lundi 24 juin 2013

“الحلقة السابعة” : مذكرات ضابط عسكريّ عن أحداث 14 جانفي





           أسْرارُ الفوْضَى : الخُبز وقُصور الطرابلسية   

  

 ننقل لقرائنا تفاصيل حقيقية وموثقة وردت على لسان ضابط عسكري, هي شهادة تاريخية من وجهة نظرضابط خانته المؤسسة العسكرية وغدرت به القيادة… يروي فيها بعض أسرار الأحداث الغامضة في الثورة … و دور أولئك الجنود والضباط في الذود عن حرمة الوطن … وما قامت به القاعدة العسكرية بالعوينة في حسم الصراع, في لحظة فارقة بين الاستبداد وبين الحرية .

“…في الحلقة السابعة, حدثتكم في ما حدثتكم عن يوم 17 من شهر جانفي, وما كان من خبر فؤاد المبزع , وعودة السرياطي إلى الله تائبا…”


  الحق والحق أقُول :  أحيانا ترى رجالاً في قوَام الرُّجولة, غير أنه قوام خُلَّبٌ, نفاقٌ وكذبٌ وبُهتانٌ, رجال تراهم وقت المصائب في خَتَل وخوف, الجُبن يسكنهم, والضّعف يأسرهم… كانوا في ما مضى يرهبون صورة “بن علي” وهي معلقة في الجدران, كانوا يتوهّمون أنّ تلك الصورة تراقبهم… بعضهم كانت أُمنية أمَانيه أن يتقرّب إلى حاشية حَاشية الرئيس, بل يشكر الله مرّات ومرّات, إذا ساقته الأقدار إلى خادم من خُدّام أحد أفراد عائلة الطرابلسي.



 وهذا الرّجل القابع في زنزانته هذا الجنرال علي السرياطي… ألم يكن الناس يتودّدون إليه كمثل قطعان الغنم تهفو لراعيها ؟…ذلك القطيع من الغنم صار قطيعا من السباع… كم من أشباه الرجال توسّط بالجنرال الأسير كيْ يُصيب عملاً لابنه, أو أن يصيب مالا أو قرضا أو ترقية… كم من أشباه الرجال اسْتقَوى به ضدّ خصومه… أحيانا, يكفي أن تتعرف إلى أحد المُتنفّذين من العائلة الحاكمة حتى تُفتح لك أبواب الرزق… أين مصَّاصُو الدماء… المجرمون الحقيقيون , أولئك الذين أثْروا واغْتَنوْا بفضل قربهم من العائلة الحاكمة.

  ونحن العسكر نئنُّ الساعة بثقْل الجهاد لأجلك, يا وطن. ثم يأتي من بعدنا أشباه الرجال… يصرخون عاليا… بملء أفواههم… يطالبون, ويحقّقون, ويناضلون … ألاَ تعْسًا لعالم بائس.

  في يوم 17 من شهر جانفي وما تلاهُ, كان الناس في فرح واحتفال لذهاب الحاكم السابق, كان احتفاء بالحرية حين تُعاودك أحلام الحرية, ورأيتَ في الناس أنفاسا أخرى تَعْبق بالوَجْد والمحبّة والإلْف… الجميع اصْطفَّ ضد نظام طغَى فبَغى. كانت حريّة مُجْتبَاة من الخالق الغائب في ملكوته… كان فرحا أسطوريا هُلاميًّا وَحّد كل التونسيين, وكنت أنا أحد هؤلاء التونسيين.



في ثكنة العوينة, تواصل العمل ليل نهار … هذه القاعدة التي تتربّع في بوّابة تونس, لم تكن لوحدها … لقد ساهمت معها كل الثكنات والوحدات المحيطة بالعاصمة, بل إن كثيرا من الفرق العسكرية كانت قد استُدعيت وقتها لتعزيز الوجود العسكري داخل الحاضرة.

  حين احتلت فرنسا تونس, ابتنت لها ثكنات عسكرية في كل المدن خاصة العاصمة… غير أن سياسة دولة الاستقلال, قد اتجهت إلى إخراج كل المظاهر العسكرية من المدن التونسية, واستفحل الأمر مع دولة بن علي, فصارت المدن عارية تماما, وبلا حماية, على اعتبار أن سياسة الدولة في الأمن القومي كانت لا ترى فائدة من الانتشار العسكري في المراكز الحضرية, وهذا في رأيي خاطئ.

  تأكدت وجهة النظر هذه في أحداث 14 جانفي, لقد سَقطت هذه النظرية في الأمن الاستراتيجي… وحين اسْتُنْزفت قُدرات وحدات الشرطة والحرس الوطنيين, وانهارت سيطرتهما الميدانية, بدا الأمر عسيرا جدًّا على الجيش… ولولا حسن تدبير القيادة, وتفاني الجنود والضباط, ولولا التحام المواطنين مع القوات العسكرية … لما استطاع هذا الوطن  أن يجتاز محنته بسلام.



لقد كانت بعض الولايات خالية تماما من أيّة ثكنة عسكرية… تخيّلوا أن ولاية من ولايات البلاد ليس فيها قاعدة عسكرية واحدة… هذه حقيقة … والعاصمة نفسها تراجع فيها الحضور العسكري وافتُكّت من الجيش عديد القواعد, بل إن ثكنة تاريخية كتلك التي توجد في قلب مدينة سوسة, قد سُويّت بالأرض وحوّلوها إلى مشروع عقاري… وأنا في هذا المقام إنما أُبدي رأيي كمواطن تونسي في ما يقتضيه شأن الوطن.

  في غمرة النصر المبين, كُلفت بمهمة تفقد للتشكيلات العسكرية التي تتبع القطاع الثاني… وانطلقت بسيارة “الهامر” أمريكية الصنع… بلغتُ جهة قمرت . كان العسكر في نخوة واعتزاز, يتبادلون المعطيات والمعلومات. وكانوا جميعا منقطعين عن أُسَرهم منذ أيام خَلتْ… سوى من المكالمات الهاتفية … ولْيفهم كل العالم أن أولئك الجند بقَوا مرابطين في الثغور زمنا  يحمون الناس وأهاليهم في بَعَاد.



وبَيْنَا أنا أجُول في عملية التفقد, وردت إليّ أوامر بتغيير وجهتي وأن أسير في اتجاه أحد مراكز الأمن بالمرسى… في دقائق كنت هناك … نزلت من “الهامر” وسلاحي في يدي ونزل مساعدي معي, سرتُ في اتجاه الباب , وحين أطلَلْتُ والخوذة على رأسي… انتفض شخص في كرسيه. كان شرطيا بزي مدني, خاطبته :” ماذا الذي دهَاك ؟؟؟”

  رفع يديه إلى أعلى كأنَّ به مَسًّا … قلت له :” أنا جئت لمساعدتكم.”

نظر إليّ شَزَرًا وقال :” أخذتني سنَةٌ من نوم, وحين فتحت عيني رأيت عسكريا بسلاحه, بصراحة حالة الطوارئ وانتشار الجيش حالة مرعبة… يكفي أن ترفض التوقف كي يطلق عليك الرصاص, أمّا إذا كنت مسلحا فإنك تخضع لعملية تفقّد وتثبّت, حتى إن كنت من رجال الأمن.”

  كان أعوان الأمن يعانون من رفض المواطنين للتعامل معهم, بل كانوا أحيانا ضحايا حقيقيين للجان حماية الأحياء… لذلك طالبوا بأن ترافقهم تشكيلات عسكرية لأجل حمايتهم من المواطنين … وكان ذلك كذلك.



 قد جئتهم أنا ومن معي من أجل مرافقتهم. وكانت البلاد في حاجة أكيدة إلى عودة الوحدات الأمنية… ذلك يتطلب وقتا طويلا, لأن الإشكال قائم حقيقة في ذاكرة الناس, لقد ارتبط الحضور الأمني طويلا بسياسة النظام القديم, كان الأمن وقتها عنوانا بارزا للقمع الذي يسلطه النظام على رقاب الناس. وكان الأمن اليد الطُّولى لبن علي في ترهيب العامة وتخويف الخاصة… وأن يعود الأمن إلى الوطن, أن يعود إلى حياض شعبه… هذا يستدعي وقتا من أجل إعادة بناء الثقة.

  وكنت قد رافقت مرات عديدة سيارات الشرطة أو الحرس من أجل تنفيذ مهامها. وكانت فئة من الناس, من سَقْط القوم, تأْبى عودة الأمن إلى الشوارع… البعض كان يقتات من الفوضى… فحين يغيب الأمن يخرج اللصوص والمجرمون وأهل الفتوة من الرجال وأشباه الرجال… إنهم يرغبون في تعويض قوّة الدولة الغائبة بقوة الأفراد المارقين, غير أنهم أفراد بلا قيم ولا أخلاق.

  في تلك الأيام الأولى للفوضى, طلب أحد مراكز الأمن بجهة سكرة تعزيزا…جَمْع من رعاع القوم وسَفَلتهم في خصام وشجار… انطلقتُ إليهم مع الوحدات الأمنية المرافقة. وكانوا يتجمعون قرب السّياج الخلفي لمطار تونس قرطاج الدولي… تقدمت إليهم وكانوا بعد الخصام قد اتخذوا لهم وليمةَ شواء, وأقاموا مجلسا للخمرة يضج فيه العقلان هنالك عقل.

  وقف زعيمهم, وكان طويل القامة, ضخم البدن, ذا بطن مُهْترئ وهَامَة مُعقَّفَة. وكان دميم الخلقة, أشْعث, أغْبر… تكلم, ويا ليته ما تكلم. فقال :” أنا الجنرال هنا… وأنتم الجنود تحت إمْرتي… وإن كنتم تنتظرون أمري. فها أنا آمركم بالسجود لسيدكم الذي هو أنا, يا هَنَاهْ, أنا ربُّكم الأعلى.”

  تقدم إليه أفراد الشرطة, فاسْتَعْصَى, ثم اسْتَلّ من ثيابه سيفا أهْوَج مثله, وصاحَ فَعَلاَ كأنَّه رعْدٌ مَارقٌ… تراجع من معه في حذر… وارتمى عليه شرطيّ شجاع, فأمسك بقبْضة السيف بكلْتَا يديه, ضربته بأسفل قدمي في أسفل قدمه, فَهَوَى مثل قَشّ أخذه ريحٌ… ذلك الجسم الضّخم يجْثُو على بطنه وهو يعْوي عُواء جَرْو مَكْلوم… أوْقفْناه, وقيّدناه, وانتهى أمْرُه… وكان في ما يروي الناس. مجرما خطيرا قضَى سنين عددا في السجن. وتمكّن من الفرار مع الفوضى. ثم أقام إمَارَةً يحكمها اللصوص وقطّاع الطُّرق. وقد ذهب في ظنه أن الدولة قد صارت خرَابَة.

  بقيت وقتا طويلا في قاعدة العوينة, أيام عدة لا أكاد أحصيها… لم أزر عائلتي ولم أَرَ أبنائي, رغم أنني أقطن بالعاصمة. فالوضع لم يكن يسمح بالراحة … لقد كانت حالة الطوارئ في أعلى درجاتها, وتعداد العسكر بالكَاد أن يغطي كامل تراب البلاد.. لقد بقيت بعض الجهات بتعداد صغير لأن التوزيع أعطى أولوية للأماكن الإستراتيجية في الميدان.

  طلبت من الآمر في القيادة رخصة سريعة لبضع ساعات, فأخبرني أن الوضع لا يسمح, غير أنه بإمكاني أن أزور عائلتي وأعود في التوّ. انطلقت حثيثًا إلى بيتي وكان بالضاحية الغربية للعاصمة تونس… بلغتُ داري فاستقبلني أبنائي رجلا كألف رجل… بل إنني رأيت في الناس إكبارا للزيّ العسكري لم أره من قبل… وكنت قد توقفتُ عند مخبزة لأشتري نصيبا من الخبز, وكان الناس يصطفون في صفوف متراصة انتظارا للخبز… هذه حقيقة لقد وقعت أزمة في التموين لأن الطرق كانت مقطوعة والقوم في خوف وخشية… وقد وقعت عمليات نهب للشاحنات وهي تحمل بضائعها في مختلف المدن والقرى…

  وقفت في آخرة الصف, انتظر دوري في شراء الخبز مثل كل الناس, وكنت أرتدي بزّتي العسكرية… تَنَادى القوم:” أيها الضابط تقدم إلى الأمام… خَلُّوا بينه والخبّاز… هذا مكاني خذه لك”…

  صاح الآخر:” أنا أشتري لك الخبز.”

  أجابه شخص لا أعرفه :” كم تريد من الخبز.”

  :” العسكر قبلنا, نعم العسكر قبلنا, حماة الديار, أبطالنا.”



كان موقفا محرجا, بيْد أنّه قد مَلَأك شرفا كإنسان, فاضت النفس مني  نخوة وعزّة… إنني أنتمي إلى هذه المؤسسة التي هُمّشت دهرا, إلا أنها في لحظة تاريخية أعادت الوطن إلى الوطن… قد دفعني القوم إلى مقدمة الصفوف فاقتنيتُ الخبز … ولم يكن شراء الخبز حدثا لأنه بلا معنى… غير أن ما حدث وقتها يُغْنيك في رمزيته النفسية, لضابط كان طرفا في معركة حامية دامت أياما ثلاثة انتصر فيها الحق وزُهق فيها الباطل… يا فيْض الحق قد فاضَ الحق.

  بقيتُ ساعة في داري… ثم عاودتُ السير إلى القاعدة العسكرية بالعوينة… هناك كلّفني الآمر بالخروج إلى أماكن محدّدة من جهة قرطاج وقمرت… كانت قصور عائلة الطرابلسي قد نُهبت في اليوم الأخير لهروب الرئيس… وكلفتُ أنا بالتعرّف إلى تلك القصور وتحديد أماكنها .

  توجهتُ وفق معطيات سابقة, كان قصر “عماد الطرابلسي” بضاحية قمرت قد أُحرق بالكامل, وكان الناس قد نَهبوا كل شيء, بل وجدتُ أطفالا صغارا وشبابا وشيوخا لا زالوا بصدد قلع الرخام والحديد والخشب… في صدْق, لقد محقُوه مَحْقا مثل غيْمة من الجراد إذا حطت بأرض فهُو الخراب… كانت آية من آيات الغيب… وعجيبةً من عجائب الزمن أن ترى الفرعون يسقط من هرَمه.

  مثل ذلك الحال, أصاب قصور بلحسن ومراد وفلان وفلان من عائلة الطرابلسي… وكذلك شان سليم شيبوب وصخر الماطري وبعض عائلة بن علي… والأغرب من ذلك أنك حين تُعاين ما حدث, تراه قد وقع في زمن واحد فيأخذك يقينٌ أن العمل كان مُنظّما ومُدبّرا… هذا ما دوّنته أنا في تقريري .

  فمهاجمة كل تلك المنازل, دفعة واحدة, في فترة زمنية متقاربة بطريقة متاشبهة, سرقةٌ ونهبٌ فحرقٌ… انتهى بي إلى استنتاج راسخ لا يطَاله شكٌّ, من أنه عمل مدبّر ومنظم بدقة… لقد رأيته فعلا من أفعال المافيا أو العصابات المنظمة في السلب والنهب… صحيح أن ردود أفعال الجماهير لا يمكن تقديرها أو السيطرة عليها… وأن الناس كانوا في غُمّة وغُصَّة من أفاعيل العائلة المالكة… وأن رغبة جامحة في الانتقام وفي القصاص قد دفعت العامة إلى حرق القصور.

  هذا كله صحيح, لكنني قَدّرت أن عصابة منظمة قد نهبت الأموال والذّهب, وما غَلاَ ثمنه وخَفّ حمله, وتركت ما أكل السَّبُعُ  كي تأكله النار, أو يحمله النهّابون والطمّاعون…

  أين أولئك الخدم والحشَم الذين يخدمون الطرابلسية ؟

  أين حرّاسهم وزبانيَتُهم ؟  لقد اختفوا تماما …. ذابُوا في نسيج المدينة كملْح أَذَابَهُ ماء… وأنا أُقدّر أن منهم من سَرق أموالا طائلة, وذهبا ومجوهرات هي في الأصل ملك للشعب المقهور.



وحين عدتُ, أخبرت آمر القاعدة بعجيب ما رأيت… قصور وفخامة وحدائق انتهت إلى دمار وخرائب… أخبرتهم أنني الآن قد راجعت دروس التاريخ التي درسناها في الكتب والمدارس … حين أحرق الرومان قرطاج, وحين احرق المغول بغداد… تذكرتُ ما دوَّنه “أحمد بن أبي الضياف” في كتاب الإتحاف, في خبر الوزير “يوسف صاحب الطابع” بعد أن خُلع عن الوزارة… قُتل شر قَتْلة,ثم أُلقي شلْوًا إلى العامة, فقطّعُوه إرَبًا في مدينة تونس العتيقة…

  كان الحرق والقتل هو مصير المهزوم في تاريخ الحروب… بل كان فعلُ التّدمير صَنيعة من صنائع الإنسان بأخيه الإنسان, حين يسافر ابن آدم في رحلة الثأر… إنها لحظة حيوانية تُفارق الإنسانية والأخلاق والقيم…

إنه عالم عجيبٌ , هو عالم غريب…

  وفي الثكنة كنا نسمع أحيانا تلك الخصومات الشديدة التي تنشأ بين أفراد عائلة الرئيس وهم في معتقلهم… كانوا في ذلك شقين, جماعة الطرابلسي جماعة بن علي, وكانت الكراهية شديدة بينهما, والحقد دفينا… سباب وصياح وشجار أحيانا, ولقد اعتبرت عائلة الرئيس أن السّبب في سقوط النظام إنما مرجعه إلى تغوّل جماعة الطرابلسي.

  أما بقية الموقوفين من كبار مسؤولي الدولة, فكان حالهم سيّئا كيف ما قلَّبتها, وقد عاد أغلبهم إلى الله يشكو إليه قلّة حاله, وهوَانَه على الناس… فَلَهَج البعض بآي القرآن … وسَجد آخرون إلى ربهم فأطَالُوا السُّجود… وسبَّح البقية آناء الليل وأطراف النهار عسى أن يُذْهب الله عنهم كُرْبتَهم.

 ولقد رأيتهم في زياراتهم, قفافٌ وقفافٌ ومآكل ومشَارب… وكانت علامات الثراء الفاحش باديَةً في سياراتهم وملابسهم… كانوا قد استفادوا طويلا من النظام السابق, بل إن النظام قد حكم الناس بسلطانهم.

                                إلى اللقاء في “الحلقة التاسعة

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire