mercredi 5 février 2014

هل يصون الفصل السادس من الدّستور ضمائر المفكّرين والمبدعين من أهل الحِسبة ومحاكم التّفتيش؟




الغاضبون من "حرية الضّمير" يرتدون أقنعة محاكم التّفتيش...يطلبون محاصرة الشّاعر فالكلمة سحر وغواية...وهم يرتجون مطاردة الفكرة لأنّ السؤال والنّقد ضلال...
الغاضبون من حرية الضمير يشيدون للجهل معابد ويتولّون سِدَانتها وحين يعوزهم تذوّق فتنة القصيدة, حين يعجزون عن الارتقاء إلى جلال الفلسفة يتّهمون المفكّر والشاعر بال"هرطقة" ليسوقوه إلى المحرقة قربانا
"أهل الحِسبة" أرغوا أزبدوا حين لم يهبهم الدستور سلطان التّكفير ...
هل كانوا يرتجون تضمين دستور الجمهورية الثانية  هذا الجزء من رسالة الوزير ضياء الدين بن الأثير(القرن الثالث للهجرة) إلى من عيّنه قاضيا محتسبا  
   "...فابدأ أولا في النظر في العقائد واهد فيها إلى سبيل الفِرقة النّاجية..فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله ولاتقبل منه صرفا ولاعدلا، وليكن قتله على رؤوس الأشهاد، مابين حاضر وباد .. وماتجده من كتبها- الفلسفة - التي هي سموم ناقعة... فاستأصل شأفتها بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق، ولايقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها ، والكشف عن مكامن أسرارها، فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا "؟
هل يحتاج العرب من المحيط إلى الخليج فصلا في دساتيرهم -إن وجدت لديهم دساتير- شبيها بالفصل السادس من دستورنا الجديد يحمي الأدباء والفلاسفة والمفكّرين  من "ثقافة اغتيال التّفكير والإبداع"
 الثقافة التي زادت استشراء وراجت سوقها في ربيع "النّصرة وداعش وأنصار الشريعة..."
كم من الشعراء والأدباء سيُتّهمون بالكفر والزّندقة وسيُلاحقون كما تمّت ملاحقة استعارات محمود درويش في نصّه "أنا يوسف يا أبي" أو نجيب محفوظ في روايته "أولاد حارتنا"؟
وكم من الفلاسفة والمفكّرين سيشرّدون وسيُقضَى بتفريقهم عن زوجاتهم كما شرِّد "نصر حامد أبوزيد"
لا لشيء إلاّ لأنّه كما يقول فيه الأديب "يوسف القعيد" "كان من أصحاب الأسئلة الكبرى والشائكة في القضايا الإسلامية..." ؟
وكم من الكتّاب سيُغتالون كما اغتيل "فرج فودة"  لأنّ مفتي الجماعة أهدر دمه ليعترف من اغتاله بأنّه كان حارسا وفيّا لمعابد الجهل أفلم يقل أحد قاتليه  "عبد الشافي رمضان" ،  أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى الدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية بقتل المرتدّ في عام 1986. فلما سئل من أي كتبه عرف أنه مرتدّ، أجاب بأنه لا يقرأ ولا يكتب؟
كم من المنافي ستنتظر أهل الفكر والإبداع وغيرهم ؟ كم من المحارق ستُعدّ لهم ؟ كم من الدّماء ستُهدَر ؟
لأنّ محاكم التّفتيش لم تظفر ببذور الإيمان في أعماق ضمائرهم أو لأنّ أهل الحِسبة ألقوا القبض على
سؤال أو استعارة شعريّة  تدنّس سلطانهم المقدّس  وماهم -فيما يتوهّمون- غير ظِلال الله في الأرض  
فهل تُغيّر الدّساتير أوهامهم التي تصادر حرية الفنّ و تغتال المبدعين ,أوهامهم التي تشرّد الفلسفة وتقيم الحدود على المفكّرين؟
الحقيقة أنّ الدّساتير "لا تغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم"
فثقافة قتل الإنسان التي تصدّرها صحارى الانحطاط وممالك الاستبداد بسطوة البترودولار  ونفوذ امبراطوريات إعلامها  الفضائي  عبر فتاوى تكفير كلّ تفكير حتى لا يتهدّد العقل  وحدانيّة العرش الأميري بالتصدّع تحت ضربات الفكر المتمرّد والحلم المارق. هذه الثقافة تجد لها صدى في الوعي المقفر      
الذي حُفِظ على مدى عقود في زنازين الخوف والتّجهيل...
فلا يسعدنّ المبدع ولا الفيلسوف كثيرا بالفصل السادس من الدستور إذ بينهما وبين انعتاق الضمير من   
  قيود "أهل الحِسبة" أزمنة تنوير وتحديث لم تحلّ بمرابع العقول بعد
أهل الحِسبة تسلّلوا إلى أعماق أنفس الكثير من التونسيين لينطقوا نيابة عنهم- وإن لم يشعروا- ولذا لا يمكن أن ننتظر من الفصل السادس في الدستور أن يغيّر -في الآن- الخطابات و السلوكات  التكفيريّة لا للجماعات الوهابية فحسب أو من ارتبطت مصالحهم السياسية بهم أو اقتربوا منهم أيديولوجيا  -فقط- بل لعامّة الناس وبعض من يدّعون أنّهم من النخبة المثقّفة أيضا        

ولا غرو إن كان الأمر كذلك أن ترى كثرا يواصلون ارتداء أقنعة محاكم التفتيش لينقّبوا في الضمائر وليدعوا إلى إعداد المحارق لمن أفتى الشيوخ الكهنة بأنّ فكرهم هرطقة وأنّ إبداعهم زندقة...

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire