الذين
لايبصرون من الماء غير سطحه لن يستشرفوا حركته الآتية ولن يدركوا ما تخفي
أعماقه...
بنفس
ذهنية مشجعي نجوم كرة القدم أو السخط عليهم يحدّث البعض في خيلاء عن قيام دار نشر
تركية بترجمة بعض كتب راشد الغنوشي إلى التركية ودعوته إلى إسطنبول
لتقديمها...وبنفس الذهنية يهزأ آخرون من الأمر...
وكلا
الفريقين لا يدرك أو يغفل على أنّ الواقع السياسي في تونس اليوم هو في جزء منه
ترجمة ومحاولات لترجمة المرجعية النظرية للغنوشي ترجمة عملية
فصاحب
المشروع النظري قد توفّرت له فرصة إجراء مشروعه بفوز حزبه في الانتخابات وسيطرته
على مقاليد السلطة...
لذلك
نرى من المفيد بل من الضروري أن نثير بمقدار ما تسمح به هذه المساحه بعض وجوه
التعالق بين الخيارات السياسية لحركة النهضة والخلفية النظرية التي أسس لها زعيمها
والتي يمكن أن نستشفها من بعض ماكتب وسنعتمد لذلك على كتابه " من تجربة
الحركة الإسلامية في تونس "
فهو
يعلن عن المشارب المختلفة التي كرع منها تصوراته ورؤاه وعن أهم التجارب التي أثرت
في أفكاره ومواقفه
وأهم
هذه المشارب والتجارب التي يثبتها في هذا الكتاب أنّه
تخلى عن "القومية
العلمانية والإسلام التقليدي " ودخل في " الإسلام الأصلي " الذي
يقول بأنه أحبه ونذر له حياته ، واقتصر نشاطه ... والى حدود 1968 على استيعاب ما
كتبه "محمد اقبال والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب والبنا والسباعي ومالك بن نبي
والندوي..."
ومما
يسترعي الانتباه في هذا القول استعمال عبارة "الإسلام الأصلي" وهي عبارة
ذات بعد تصنيفي وثوقي إن استسلمنا إليها فقدنا شرعية القراءة الـتّأويلية للنص
الديني ووقعنا في عتمة الاتباع الأعمى لمذهب أو وليّ لا تحتمل قراءته الخطأ
ولعلّنا يمكن أن نعتبر أنّ هذا التصور هو من أسباب الصراعات بين من يزعمون أنّهم
وحدهم من يمتلكون الإسلام الأصلي وغيرهم ممن لا يمتلكون إسلاما أو ممن يمتلكون
نسخة عن الإسلام
كما يمكن أن نذهب إلى
أنّ مفهوم امتلاك "الإسلام الأصلي" سرّ من أسرار استشراء الخطاب
التكفيري لدى الكثير من قواعد النهضة وبعض قياداتها ومن جاورها أيديولوجيا الذين
جسدوا ذلك في مقولتي "اليساري والعلماني الكافرين" ولعل هذا الخطاب
التكفيري يعود في جزء منه إلى التأثّر بفكر السيد قطب
-وإن كانت الحركة قد قبلت بتمرير
قانون يجرّم التكفير في الدستور التونسي فإن ذلك إما أن يكون راجعا إلى مراجعات
حقيقية أو إلى رضوخ لإرادات سياسية داخلية أو ضغوطات خارجية-
ولنا
أن ندرج للاستشهاد على المذهب التكفيري الذي سار عليه "قطب" ومن تأثّر
به ونهج نهجه قوله في كتابه معالم في الطريق" (ص158) ما نصه:
"والمسألة في حقيقتها مسألة كفر
وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً، إن
الناس ليسوا مسلمين كما يدّعون، وهم يحيون حياة الجاهلية، وإذا كان فيهم من يريد
أن يخدع نفسه، أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام ممكن أن يستقيم مع هذه
الجاهلية، فله ذلك، ولكن انخداعه أو خداعه لا يغيّر من حقيقة الواقع شيئاً، ليس
هذا إسلاماً وليس هؤلاء مسلمين""
وتبعا
لعلاقة التأثّر هذه القائمة بين المرجعية الإخوانية "القطبية"(نسبة إلى
السيد قطب) وبين راشد الغنوشي (المنظّر والزعيم الأول لحركة النهضة) نجد
عذرا لإصرار المعارضة والمجتمع المدني على تمرير الفصل المتعلق بتجريم التكفير...
كما
نجد تبريرا لتعاطف بعض النهضويين الذين يجدون عنتا في التبرّؤ من الإسلاميين الذين
لا يؤمنون بمدنية الدولة والذين يرفعون السلاح في وجهها فوشائج القربى
الأيديولوجية وانتسابهم إلى نفس المعين الفكري والتنظيري وإن افترقوا بعد ذلك
تجعلهم يعدّونهم لهم إخوانا وأبناء ربما حتى وإن أجرموا...
ويتحدث
الغنوشي عن أهمية أحداث 1978 ودورها في التأثير في فكره حيث يقول
"أحداث 1978 والصدام العنيف بين النقابات وبين
الدولة نبهت الحركة " إلى أهمية المشكل العمالي وخطورة المشاكل
النقابية والإجتماعية" وقد صدر على إثرها "أول بيان للحركة على
الإطلاق" وفي 01 ماي 1980 احتفلت الحركة بعيد العمال في "أكبر المساجد
في تونس، وحضر الإحتفال حوالي 5000 شخص"
ولعلنا
نرى ظلال هذا الوعي بالمشكل العمالي ودوره في عمل حركة النهضة اليوم على واجهتين
واجهة
اختراق الاتحاد العام التونسي للشغل عبر الوسائل الانتخابية المشروعة –وإن كان
البعض يرى أنّ الغايات من وراء ذلك سياسية أكثر منها إيمانا بتبني المطالب
الاجتماعية للطبقة الشغيلة-
وواجهة
إضعافه من الخارج بإنتاج نقابات عمالية مرتبطة عضويا بالنهضة ...
أما
العامل الثالث والتجربة التي يقرّ راشد الغنوشي بتأثّره بها فهي "الثورة
الإيرانية" حيث يقول عنها " ـ الثورة الإيرانية التي رسّخت فكرة
إمكانية قيام دولة إسلامية كما أعادت الإعتبار لأهمية التحركات الشعبية وللصراع
الدولي بين "المستضعفين والمستكبرين"
ولعل
ذلك من دواعي خشية الأحزاب اليساريه خاصة والعلمانية عامة فمعلوم ما لقيه
"حزب تودة" الشيوعي في إيران من جزاء على يد الثوار الإسلاميين بعد أن
تعاون معهم خلال الثورة حيث قامت الثورة الخمينية بطرد أفراد هذا الحزب
من وظائفهم في الحكومة في عام 1984 وعاملتهم كعملاء للسوفييت وتم سجن
خمسة آلاف عضو ينتمون لهذا الحزب. وفي النهاية تم إعدام العديد من هؤلاء
وخصوصا قيادات الحزب في عام 1988 في أثناء ما يعرف بفضيحة قتل السياسيين والسجناء
الإيرانيين (1988 حيث تم القتل بالآلاف وبأرقام
لا تعلم، وقد اختفى في تلك المذبحة الكثير من زعامات هذا الحزب ومن غيرهم من
الإسلاميين المعارضين لحكومة الخميني
ولعلّ
إقرار الغنوشي بالتأثر بالتجربة الإيرانية مثّل مدعاة للريبة في الصلة المفترضة
بين ما عرف في تونس باسم "رابطات حماية الثورة" وبين حركة النهضة خاصة
وأنّ التحركات العنيفة لهذه الرابطات ضد معارضي النهضة تؤشر على هذا
الارتباط فضلا عن دفاع الحركة المستميت عنها رغم ما مثلته من تهديد للمسار
الانتقالي وكذا ذهب البعض إلى اعتبارها مرادفا للحرس وللجان الثورية الإيرانيه
بمواصفات تونسية...
إن الباحث إذن في
المرجعية النظرية لبعض الممارسات التي تحسب على النهضة اليوم يظفر بجذور لها في
الكثير مما كتب راشد الغنوشي وإن كان يظفر أيضا ببعض المراجعات الفكرية فيما كتب(
وفي بعض تصريحاته وخياراته السياسية بعد حراك الرابع عشر من جانفي خاصة حول
الديمقراطية والحريات ومدنية الدولة...) فهل ينبئ ذلك ببداية تغيّر في البنية
العميقة لفكره ومشروعه أم أنّ ذلك يندرج ضمن باب المناورة السياسية ودهاء الانحناء
زمن العاصفة مع العمل على إطلاق الجذور حدّ "التّمكين" وازدواجية الخطاب
التي وسم بها "فرج فودة" الخطاب الإخواني منذ القرن الماضي؟؟؟
الذين
لايبصرون من الماء غير سطحه لن يستشرفوا حركته الآتية ولن يدركوا ما تخفي
أعماقه...
بنفس
ذهنية مشجعي نجوم كرة القدم أو السخط عليهم يحدّث البعض في خيلاء عن قيام دار نشر
تركية بترجمة بعض كتب راشد الغنوشي إلى التركية ودعوته إلى إسطنبول
لتقديمها...وبنفس الذهنية يهزأ آخرون من الأمر...
وكلا
الفريقين لا يدرك أو يغفل على أنّ الواقع السياسي في تونس اليوم هو في جزء منه
ترجمة ومحاولات لترجمة المرجعية النظرية للغنوشي ترجمة عملية
فصاحب
المشروع النظري قد توفّرت له فرصة إجراء مشروعه بفوز حزبه في الانتخابات وسيطرته
على مقاليد السلطة...
لذلك
نرى من المفيد بل من الضروري أن نثير بمقدار ما تسمح به هذه المساحه بعض وجوه
التعالق بين الخيارات السياسية لحركة النهضة والخلفية النظرية التي أسس لها زعيمها
والتي يمكن أن نستشفها من بعض ماكتب وسنعتمد لذلك على كتابه " من تجربة
الحركة الإسلامية في تونس "
فهو
يعلن عن المشارب المختلفة التي كرع منها تصوراته ورؤاه وعن أهم التجارب التي أثرت
في أفكاره ومواقفه
وأهم
هذه المشارب والتجارب التي يثبتها في هذا الكتاب أنّه
تخلى عن "القومية
العلمانية والإسلام التقليدي " ودخل في " الإسلام الأصلي " الذي
يقول بأنه أحبه ونذر له حياته ، واقتصر نشاطه ... والى حدود 1968 على استيعاب ما
كتبه "محمد اقبال والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب والبنا والسباعي ومالك بن نبي
والندوي..."
ومما
يسترعي الانتباه في هذا القول استعمال عبارة "الإسلام الأصلي" وهي عبارة
ذات بعد تصنيفي وثوقي إن استسلمنا إليها فقدنا شرعية القراءة الـتّأويلية للنص
الديني ووقعنا في عتمة الاتباع الأعمى لمذهب أو وليّ لا تحتمل قراءته الخطأ
ولعلّنا يمكن أن نعتبر أنّ هذا التصور هو من أسباب الصراعات بين من يزعمون أنّهم
وحدهم من يمتلكون الإسلام الأصلي وغيرهم ممن لا يمتلكون إسلاما أو ممن يمتلكون
نسخة عن الإسلام
كما يمكن أن نذهب إلى
أنّ مفهوم امتلاك "الإسلام الأصلي" سرّ من أسرار استشراء الخطاب
التكفيري لدى الكثير من قواعد النهضة وبعض قياداتها ومن جاورها أيديولوجيا الذين
جسدوا ذلك في مقولتي "اليساري والعلماني الكافرين" ولعل هذا الخطاب
التكفيري يعود في جزء منه إلى التأثّر بفكر السيد قطب
-وإن كانت الحركة قد قبلت بتمرير
قانون يجرّم التكفير في الدستور التونسي فإن ذلك إما أن يكون راجعا إلى مراجعات
حقيقية أو إلى رضوخ لإرادات سياسية داخلية أو ضغوطات خارجية-
ولنا
أن ندرج للاستشهاد على المذهب التكفيري الذي سار عليه "قطب" ومن تأثّر
به ونهج نهجه قوله في كتابه معالم في الطريق" (ص158) ما نصه:
"والمسألة في حقيقتها مسألة كفر
وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً، إن
الناس ليسوا مسلمين كما يدّعون، وهم يحيون حياة الجاهلية، وإذا كان فيهم من يريد
أن يخدع نفسه، أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام ممكن أن يستقيم مع هذه
الجاهلية، فله ذلك، ولكن انخداعه أو خداعه لا يغيّر من حقيقة الواقع شيئاً، ليس
هذا إسلاماً وليس هؤلاء مسلمين""
وتبعا
لعلاقة التأثّر هذه القائمة بين المرجعية الإخوانية "القطبية"(نسبة إلى
السيد قطب) وبين راشد الغنوشي (المنظّر والزعيم الأول لحركة النهضة) نجد
عذرا لإصرار المعارضة والمجتمع المدني على تمرير الفصل المتعلق بتجريم التكفير...
كما
نجد تبريرا لتعاطف بعض النهضويين الذين يجدون عنتا في التبرّؤ من الإسلاميين الذين
لا يؤمنون بمدنية الدولة والذين يرفعون السلاح في وجهها فوشائج القربى
الأيديولوجية وانتسابهم إلى نفس المعين الفكري والتنظيري وإن افترقوا بعد ذلك
تجعلهم يعدّونهم لهم إخوانا وأبناء ربما حتى وإن أجرموا...
ويتحدث
الغنوشي عن أهمية أحداث 1978 ودورها في التأثير في فكره حيث يقول
"أحداث 1978 والصدام العنيف بين النقابات وبين
الدولة نبهت الحركة " إلى أهمية المشكل العمالي وخطورة المشاكل
النقابية والإجتماعية" وقد صدر على إثرها "أول بيان للحركة على
الإطلاق" وفي 01 ماي 1980 احتفلت الحركة بعيد العمال في "أكبر المساجد
في تونس، وحضر الإحتفال حوالي 5000 شخص"
ولعلنا
نرى ظلال هذا الوعي بالمشكل العمالي ودوره في عمل حركة النهضة اليوم على واجهتين
واجهة
اختراق الاتحاد العام التونسي للشغل عبر الوسائل الانتخابية المشروعة –وإن كان
البعض يرى أنّ الغايات من وراء ذلك سياسية أكثر منها إيمانا بتبني المطالب
الاجتماعية للطبقة الشغيلة-
وواجهة
إضعافه من الخارج بإنتاج نقابات عمالية مرتبطة عضويا بالنهضة ...
أما
العامل الثالث والتجربة التي يقرّ راشد الغنوشي بتأثّره بها فهي "الثورة
الإيرانية" حيث يقول عنها " ـ الثورة الإيرانية التي رسّخت فكرة
إمكانية قيام دولة إسلامية كما أعادت الإعتبار لأهمية التحركات الشعبية وللصراع
الدولي بين "المستضعفين والمستكبرين"
ولعل
ذلك من دواعي خشية الأحزاب اليساريه خاصة والعلمانية عامة فمعلوم ما لقيه
"حزب تودة" الشيوعي في إيران من جزاء على يد الثوار الإسلاميين بعد أن
تعاون معهم خلال الثورة حيث قامت الثورة الخمينية بطرد أفراد هذا الحزب
من وظائفهم في الحكومة في عام 1984 وعاملتهم كعملاء للسوفييت وتم سجن
خمسة آلاف عضو ينتمون لهذا الحزب. وفي النهاية تم إعدام العديد من هؤلاء
وخصوصا قيادات الحزب في عام 1988 في أثناء ما يعرف بفضيحة قتل السياسيين والسجناء
الإيرانيين (1988 حيث تم القتل بالآلاف وبأرقام
لا تعلم، وقد اختفى في تلك المذبحة الكثير من زعامات هذا الحزب ومن غيرهم من
الإسلاميين المعارضين لحكومة الخميني
ولعلّ
إقرار الغنوشي بالتأثر بالتجربة الإيرانية مثّل مدعاة للريبة في الصلة المفترضة
بين ما عرف في تونس باسم "رابطات حماية الثورة" وبين حركة النهضة خاصة
وأنّ التحركات العنيفة لهذه الرابطات ضد معارضي النهضة تؤشر على هذا
الارتباط فضلا عن دفاع الحركة المستميت عنها رغم ما مثلته من تهديد للمسار
الانتقالي وكذا ذهب البعض إلى اعتبارها مرادفا للحرس وللجان الثورية الإيرانيه
بمواصفات تونسية...
إن الباحث إذن في
المرجعية النظرية لبعض الممارسات التي تحسب على النهضة اليوم يظفر بجذور لها في
الكثير مما كتب راشد الغنوشي وإن كان يظفر أيضا ببعض المراجعات الفكرية فيما كتب(
وفي بعض تصريحاته وخياراته السياسية بعد حراك الرابع عشر من جانفي خاصة حول
الديمقراطية والحريات ومدنية الدولة...) فهل ينبئ ذلك ببداية تغيّر في البنية
العميقة لفكره ومشروعه أم أنّ ذلك يندرج ضمن باب المناورة السياسية ودهاء الانحناء
زمن العاصفة مع العمل على إطلاق الجذور حدّ "التّمكين" وازدواجية الخطاب
التي وسم بها "فرج فودة" الخطاب الإخواني منذ القرن الماضي؟؟؟






Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire