vendredi 3 mars 2017

يا‭ ‬قوم‭... ‬إنّه‭ ‬الطّوفان‭ ‬والإفلاس





انطلق في الغاب "سِيدٌ" يعوي عُواءَ نَحْس...فقال التُّرجمان:"... انه عواء الطُّوفان ... الطّوفان آت... التّعس آت."
  وكان قطيع الحَمقى من العُميان، يسير سير عاثر، ويدبر تدبير واثق، يهبط سهْلا، ويصعد حدْبا، حتى بلغ  سَحيقا... فوَلْوَل الناس :" يا راعينا... يا حاكمنا ...أنت مولانا، وسيدنا، وسائسنا، وأنت الحكمة، وأنت العقل، وأنت الأُسطُقسّ، وأنت الهَيولى، وأنت تاج التّيجان".
 وكان الراعي في بلد المُغفّلين يسُوس القطيع، يدفعه إلى سحيق الهاوية، وهو لا يدري ما الطوفان، وما نبّهه عُواء "السّيدَان"... فأطلق يدَ غُلامه في الناس، يسرق مال هذا، ويجلد ظهر ذاك، ويحبس من ظاهَرَهُ القول، ويجمع الأموال، ويأكل السُّحْتَ... وسنَّ فيهم كل أنواع الإتاوات والمُكوس والفيْء... ضرائب وخراجا وجزية... حتى ضجّ القطيع البائس، فجاع الناس، ولبسوا المرقّع، وأكلوا يابسة الخبز، وذَابلَة النَّبْت.
وكان مولانا الراعي ملتفتا إلى مجالس الطرب واللهو... تراقصه الجواري الحسان، وتُضرب له الدّفوف، وتُدقّ له الألحان... كان في سَكْرة الحكم، ومُلك لا يَبْلَى .


وأتاه الحاجب "يوسف أبو الشّهد" يوما, وكان بهيّ الطلعة, أبيض أشقر، في عيون زرقاء، ومشية عنقاء... طويل القامة، منتفخ الهامة... مَعْرُوقَ اللَّحْيَيْن، إلا انه كان مُعَتَّها يعلوه بَلَهٌ.. فحدّث، فقال:"... يا مولانا "الباجي"... خزائن دولتك فارغة...والأرض مُجدبة، والغيث منقطع، والقطيع قد نَحَل، فافْتَقر... يا مولانا... أنبيعُ ما نملك ؟... وفيها خشية من نقابة العمال أن تُنَاكفنا وتُمَانعُنا."
 ردّ الرّاعي في حنق :"... نبيع دار الماء ودار النّور ودار الطيران... ونبيع مصارف الحاضرة كلها... فنجمع منها ما يملأ بيت المال فنهنأ به دهرا، فيسكت الرّعاع... ونشري ذمَمَ المَدّاحين والطمّاعين من أهل القلم."
 خرج الحاجب "يوسف" حيْران أسفَا، فحدّث في الناس، وكان ألْغَثَ، عَييًّا، لحّانا، فقال :".... حكمة مولانا الباي نطقت... أن نبيع أرضنا وترابنا وأبناءنا وتراث أجدادنا... قبل عُسْر المال، وقبل غيث الطوفان... ويأخذ مولانا خُمس ريْع الأموال، صافية له ولبنيه من بعده، فان للملوك في دستورنا ميراثا."
 هاج القطيع، وقد أُخْسر الرّيْع والرّعْي منذ أمَد... فصفق الناس، وندبوا، وشقوا، صدورهم، وبكوا، وانتحبوا... ولا اله إلا الله.
  فإذا هو الذئب فوق حدبة، يعوي كرّة أخرى، وفاض التنّور، وكانت الهَلكَة.
 ثار الجياع في باب المدينة...وتنادى القوم إلى حاجب الحجّاب "يوسف" الشاهد الأعمى، فدقّوا عليه دق مدلّ... فأمهلوه عشْرا، وتَوَعّدُوه سيفا، أو مَوْتة "عثمان"... وحالوا بينه وبين الماء.
فلما سمع "الباجي" أن الجياع والعراة والحفاة قد ثاروا... جمع رحله والأبيض والأصفر والمُعَصْفر، ذهبًا وياقوتًا وزبرجدًا... وأَسَرّ إلى أهله نجيَا:" أنّي مُبحر وأهلي، في سفين نوح، فأمّا القطيع فإنهم من المُغرقين."
في ليلتها، ما عاد الذئب إليهم... وأَزفَ الماء وأتى عليهم موج الطوفان، فكان الخراب... غرق القطيع وتشتّت من نجا شَذَرَ مَذَر... وبقي "الباجي" وأهله، ووَليُّ العهد والحاجب "يوسف".
 فلما علم "التُّرجمان ثعلبة بن ذبيان من قبيلة كلْب" وكان رائيا منجّما... بكى، ثم قال:" فأما السّيدُ فهو الذئب، وجمعه "سيدان" وهو "المقيم العام" للافرنج ...وأما الطوفان فانه الفقر والإفلاس."
  قدّر الله وما شاء فعل... وها هو الولد يوسف الشاهد الأعمى، يحكم الحاضرة وأهل تونس وسكنة باجة والكاف، يحكم ماجر والزغالمة والساحل وصفاقس... يوسف الشاهد يحكم الهمامة والفراشيش وجلاص والمثاليث وورغمة ونفزاوة... انه يسوس قطيعا... ما قبل الطوفان.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire