ننقل
لقرائنا تفاصيل حقيقية وموثقة وردت على لسان ضابط عسكري, هي شهادة
تاريخية من وجهة نظر ضابط خانته المؤسسة العسكرية وغدرت به القيادة…
يروي فيها بعض أسرار الأحداث الغامضة في الثورة … و دور أولئك الجنود والضباط في
الذود عن حرمة الوطن … وما قامت به القاعدة العسكرية بالعوينة في حسم الصراع, في
لحظة فارقة بين الاستبداد وبين الحرية .
“…في
الحلقة السادسة, حدثتكم في ما حدثتكم عن فجر 16 من شهر جانفي, وواقعة قبة قصر
المعارض, ومقتل ثمانية عناصر من القناصة… بقي هذا الحادث احد لغزا مبهما أو سرا من
أسرار الدولة…”
الحق والحق أقُول :
طلع الصباح, تناقلت الفضائيات أخبار المواجهات
المسلحة التي تدُور قرب القصر الرئاسي غير أنها كانت أخبارا غير دقيقة… ورأيتَ
الناس يتهامسُون ويتبادلون الأخبار والحكايات…. إنها معركة دامية… المروحية تدخلت
مرات … قصَفت المكان… لقد قُضي على القنّاصة… الجيش كان صارما وثابتا في حماية
الوطن ….
أما أنا فقد كنت في الثكنة ألتقط الأخبار من زملائي
الذين عادوا من مكان الواقعة… الجميع في نخوة واعتزاز… بعضهم كان غاضبا لأنهم
مُنعوا من تنفيذ عملية الاقتحام لمبنى قصر المعارض.
وقد أبلغني الخلُّ الودُود في غضب:” حاصرناهم منذ
صباح 15 جانفي… مَنعنا عنهم الإمداد … أفشلنا عمليات التسلل أو الهرب… لم نَنَم
لليلتين…عرّضنا أنفسنا للموت… قاتلناهم ببسالة وذكاء وحذَر… وحين قضَيْنا على
القناصة… وأشْرفنا عليهم… جاء غيرُنا فمَحَا كل شيء.”
تلك هي الحروب, ينفذّها الأبطال في الميدان صَوْلات وجَوْلات وحماسةٌ… يموت مقاتلون… ويُسجن محاربون… ويُذبح الأبطال الشجعان بَعْدئذ كالخرْفان… قَرَابين قرَابين… ثمّ يَعْقلُها الدّاهية بن الدَّاهية.
هَلَّ صباح يوم 16 من شهر جانفي لسنة 2013 , كانت معنويّات العسكر في
أوْجها, فالجميع يُمجّد صنيع العسكر في حفظ الوطن, وحماية البلاد والعباد. هذا
الجيش الذي صمت دهرًا, وحين آنَ له أن يتكلم, نطق حقًّا… هذا العسكر المنضبط قد
اتّخذ موقفا تاريخيا, تخلّى عن قائد القوات المسلحة لأنه طَغَى وبَغَى… هذه ليست خيانة…
لأنها انتصار للوطن وللشعب… كنّا جميعا في حالة انتشاء بهذا النصر المبين… انتهى
حكم الطرابلسية… سقطوا إلى غير رجعة.
وكانت عائلة الطرابلسي وبعضٌ من عائلة “بن علي” قد
جُمعوا داخل بناية وسط ثكنة العوينة. كانت ظروف إقامتهم عادية بالمقارنة مع السجون
المدنية… ولم يكن المكان مُهَيّئًا لمثل ذلك الحدث… لكنّ الاحتياطات الأمنية فرضت
على القيادة أن تتّخذ إجراءات وقائية لمنع أيّة محاولة للفرار … فتمَّ إغلاق نوافذ
تلك البناية وسدّها بالآجر والإسمنت, وتركت فيها منافذ صغيرة للتهوئة وحسب.
كان أفراد العائلة المالكة في صدمة, كأنهم في حلم…
أفاقوا من غفوتهم. فإذا هم ضعاف أذلّة… وطمع فيهم من كان لا يَدْفع عن نفسه. وكان
مكان احتجازهم في مَنَعة, حتى إذا ما شاع في شبكات التواصل الاجتماعي يومئذ أن
“عماد الطرابلسي” قد فرَّ من القاعدة العسكرية بالعوينة… رأيتَ القيادة تأذن
بإفراده في مكان خفيّ داخل الثكنة… الجَانُّ وأغوال الأساطير, ما كان لها أن
تساعده فتُنجيه مما هو فيه من كرْب عظيم.
أُنزل “عماد” إلى سجن انفرادي نظرا لخطورته في نظام الحكم البائد, كان
شخصا خطيرا فعلا, وله شبكة معقدة من العلاقات في كامل أرجاء تونس وخارجها… وكان في
الأيام الأولى متمرّدا, ولم يبلغ منه اليأْس إلا بعد أشهر… كان يخاطب حراسه من
العسكريين :” أنا فعلتُ وفعلت… ظلمت أناسا… غير أن حاشيتي استفادت منّي… قومٌ من
المنافقين والمتزلّفين أثْرَوْا, وأصابوا أموالا بلا عَدّ… واتّخذوا لهم قصورا
باسمي أنا… أين أولئك المرتزقة الذين تمسَّحوا تحت أقدامي, ولَعَقُوا بألسنتهم
غُبار الطريق الذي كنت أسير فيه.”
كان حراسه قد أُمروا بتجنّب الحوار معه أصلا, وكان
يوم إيقافه في ثكنة العوينة يوما مشهودا… كان غرًّا . حينها هدّد الضباط العسكريين
الذين أحاطوا به… وكانوا قد عاملوه بإحسان واحترام… طلب حينها أن يتصل بمعارفه في
ايطاليا, عسى أن يجدوا له سبيلا للنجاة… وكان القوم من حوله يعلمون أن خروجه من
الثكنة مُحال مُحال… كان رمزا للفساد والظلم والنّهب.
يوم 16 من شهر جانفي, استقرّ الأمر على أن يتولى
“فؤاد المبزع” باعتباره رئيس مجلس النواب زمن “بن علي”, رئاسة البلاد وفق ما ينُصّ
عليه الدستور التونسي, حينها جاء الأمر من القيادة العليا بأن تُخصّص تشكيلة من
القوات الخاصة لتتولىّ حراسة الرئيس الجديد عن قُرب.
لقد كان “فؤاد المبزع” في الأيام الأولى, في خوف
شديد, لم يصدّق بعدُ أنه يخلُف الرئيس السابق, فامتنع عن دخول قصر قرطاج, بل إنه
قد رفض أن يحرسه أعوان الأمن الرئاسي لأنه لم يكن يثق بهم… وقد تفاجأ أفراد القوات
الخاصة بالهلَع الذي ينتاب فؤاد المبزع… ظلّ مقيما في منزله قرب القصر الرئاسي,
وكان يستشير أعوان حراسته إن كان بإمكانه أن يزور أقاربه مثلا … ولا نعلم لما كان
في رَهْبة من أعوان القصر سوى أنه طلب من القيادة أن لا يقترب منه أحد من الأمن
الرئاسي لذلك ظل طوال فترة رئاسته محاطا بحراسة عسكرية …
بدأت الأحوال تهدأ في العاصمة, غير أن حالة من
الانفلات الأمني قد عمّت المدن والقرى في الداخل التونسي, وكان انهيار المنظومة
السجنية أحد أسباب تلك الفوضى… ورغم كل ما تعرضت له المؤسسة العسكرية من تهميش
وإقصاء إلا أنها تحملت أعباء المرحلة على عُسرها.
كنتَ ترى الجنود وضباط الصف والضباط, كلّهم في
حماسة وجَهْد… الجميع يتحرك داخل الثكنة, جيئةً وذهابا, غدوًّا ورَواحًا… المكاتب تشتغل
ليلَ نهارَ, هي أشبه بخليّة نحل… وكانت قاعدة العوينة قطبَ الرَّحى في ذلك التحوّل
الخطير وفي إدارة الأزمة… لقد ابتناها المستعمر الفرنسي في تُربة سَبخَة, تحيط بها
المياه في أرض سهلة منخفضة… وجعلوا فيها مطارا منذ الثلاثينيات من القرن الماضي…
كانت تلك الثكنة العسكرية بوابة تونس. وقُدّر لها أن تقول القوْل الفصْل في تلك
الأزمة… ولا ينكر إلا جاحدٌ, ما قامت به المؤسسة العسكرية حين انهارت الدولة… وكان
ابتهاج عموم التونسيين بصرامة العسكر هو الذي دفع الجند إلى أن يعملوا بالليل
والنهار رغم التعب وقلة الإمكانيات.
لقد هدأت جهة الكرم بالكامل بعد معركة قصر المعارض,
أصبح الناس في أمان, ورأيتَ أهل النّهب والسّلب وفلول الطرابلسية, في جحورهم إلى
وقت كان معلوما… قد كشَّر أسد الغاب عن أنيابه وهو يبتسمُ … هذا الجيش أطلق
مخالبه, وفَغَر فَاهُ مُسْتَأْسدًا, لأجل وطن قد كَبَى فتَعثَّر فثَنَى الرّكاب…
كل الناس تُهلّل للعسكر… أصبح الجيش مفخرة البلاد… وكانت تلك العمليات التي دارت
في الضواحي القريبة من القصر حاسمة في دلالاتها العميقة… وانعكس ذلك على سلوكيات
الناس في الأحياء… الشعب آمن بفضل قوة الجيش… السرّاق واللصوص والمغامرون, جميعهم
صار محترسا من إرادة القوة التي أبداها العسكر… إنه ليس جيشا من جيوش أمريكا
اللاتينية, طامحا إلى حكم البلاد تحت وقع أقدام الجند… وليس هو جيشا من جيوش بلدان
افريقيا السوداء يحكمها ضابط طامح للملك… إنه جيش نظامي متمدّن وكفىَ.
في ذلك اليوم قدم عدد كبير من القضاة العسكريين,
واتّخذوا لهم مكاتب خاصة, وشرعوا في تحرير محاضر ضدّ الموقوفين والمخالفين… كان
عملا سريعا ومُضنيا للجميع خاصة وأن أعداد الموقوفين كان بالمئات… كنت أجُول بينهم
أتفقد أحوالهم… ناداني أحدهم بلقبي العائلي :” يا فلان.”
التفت إلى مصدر الصوت, تأمّلته, لا أعرفه, فاقتربت
منه:” من أنت”.
فقال :” أنا صالح من حيّ كذا… أعرف إخوتك وعائلتك…
أنا ضابط أمن… أرجوك أن تساعدني … زوجتي وأبنائي في هَلَع, إنهم لا
يعرفون مكاني.”
سألته :” لماذا أوقفوك.”
أجاب:” أنا رئيس مركز أمن بالمرناقية . أقصد بالسجن
المدني… وفي طريق عودتي إلى داري… أوقفتني دورية عسكرية … وكنت أحمل سلاحي الفردي
…أوقفوني للتثبّت باعتباري شخصا مسلحا… أنا ابن هذا الشعب.”
في التوّ طلبتُ محضر إيقافه, وعُدت إلى قاعة
العمليات المركزية بالعوينة … طلبنا قاعة العمليات بوزارة الداخلية… تأكدنا من
هويته وصحّة المعلومات التي أدلى بها… خرج المسكين إلى حريته… والتقيته بعد زمن…
احتضنني وشكر الله أن سخّرني لخدمته… كانت هنالك بعض الأخطاء, وهذا أمر طبيعي… لأن
الأزمة كانت نارا ملتهبة.
بعد الظهيرة, حضرت اجتماعا في مقرّ القيادة, خُصّص
للنظر في شأن الموقوفين من العائلة المالكة, والإجراءات اللازم اتخاذها للحيطة
والحذر, وكانت التوصيات صارمة بأن يعاملوا وفق القانون… ثم تطرّق الاجتماع إلى
إمكانية إيقاف مجموعة من الوزراء السابقين في حكومة بن علي , واحتياطيا وجب تجهيز
أماكن خاصة بهم…. وتقرر أن يُحتجزوا داخل السجن الخاص بالعسكريين, وهو مكان تأديب
وفق مجلة العقوبات والمرافعات العسكرية.
كنت أنا تابعا لفيلق الشرطة العسكرية, وكان السجن
داخل الثكنة راجعا إلينا بالنظر, أبلغوني بأنْ أختارَ بعض العسكريين من العناصر
الجيدة, والتي تكون جديرة بحفظ السر العسكري, باعتبار أن مدير الأمن الرئاسي سابقا
على السرياطي سيتم تحويله من ثكنة باب سعدون إلى ثكنة العوينة, بعد أن اصدر في
قاضي التحقيق بطاقة إيداع في السجن.
هذا الرجل كان اليد الطُولىَ لبن علي, إلاّ أنه
عسكري, لذلك دعوتُ الجنود إلى احترامه ونبّهتُ عليهم ألاّ ينادونه باسمه, بل
ينادونه بصفته :” يا جنرال” … هذه تقاليد العسكرية, أن نحترم الرُتب مهما كانت
مخالفته…
في المساء دخل رتلٌ من السيارات العسكرية… كانت
تحمل الجنرال علي السرياطي… تقدموا إليه في ثبات, نزعوا من يديه القيود وأدخلوه
الغرفة الخاصة به… كنت مع فريق من الضباط نتولى شأنه… خاطبه الآمر :” سيدي
الجنرال, هذه غرفتك, إن كنت تريد شيئا.”
كان ثابتا في وجهه صفرة, ثمّ تكلم:” أن تغيّروا
الحوض الخاص بدورة المياه, فهي غير لائقة… وأن إيتُوني بسجّاد للصلاة ومعه كتاب
قرآن.”
كان له ما طلب, وقضىّ مدة حبسه في العوينة مُتعبّدا
مُتنسّكا إلى الله… هذه حقيقة… الرجل كان مؤمنا… بل إنه أطلق اللّحية التي طالما
حارب مُرسليها من الإسلاميين…بل وكان من بين المنظرين في حرمان المساجين
الإسلاميين من حقهم في التعبد وممارسة الشعائر الدينية داخل السجون, حتى أولئك
العسكريين الذين تظهر عليهم بعض علامات الورَع, كان علي السرياطي كمدير للأمن العسكري
أو مديرا عاما للأمن الوطني يرسلهم إلى البحث والتحقيق… فإذا مسَّ
الإنسان ضُرٌّ دعا ربّهُ مُنيبًا… إنها العودة إلى الله.
ولقد أكبرت فيه صنيعا أتاهُ… حين تمَّ إيقاف بعض المسؤولين والوزراء من
شيعة “بن علي”, فرض الاكتظاظ على القيادة أن تضع في كل زنزانة موقوفين أو ثلاثة
موقوفين, بمعنى أن غرفة الاحتفاظ تسَعُ مجموعة من الأسرَّة… بيْد أن علي السرياطي
امتنع امتناعا عن قبول أيّ فرد من المسؤولين السابقين كي يشاركه السكن في الحبس,
وطالب بأن تحترم رغبته, هل هو يتطهّر من إرْث “بن علي” ؟ قد يكون … أولئك الرّفاق
قد يذكرونه بحقبة يريد أن ينساها , بل إنّه قد تمسّك لفترة طويلة برفض
قبول “القُفّة” أي تلك السلة التي يوضع فيها الطعام و ترسلها إليه عائلته, وقد
أصرّ أن يأكل من طَبيخ العسْكر ليُبْديَ تمسّكه بالإنتماء إلى الجيش الذي ترعرع
فيه.
لم أَع كيف مرّ الوقت في ذلك اليوم, فالزمان كان
قبل الثورة رتيبا ثقيلا داخل أسوار قلعة العوينة, أما الآن فصار وقتا سريعا كومضة
برق ما إن تتجلّى حتى تفْنى… كان زمنا فيه لذةٌ وسعادةٌ وامْتلاءٌ… فالجند يخدمون
وطنهم بجهدهم وعرقهم وكدّهم, يتحوّل الضَّنى إلى قوة تتجدّد في السّواعد, إلى عزم
يأخذ الرجال حيث يجب أن يكون الرجال… أن تكون رجلا فيك تفيضُ الرجولة, هو أن تحمل
في جَنبات النفس قيم المُروءة والإباء والصدق والعدل.
أحيانا ترى رجالاً في قوَام الرُّجولة, غير أنه
قوام خُلَّبٌ, نفاقٌ وكذبٌ وبُهتانٌ, رجال تراهم وقت المصائب في خَتَل وخوف,
الجُبن يسكنهم, والضّعف يأسرهم… كانوا في ما مضى يرهبون صورة “بن علي” وهي معلقة
في الجدران, كانوا يتوهّمون أنّ تلك الصورة تراقبهم… بعضهم كانت أُمنية أمَانيه أن
يتقرّب إلى حاشية حَاشية الرئيس, بل يشكر الله مرّات ومرّات, إذا ساقته الأقدار
إلى خادم من خُدّام أحد أفراد عائلة الطرابلسي.
وهذا الرّجل القابع في زنزانته هذا الجنرال… ألم
يكن الناس يتودّدون إليه كمثل قطعان الغنم تهفو لراعيها ؟…ذلك القطيع من الغنم صار
قطيعا من السباع… كم من أشباه الرجال توسّط بالجنرال الأسير كيْ يُصيب عملاً
لابنه, أو أن يصيب مالا أو قرضا أو ترقية… كم من أشباه الرجال اسْتقَوى به ضدّ
خصومه… أحيانا, يكفي أن تتعرف إلى أحد المُتنفّذين من العائلة الحاكمة حتى تُفتح
لك أبواب الرزق… أين مصَّاصُو الدماء… المجرمون الحقيقيون , أولئك الذين أثْروا
واغْتَنوْا بفضل قربهم من العائلة الحاكمة.
ونحن العسكر نئنُّ الساعة بثقْل الجهاد لأجلك يا
الوطن, ثم يأتي من بعدنا أشباه الرجال… يصرخون عاليا… بملء أفواههم… يطابلون,
ويحقّقون, ويناضلون … ألاَ تعْسًا لعالم بائس.
إلى اللقاء في “الحلقة الثامنة”





Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire