في الطريق إلى الحرية والكرامة هطلت دماء الشّهيد...وكان لنا ما كان من وعود بأن نظلّ لها أوفياء...لكنّا تخاذلنا وأصابنا ما أصابنا من الجبن و من وهن العزم
لماذا كنا نلوذ بالصّمت كلّما دعينا إلى تأجيل السؤال
عمّن قتل شهداءنا؟
دماء الشهداء لا تزهر بالكرامة إن هطلت إلاّ إذا كان
بيننا من يرعاها وهي حارّة طرية خضراء
غير أن دماء الشهداء تستحيل لعنة تطاردنا إن أهملناها
إلى أن تجفّ وتُنسى
فلماذا تركنا دماء الشهداء تجفّ؟
السنين
التي مرت منذ السابع عشر من ديسمبر 2010 إلى الآن كانت كفيلة بأن تُنسينا ملامح
القتلة
السنين التي مرّت ضيّعت دماء شهدائنا بين التي أستؤمن
عليها العابرون بحكمنا...
وتبدّدت الكرامة حين ضيعنا دمك "يا
شهيد"... ضللنا السبيل إلى الكرامة والحرية لأنّا لم نطلب دمك ولم نهتد به
وإليه...
وسياسات الحكومات المتعاقبة عملت على بتر أجنحة
ذاكرتنا حتّى ننسى وجه قاتلك...
مخطئ –إذن- من يخال أنّ دم الشهيد أهرق خلال المحاكمة
العسكرية التي أصدرت في أفريل 2014 أحكاما مخفّفة في حق القيادات الأمنية المتّهمة
بإصدار تعليمات لقتل المتظاهرين...
مخطئ من لم يعلم أنّ مسارالتّيه عن الكرامة وعن دم
الشهيد رُسِم منذ الرابع عشر من جانفي 2011 ...
مسار التيه بدأ قولا أصدع به من سلّمناه قياد أنفسنا
ومشروع ثورتنا ولمّا سألناه عمّن قتل الشهداء قال
"من
أمسك قنّاصا فليحضره..."
مسار التيه بدأ بالاستهزاء من ذاكرتنا التي وإن بتروا
أجنحتها فهي ما تزال لها بعض القدرة على التقاط شيء ممّا مضى , وفيما مضى رأينا
قنّاصة يُمسَكون , ويّسلّمون , فأين هم ؟
القنّاصة هم الطّلقاء...ونحن المضلّلون عن دم
الشهيد...نحن المنقادون إلى مسار التيه...
ومسار التيه استمر مع وزارة حقوق الإنسان والعدالة
الانتقالية التي استغرقت في ضبط قائمات للشهداء الحقيقيين وتمييزهم عن أولئك الذين
"انتحلوا صفة الشهيد" حتّى خلنا الشهداء مجرمين لإمعان الوزارة ومن نطق
ياسمها في إخبارنا بأنّ من بين المصابين بالرصاص لصوصا وقطّاع طرق فلا هي أسرعت في
ضبط القائمات ولا هي أنصفت الشهيد بل كان أمرها كأمر من ألقى الحجارة الكريمة في
أكداس القمامة حتى لا نبصرها ولا نطلبها...
ومسار التيه استمر مع لجنة لشهداء وجرحى الثورة كرّست
وقتا طويلا ثمينا لاجتماعات لعلّها خدمت الدعاية الحزبية والدعاية الشخصية
لأعضائها أكثر مما وفّرت من الوقت والجهد للعمل المجدي المهتدي بخطة واضحة
تجعل لها من إنصاف الشهداء وعائلاتهم ماديا ومعنويا و الكشف عن قتلتهم مطلبا
وغاية...
واليوم بعد أن ضيّع العابرون بالحكم ومن عارضهم ومن
والاهم دم الشهيد ها إنّهم يستفيقون على ادّعاء "الإصابة
بالصّدمة"
وهذه الصدمة لا تصيب إلاّ من كانوا نياما ولم يفتح
لهم جفن طيلة سنين ثلاث عن حقّ كان يضيع ويبتعد يوما بعد يوم لأنهم لم يكونوا أهلا
لأن يَأرَقوا وأن يجهدوا وأن يضحّوا بمصالحهم الحزبية والمادية في سبيل إرجاعه إلى
أهله
وليست عائلات الشهداء وحدها أهلا لدمهم مسؤولة عنه ,
بل الوطن كلّ الوطن أهل له ومسؤولا عنه ...
وحين يستيقظ النيام على الصدمة التي يزعمون يسارعون
إلى التقاط صور مع دم الشهيد ليلصقوها في "ألبومهم الانتخابيّ"...
ولأن هؤلاء النيام قد خلعوا
الذاكرة والأحلام عنهم مع خلعهم ثوب النضال ضد الاستبداد ومضوا لينعموا بالراحة في
كهوف الحسابات و الصفقات السياسية "المربحة" فإنهم لا يستطيعون استرجاع
مشهد الشهيد قبل الرصاصة التي قتلته
ولو استرجعوا المشهد لأبصروه يرحل إلى الموت كما
"الحسين" رضي الله عنه...ولو التقوه وهو في طريقه إلى الموت لسألهم
"كيف تركتم أهل تونس؟"
ولأصابهم الخجل بديلا عن الصدمة حين لم يجدوا جوابا
أصدق من قولهم "قلوبنا معك وسيوفنا عليك..."
ترى هل كان يعلم الشهيد كما كان يعلم المسيح
أنّ" يهوذا" سيخونه ؟؟؟
وهل صرنا نعلم أنّ الشهيد هو مسيح "ثورتنا"
الذي وهبنا لحمه لنأكله , ووهبنا دمه لنشربه؟؟؟
وهبنا لحمه ودمه لنبلغ الحرية والكرامة...
هل نعلم أن لا يهوذا غيرنا...
يهوذا هو من ولّيناه أمرنا وأمر دماء شهدائنا فلم
يحفظها ولم يصنها
يهوذا من عارض ولوّن دماء الشهداء وتزيّى بها يوما
وتخلّى عنها أياما
يهوذا جمهور الصّامتين الذين طأطؤوا رؤوسهم وتناسوا
عهدهم بالوفاء للشهداء...
وإن ارتضينا أن نكون يهوذا سنرتضي أن تلاحقنا اللعنة
التي لاحقته حتى انتحر...
فمسيح ثورتنا لم "يُقنَص" بل "شُبِّه
لنا" ...هو لم يُقنَص لا لأنه ثمّة من يحاول إيهامنا بذلك...بل لأنّ
لعنته ستطاردنا...
هو ذاك فإن نحن ارتضينا أن نكون يهوذا ستلاحقنا لعنة
الاستبداد الذي سيعود من أبواب صمتنا وتخاذلنا وحسابات المصالح وستنتحر
كرامتنا وحريتنا ندما على خيانتنا للشّهيد مسيح ثورتنا...
.jpg)


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire