لن
أتحدّث بإسم الزّمالة لأنّ الأمر فيه من الخجل ما يوحي بإيقاظ مشاعر الحسرة والأسى
على نبل الرّسالة المناطة بعهدة مهنة ملائكة الرّحمان ... ولن أتحدّث بإسم
التّضامن مع مواطن وجد نفسه في ورطة تهدّد بسلبه مقوّمات الذّات البشريّة التي
تميّزه عن باقي مخلوقات الكون ... ولن أتحدّث بإسم الأخلاق التي تصقل مواهب
الإنسان في ثقافته وتكوينه , ولن ... ولن ... ولن ...
ولكن تأكّد بما لا يدعو للشكّ أنّ مصيبة ثورة العربان والأرياف في تونس
جعلت تحوّلات البعد الحقوقي والسياسي لأسباب إندلاعها أفقا ومفاهيم أرفع بكثير من
شعارات النّخبة التي بقيت منفصمة عن التّأقلم مع وضع ما بعد الثورة. تتجلّى
الصّورة القاتمة فيما يحدث داخل هيكل مدني متمثّل في عمادة الأطباء التي أثبتت
أنّها ما زالت في كوكب لا يرقى إلى تطلّعات الشعب التّونسي رغم الإعاقات التي
يعاني منها هذا الهيكل خشية أن ترى عناصره وجهها في المرآة. كانت في سابق العقود
عمادة الأطباء صرحا شامخا للمُثل والأخلاق والطّهر والعفّة والقيم النّبيلة
ولكنّها تحوّلت بعد السّابع من نوفمبر المشؤوم إلى وكر للوصوليّة والإنتهازيّة
والغشّ والإنبطاحيّة والإحتيال والمضاربة والسّمسرة ... التي تُفقد الطبّ مكانته
الأخلاقيّة والإنسانيّة . تحوّلت عمادة الأطبّاء إلى قناع تختفي وراءه عصابة
"نخبويّة" تنشط عناصرها في شكل خليّة من المحتالين والسّماسرة والمجرمين
والمتهرّبين من الضرائب وتجّار الممنوعات وأفراد من شبكات تهريب ... و ... و ...
إلى درجة تخلّى عنها كلّ طبيب يحترم نفسه ويصون قدره حتّى لا تتلوّث سمعته في
محيطه بإنتمائه إلى هذا الوكر الفاسد. فلا يشارك في إنتخابات هيئة العمادة في
تونس إلاّ واحد من عشر أطباء ولا يرشّح نفسه لإدارتها إلاّ من كانت له مصلحة
شخصيّة تتجاوز العمادة التي تحوّلت إلى وكر تآمرو تنسيق للتغطية على التّجاوزات
والإنتهاكات التي تصدر عن أطراف من المافيا النخبويّة في سلك الأطبّاء وتفرّعاتهم
المصلحيّة. إنّه لمن الخجل والخزي حين تنغمس عمادة الأطبّاء في التّستّر عن
جرائم التّعذيب في مخافر البوليس وأوكار السّجون وتتخندق عناصرها في تأصيل
إنحرافات المهنة ليتحوّل الطبيب إلى متاجر في ألم المريض , ولكنّ الأغرب من هذه
الممارسات أن يتحوّل أصحاب البدلة البيضاء إلى جزء من منظومة فساد وإجرام تتباهى
بها شريحة من الأطبّاء فرضتها هياكل حزبيّة وأخرى أمنيّة لتكون في هيئة العمادة
بإنتخابات فاقدة لكلّ مشروعيّة حين يشارك فيها ما ندر من الأطبّاء الوزاكة بين
الحزب الحاكم والأمن.. فلا يوجد طبيب يحترم نفسه يخوض غمار تجربة في إدارة هذا
الوكر المتعفّن لأنه سوف يرى نفسه ينجرف نحو خنّار في غنى عنه بعد أن تحوّلت هذه
العمادة إلى جزء من منظومة فساد.
فلا يتعجّب المرء حين يرى مجلس التّأديب ينعقد يوم 20 جانفي 2012 ليعاقب
طبيبة الدكتورة كشيدة التي فصحت وندّدت بإستعمال وتركيب آلات تنظّم دقات القلب في
المستشفيات العموميّة بعد أن فاتت مدّة صلوحيّتها في إشارة إلى صفقات مشبوهة
تتزعّمها عصابات مافيوزيّة في صلب وزارة الصحة ومشاركة مع أزلامها من الخواص من
أبناء وذوي المتنفّذين في النّظام البائد. ولكنّ الغريب في الأمر أن تجد عناصر من
نقابيّة تجري نحو الموضوع حتّى ترمّم وتلملم ما يكشف المستور والمسكوت عنه وذلك في
حركة تواطئ تشير أنّ الأمر يتجاوز صفقات مشبوهة إلى إجرام في حق الشعب والوطن يجعل
من مصداقية الطبيب في التشخيص محل ريبة وشكوك في وجوبيّة تركيب مثل هذه الآلات
لمرضى لا تستوجب صحتهم مثل هذه التدخّل الطبّي في تركيز آلة تنظيم دقات القلب وهو
ما يستنزف أموال الصناديق الإجتماعيّة لفائدة جيوب المافيا المعروفة ... لذلك فقد
وجبت معاقبة هذه الطبيبة من أجل رفضها أن تكون شاهدة زور .. وأمّا المضحك المبكي
في وقاحة هيئة عمادة يتجاوز حدود العقل بعد أن تجرّأ الدكتور سامي العلاقي ونشر
على شبكة الفايس بوك إقتراحات موضوعية تساهم في تحسين أداء عمادة الأطبّاء إلاّ
أنّ عصابة "عيون لا تنام" إلتقطت المعلومة من جانبها السلبي ورأت في ذلك
مسّا من شرفها وجعلت نفسها طرفا وحكما لإدانة هذا الطبيب والزجّ به أمام هيئة مجلس
التّأديب ليكون عبرة لمن يعتبر يوم 20 جانفي 2012 .
أحرجت الحشود القادمة من مختلف مناطق البلاد هيئة حكماء العمادة التي
أجّلت التصريح بقراراتها المهزلة بعد أن وُضعت هذه العصابة في موقف لا تحسد عليه.
وللإشارة فإنّ هيئة عمادة الأطبّاء لا تنتصب في مجالس التّأديب إلاّ بعد غروب
الشّمس وفي الظلمات الحالكة لانّ خفافيش الظلام تنشط في تناغم مع قضاة المخلوع
الذين كانوا يتداولون ملفّات مقاومة الإرهاب التي تصدر فيها الأحكام الجائرة في
سواد الليل .. ليبقى السؤال مطروحا بكلّ وضوح : متى يقع تطهير عمادة الأطبّاء من
نفايات الوصوليّة التجمّعيّة وأذيال البوليس السياسي؟
لقد حان الوقت ليسترجع الطبيب مكانته وإعتباره في المجتمع التونسي بعد
الثّورة ولكن ليس بواسطة حثالة نصّبها أزلام الحزب المنحل لتمثيل قطاع وقع الزجّ
به في التّجاذبات السياسيّة . إذ لا يخفى على القاصي والدّاني شطب عمادة الأطبّاء
التونسيّين من الجمعيّة العالميّة للطب وأنّ الأطبّاء التونسيّين ما زالوا ممنوعين
من حضور النّدوات الدوليّة الطبّية لتواطئ شريحة من أنذال هذا القطاع ومشاركتهم في
جرائم التعذيب البوليسي التي عانى منها الكثير من سجناء الرّأي في حقبة نظام
المخلوع كما لا يخفى على المتابع للشّأن التونسي تورّط أطبّاء السّجون والبعض من
منتسبيه في الأمن والجيش في التّستّر على عديد إنتهاكات الذّات البشريّة في
مقوّماتها الإنسانيّة ...
فلا يوهم البعض من الأطباء أن يدّعوا الغباء بحضورهم في الخارج في
إجتماعات تنظّمها بعض مخابر الأدويّة لتنشيط لوبيات المال والأعمال مقابل تذكرة
سفر وإقامة مجانيّة لأزلام الخدمات الإنبطاحيّة ... ولا يمكن أيضا لكلّ طبيب مرّ
بهيئة عمادة الأطبّاء أن يدّعي البراءة والتّجاهل في هذا الموضوع لأنّ جميعهم
مورّطين إلى حدّ النخاع في المشاركة أو التّواطئ في الإجرام السياسي والفساد
المالي في صلب عمادة الأطباّء.. وتلك هي حكاية أخرى ... وللحديث بقيّة ...
بقلم الدكتور الصحبي العمري


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire