التي تبعث على الغثيان لم يبق جمعة مكتوف الأيديأو اكتفى بالخطابات
الرنانة التي أشبعنا بها سابقيه وإنما كان كثير التحرك والعمل والفعل على المستوى
الميداني داخليا وخارجيا وهو الآن بصدد القيام بزيارة الى بلدان الخليج العربي
بهدف تعزيز
العلاقات الدبلوماسية وجذب مستثمرين إلى تونس وتشمل هذهالزيارة على التوالي دول
الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت وتجدر الإشارةإلى أنهذه الزيارة كانت مع عدد من رجال الأعمال في طائرة صغيرة
ودون أي تحضيرات مسبقة وبلا أدنى تكاليف في الوقت الذي ينعم فيه الرئيس المؤقت
بطائرة رئاسية فخمة عادة ما يستعملها لسفرات لا فائدة منها للبلاد ..
















Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire