مازال الاقتصاد التونسي ينتقل من السيئ إلى الأسوأ بعد الارتفاع الذي شهدته
معدلات التضخم حتى وصلت معدلات تنذر بالخطر بسبب حكومة الترويكا التي زادت الطين بلّة على اعتبار افتقارها للعديد من المقومات التى تؤهلها لإدارة
الأزمة التى تعصف بالاقتصاد، ومن أهم تلك المقومات التى افتقدتها الحكومة المعزولة هي التخطيط الجيد حيث أنها هرولت تبحث عن الإعانات
والقروض والودائع الخارجية وتظن بأن هذا هو المخرج الوحيد للاقتصاد والحال أن ذلك
أصبح عبءا على الأجيال والحكومات القادمة لأن القروض والودائع في يوم ما سوف ترد إلى
ذويها على قياس على قول الشارع : إلي متغطي بمتاع الناس عريان"
و لم تفشل الحكومة المنتخبة في إدارة عجلة الاقتصاد فحسب بل راحت تغرف من
ميزانية الدولة إلى أن أثقلت حمولة الانتدابات العشوائية كاهلها دون زيادة في الإنتاج و ظلت تماطل في الحل الوطني الخالص واتبعت سياسة
تنويم حل إشكالية رجال الأعمال الذين تسببت وضعياتهم في تجميدهم و تجميد حركة
النشاط الاقتصادي للبلاد معهم …
فأكثر من 450
رجل أعمال وقع تحجير السفر عليهم وهم الناشطون
في قطاعات جد حيوية على غرار التصدير
والتوريد والسياحة والصناعة والتكنولوجيا و تشغّل المؤسسات التابعة لهم آلاف العملة
والموظفين والإطارات العليا بطرق مباشرة وغير مباشرة .
كما أن عددا هاما منه يعتبر من ركائز الاقتصاد الوطني
... و تحجير السفر على رجال المال و الأعمال كانت
في الحقيقة سياسة مقيتة ولدت من
رحم الهيجان الثوري و الفوضى العارمة التي خلفتها الثورة حتى أن وسائل
الأعلام و صفحات التواصل كانت تسارع في
نشر خبر سجن رجل أعمال أو تحجير السفر
عليه يحملها الانتشاء بالثورة و يدفعها مبدأ
الثأر في مسايرة المطالب الجماهيرية الشعبية التي لا همّ لها سوى العقاب
السجني دون أن تبالي بنتائجه الوخيمة ...
والغريب في الأمر أن حكومات ما بعد الثورة سارت على نفس الدرب و حتى القضاء تناغمت قراراته مع
صوت الشارع بل كان هناك تنافس في الكواليس
بين النيابة و قلم التحقيق حول من تكون له الأولوية في الإيقاع برجل أعمال موصوم
ب" عار الانتماء إلى النظام البائد و خدمته" ...
وعمليات تحجير السفر على رجال الأعمال توازت أيضا
مع بروز قوائم المصادرة المضروبة و التي
اختلط محتواها بين الطاهر و الفاسد و بين الظالم
و المظلوم و بين الحابل و النابل بعد عمل " موصوم بالخور " أنجزته لجنة
طمس الحقائق المولودة من نطفة بن علي
... ولم يكن الأمر لينتهي عند
تحجير السفر فحسب بل عرف العديد منهم حوادث غريبة فهذا احترق مصنعه و ذاك اتلفوا منتوجه و آخر اعتدوا عليه ركلا و آخر
صبّوا عليه جام غضبهم و آخر تعرض
لعمليات نهب و سرقة فيما عرف شق آخر سياسة جديدة تعرف بسياسة قلبان
"الفيستة" جعله ينجو من البطش ليختفي برداء حماة الوطن الجدد ويلتحف بلحاف
الثورجيين ...بل أن كثيرا من رجال الأعمال المورطين دفعوا أموالا باهظة من جل التلذذ بمعاناة منافسيهم حيث استنجدوا بالبلطجية و دفعوا لهم على الحساب
من أجل ضرب منافسهم في المقتل ...
و المظاهر تلك -في الحقيقة- حافظت على نسقها حتى بعد انتخابات 23 أكتوبر بل أنضاف إليها معجم الابتزاز و التلاعب برجال الأعمال خاصة و أنّ الساهرين على الإرادة السياسية في حكومة الترويكا كانوا أشبه ما يكون ب " مغبون و طاح في التشيشة" ...
وفي وقت وقع تحجير السفر على رجال أعمال ... و الزج بالبعض الآخر في أتون
السجون ... و ابتزاز الطرف الآخر ... وتعطيل نشاط هذا ...والضغط على ذاك... تحجرت الاستثمارات وتراجعت فرص الاستثمار بل
وانعدمت . فلا سياسة تشجع و تدفع ولا إرادة سياسية ساندت ولا قرارات قضائية راعت و لا
ثورجيين رحموا و لا مخطط عاجلا نصب ووضع و
لا برامج اقتصادية تواجدت و لا كفاءات سهرت على القطاع و توصلت إلى حلول ...
بل تتالت الطعنات و آخرها الطعنة الموجهة
من طرف الثورجي العنيف نجيب مراد و لا احد
فكّر في وضع رجال الأعمال الذين شئنا أم أبينا -أحببنا أم كرهنا عماد الاقتصاد و القاطرة التي
تمر بها البلاد نحو الأفضل ...
فأكثر من450 رجل أعمال ذاقوا الأمرين
و تدهورت شركاتهم و بدل أن يهرولوا نحو
الخارج للاستقطاب و السير بخطى ثابتة نحو بعث المشاريع وجدوا أنفسهم منهكي القوى بين أخذ و رد بل إن غالب أوقاتهم يقضونها في بهو المحاكم من مكتب تحقيق إلى مكتب تحقيق ... و كمّ من رجل إعمال نسبت إليه القضايا جزافا أو تعلقت بهمته قضايا من الوزن الخفيف وجد نفسه مقيدا بقرار
تحجير السفر عليه وممنوعا من التنقل بعد
أن كبّلوه بالقانون و بدل أن يسعى نحو
توفير فرص عمل للعاطلين وجد نفسه منكبا على مراجعات المجلات القانونية أولها المجلة الجزائية ...
فالإحصائيات المتوفرة تؤكد أن أغلب
القضايا المتعلق برجال أعمال تونسيين كانت إما للتهرب الضريبي أو لتغيير صبغة عقار أو أشياء
أخرى يمكن تجاوزها
و لا تتطلب كل هذا الحسم القانوني و الردع القاسي على اعتبار أن أكثر من 90 بالمائة من أصحاب المال و الأعمال لم يتورطوا في قضايا كبرى كما هو الحال عند
الخليجين الذين ظفروا بعقارات تقدر مساحتها بآلاف الهكتارات زورا و بهتانا ومثل المتحيل الايطالي كارطا الذي راوغ الدولة و استجلب لنا 360 بلطجيا ايطاليا
قال إنهم مستثمرون ايطاليون يرغبون في الاستثمار في تونس فلهف أكثر من 2000 هكتار
بدينار واحد فقط و راحوا يبيعونها في سوق النخاسة ولم يقع
التطرق إلى ملفات فسادهم إلى اليوم....
و رغم ذلك تتعالى أصوات الغربان من السياسيين يزيفون الأرقام وينثرون بشائر الأمل و يزعمون
تعافي الاقتصاد دون أن يدركوا أننا أصبحنا في أسفل السافلين و أن سياستهم
ساقتنا إلى النفق.. فالوضع يفرض اليوم أكثر من أي وقت و بصفة عاجلة لا تتطلب التأخير
تسوية وضعيات رجال الأعمال و إطلاق يديهم و تحريرهم ورفع التحجير عنهم خاصة و آن إجمالي الأموال المقرضة لهم من البنوك التونسية فاقت 600 مليون دينار مما
يطرح أكثرمن تساؤل حول كيفية إعادتها إلى خزينتها في وقت يعيش في رجل الإعمال شللا تاما و ظلّ بين مطرقة الابتزاز من طرف
السياسيين و بين سندان الأحكام القضائية
المجحفة زد عليها الوضع الأمني الذي لا يشجع على الاستثمار ... و لعمري إنّ أول خطوة مطلوبة اليوم هي تحرير رجال الأعمال من كلّ القيود فأغلبهم
تحدوه رغبة جامحة في الدفع بعجلة
الاقتصاد و جلّهم يتوق إلى لحرّية بل
انه أصبح لا موجب اليوم لتحجير السفر على هؤلاء خاصة و أن مشاريعهم
وعائلاتهم في تونس وهو معطى يجعلهم
مرتبطين بالعودة إلى الوطن فضلا عن الوطنية الشريفة التي تسكن أفئدة اغلبهم ...
و بقدر ما نروم ترديد النداء العاجل بتمكين رجال الأعمال من كل الوسائل و الإمكانيات المتاحة و الظروف
الملائمة للعمل بقدرما نرغب في إرسال رسالة إلى الحكومة الحالية علّها تصلح ما أفسده دهر الترويكا و نضمّ من خلالها إلى صوت
كوكب الشرق أم كلثوم مرددين مع " أَعْطِنِي
حُرِّيَّتِي أَطْلِقْ يَدَيَّا إِنَّنِي أَعْطَيْتُ
مَا ٱسْتَبْقَيْتُ شَيَّا"











Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire