vendredi 14 octobre 2016

قاضِي الزُّور ومَحكمة التّفتِيش... المُرَاقبة والمُعاقَبة : سجين الرأي رقم 169531


حكايات من معتقل المرناقية


دخلت سجن المرناقية سجين رأي مرفوع الرأس عشية الاثنين الثالث من شهر أكتوبر لسنة 2016، وما كنت دخلت سجنا قبلها في حياتي ولا أعلم له سميًّا، غير ما يرويه الناجون من عتمته... كانت بناية ضخمة يحيط بها العسس... استقبلوني في احترام... وأودعت حجرة خاصة بعلية القوم.... بيد أنني كنت الشخص الوحيد من سجناء الرأي...
  اعتقالي كان  فضيحة لأولئك السياسيين الجبناء الذين يطلبون الحكم من اجل منافعهم، وهو فضيحة لبعض الإعلاميين والمرتزقة... وهي فضيحة القضاء العسكري الخاضع والتابع للوبيات الفساد.
  قضيت الليل طوله أدخن سيجارتي في سرير السجن ... وتذكرت هناك أغنية سياسية ملتزمة طالما تيَّمتني وأنا في الجامعة :" يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلام... ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتسامى... يا رنين القيد زدني نغمة تشجي فؤادي"... كانت قصيدة الأسرى الفلسطينيين ... وقصيدة سجناء الرأي في بلدان عربية حكمها الاستبداد ... أنا الآن في سجن يماثل تماما سجون الاحتلال الصهيوني أنا محتلّ في بلدي... اغني قصيدة للسجان.
  فكرت في تداعيات اعتقالي بالسجن... وكنت أعلم أن كثيرا من المحامين الشرفاء قد تطوعوا للدفاع عن شخصي... وأعلم يقينا أن كثيرا من شرفاء هذا الوطن سيتصدون لهذا الخرق الفاضح للقانون... وما ساءني حقا ليس وجودي في السجن بل ما آلت إليه مؤسسة القضاء العسكري... هذه المؤسسة الموكول إليها حماية الحقوق والحريات وإرساء العدالة بين العسكريين... تنحرف بالقانون استجابة لتعليمات صادرة من دعيّ بن دعيّ ... وكلب بن كلب ... و جبان بن جبان ... هو انحراف بقاعدة العدل والإنصاف، وتأسيس للدكتاتورية الجديدة.
  كل أولئك الأعداء ما قدروا أن يحجزوا حريتي... وهم لا يعلمون أنني سأخرج من سجني أقوى حصانة وثباتا... لأنني سجين رأي... إنهم يصنعون في داخلتي إرادة القوة أن أكون أو لا أكون...
  أتعلمون ما هي تهمتي ؟ ... أنا متهم بالتفكير، ومتهم بالكتابة، ومتهم بالنشر، ومتهم بكشفي لصفقات الفساد...


 كانت ليلة طويلة مضنية في أفكارها وتتابع مشاهدها.... وقد أحاط بي السجناء اروي لهم حقيقة التحالفات القائمة في السياسة وأنقل لهم أخبار الفاسدين في بلدي... فلا أكاد أروي لهم خبر فاسد، أو حكاية صفقة حتى ترى عجبا عجابا... هؤلاء المساجين محكومون في أسباب شتى وقضايا مختلفة...
  من هناك لص متهم في قضايا سرقات... صاح :" أنا لص صغير، سرقت منازل، وقطعت طريقا فنهبت، ونشلت محفظة امرأة ... أنا الآن محكوم في السجن 20 عاما... هذا القانون جائر ... فلان ابن فلان سرق أموال الشعب ... مليارات ... يحتالون على القانون ... يصنعون قانونا جديدا للصوص الكبار ... قانون المصالحة... ِايتُوا إليَّ.. فصالحوني... فأنا لص صغير."
   كنت أواجه منذ أشهر صراعا ضد لوبيات الفساد في الدولة... وكان في مقدمة هذا اللوبي الناشئ شوقي طبيب وعصابته، نور الدين بن تيشة المستشار بالقصر  و رؤوف خلف الله صاحب جريدة آخر خبر... لقد نصبوه بالتوافق الزائف رئيسا لهيئة مكافحة الفساد... كنت أتحوز بعض ملفات هذا المحامي تخص أعمال شركات بترول تنشط بتونس... مع بعض ملفات الفضائح الأخرى... نشرت بعض تلك الأخبار في الصحيفة قبل تنصيبه.
  ذات صباح اتصل بي شفيق جراية رجل الأعمال المعروف ... أراد أن ينجز وساطة بيني وبين شوقي طبيب... أعلمته أن الملفات التي تخص شوقي سوف يستمر نشرها... استمرت محاولات الرجل في الوساطة.
  التقيته بمقهى بجهة البحيرة ... قدم لي امرأة محامية ّ"بن سعد"" جاءت تفاوض في حق شوقي طبيب ...قدمها إليّ :" هذه شريكته في مكتب المحاماة..."
  تكلمت المرأة عن مزايا شوقي وأعماله وخصاله ورجولته وتقواه وأخلاقه، وانه يطلب من الجريدة ان تتوقف عن نشر أخباره... قالت:" أنت تنشر حوله أخبارا زائفة... وهو يريدك أن تتوقف عن الإساءة إليه".
  تأملت وجهها في عمق كانت سيدة فوق الأربعين من العمر، خاطبتها بإصرار :" الأخبار الزائفة لا تستدعي التفاوض... من حقه الردّ في الصحيفة، هذا حق مضمون... ومن حقه أن يشكونا إلى القضاء...شوقي طبيب يتحدث عن جماعات الكسكسي بالمناني... يبدو انه هو طبّاخ المناني، الرجل قبض في قضية "نبيل الشتاوي " 300 الف دينار تسبقة على الحساب، سلمها له "حبيب منصور" صبرة واحدة... كان وقتها عميدا للمحامين ... ووعده وعدا كاذبا بإخراج صهره من السجن... والرجل كان بريئا... هذا احتيال ونصب... هل صرح شوقي في تصاريحه الجبائية عن هذا المبلغ؟...


  أُسقط في يدي المرأة... ارتبكت وضحك شفيق الجراية، قلت لها في نبرة التحدّي :" أزيدك قولا... صاحبك يدفع المتهمين في قضايا فساد إلى التوجه إلى مكتبك أنتِ للدفاع عنهم وإلى مكتب المحامي فلان والمحامي فلان من أصدقائه... أليست هذه سمسمرة وابتزاز؟... ثم يغلقُ ملف الفساد بالحفظ..."
  أزيدك :" قد بلغني انه اقتنى شقتين بالمنارات باسم عشيقته فلانة... اشتراها من رجل أعمال معروف اشتراها أم تلقاها هدية ؟ ثم أنجز عقدا تكميليا في نقل الملكية إليه ولم يسجله في الدفتر خانة... يا سيدتي صاحبك يمتلك حسابا بالعملة الصعبة في بنك أجنبي وهو يحول منه الأموال لابنه الطالب بكندا... ويمتلك قصرا فاخرا بالمرناقية ولنا ضده ملف شركة بترولية لم ننشره بعد، ينوب فيه ضد مصالح الدولة التونسية وضد المال العمومي، ما رأيك سيدتي ؟...  هل صاحبك قنوع جدا حتى يقبل 4000 دينار أجرة في رئاسة هيئة تكريس الفساد؟"
  نظرت إليّ  تلك السيدة في بَهَات، وهي تحتسي قهوتها، كانت تدرك أنني أمسك ملفات أخرى دقيقة وثابتة وخطيرة، فطلبت إمهالها وقتا لانجاز مصالحة مع شوقي... أعلمتها أنني لست في خصومة معه... وأنني أُشرف على صحيفة استقصائية تقتفي آثار الفساد، وهو رجل مكلف بمكافحة الفساد، فليبدأ بنفسه فليطهرها...
  في تلك الأيام من شهر أوت تضخم حجم التهديدات وأبلغني بعض الأصدقاء الشرفاء أن القوم يخططون لاغتيالي او الزج بي في السجن... قررت حينها أن أتجنب الأماكن العامة... وكنت محاطا برجال شرفاء يغارون لوطنهم كانوا يعلنون المساندة في كل آن وحين...
  وكانت المعلومات تصل إليّ، من كل الإدارات ومن القرى والمدن... كانت أخبار الفساد تصلني بوثائقها عبر شبكة علاقات معقدة من الوطنيين الشرفاء... جميع من بلغني عن ملفات الفساد الكبرى كانوا من طبقة مثقفة تفطنوا إلى وطنهم يذبح... ما كنت يوما جبانا ولا خائفا... علمني أبي روح الإباء والشجاعة والإقدام.
  أولئك السراق أرهبتهم جراءتي عليهم. أولئك اللصوص يكرهون جريدة الثورة نيوز... بيد أنهم يسارعون لشرائها كل يوم جمعة... إنهم يخافون الحقيقة... يخافون الجريدة... تراهم يطوون الجريدة يخفونها في ملابسهم... ويدخلون مكاتبهم فيغلقون الأبواب ليقرؤوها سرا... ثم يسبونها في العلن.
  في ظلامات السجن تندفع الأفكار إلى مخيلتي اندفاعا، وتتراكم وتتوالد، غير أنها لحظات صفاء ونظر وتدبير... الجدران والسجان والأقفال والأصفاد... كلها أشياء بلا معنى... ماذا تراهم فاعلون ؟ هم بدؤوا الحرب لكنهم لا يعرفون متى تكون الخاتمة ، هم لا يقدرون على إنهاء الحرب ... هؤلاء محتالون .. كذبوا على العامة باعوهم زيف الوهم... هم يمسكون بالسلطة ، يسارعون جذافا إلى السلب والنهب ما أمكنهم، لأنهم يعلمون أن أيامهم معدودات...


  ترون اللص إذا ما قفز جدار دار ... تراه مسرعا لاهثا ، فإذا ما أتم صنيعه انكفأ فارًّا... وهؤلاء لصوص في شكل جماعات نُسمّيهم مافيا أو لوبيات تسرق جماعات وتتحرك مثل قطيع من الذئاب... تمزق لحم شعب مطحون... وتنهش الأموال والعقارات والصفقات.
  هل سمعتم يوما برأس مالي فاسد يسجن أو يحال إلى العدالة .. قطعا لا...
  حتى تلك الانتفاضة البائسة لم تكن ثورة بل كانت لعبة دولية ومؤامرة حطمت كل أمل في بناء دولة وطنية ذات سيادة... حتى الذين أدانتهم الثورة البائسة باللصوصية صنعوا لهم قانون " المصالحة الوطنية". هم يصالحن السراق ويسجنون الشرفاء... انا كنت مدافعا عن فكرة المصالحة في نطاق العدالة الانتقالية...
  أنا أرى من بعيد غولا صغيرا يولد مشروعا للاستبداد والظلم... هذا الغول إذا ما انفك من عقاله سيذبح الحرية ذبحا، سوف يسفك العدالة على قارعة الطريق... أما الشامتون فإنهم لا يدركون أنهم بشماتتهم إنما يدفنون مرسوم الحرية 115 .
تذكرت صدام حسين، كنت أحترم رجولته وشجاعته... أثناء حرب الخليج الأولى سنة 1991 ... كنا ندافع بشراسة عن عروبة العراق ووطنية صدام.... كان دكتاتورا إلا أنه وطني إلى النخاع... توجهت وقتها إلى سفارة العراق وكانت الحرب في أتُونِها ... شاهدت مئات التونسيين يصطفون للتبرع للعراق الأبيّ في مواجهة الامبريالية،  فتبرعت ب10 آلاف دينار من أموالي الخاصة، وقابلت السفير العراقي وأنا في مقتبل الشباب... كان الضمير الجماعي للتونسيين وقتها منحازا بالكلية إلى صف العراق زمن صدام، هو اصطفاف أخلاقي وسياسي وتاريخي مع القضايا العادلة ... ماذا ترى الآن في عالم عربي بائس... حروب أهلية في العراق وسوريا واليمن وليبيا... قد نجحت الامبريالية والقوى الغربية في تدمير كل أحلام الشعوب العربية بما فيها تونس، ودمرت فكرة بناء الدولة الوطنية.
  رحل بن علي إلا انه كان رجلا... كانت الدولة في عهده قائمة متماسكة... وكان محافظا على الحد الأدنى من السيادة الوطنية... ماذا بقي الآن... هل حافظوا على سيادة الدولة واستقلالها. انها طبقة سياسية مهترئة وكاذبة.
يا سادتي، قد خرجنا من دكتاتورية الحزب الواحد إلى دكتاتورية الأحزاب الفاشلة... تقاسموا الغنيمة والشعب بائس، فقير، معدم... يبيعونه وهم الحرية والأحلام الزائفة.
  في الصباح، لاحظت ان المعاملة داخل السجن قد تغيرت... مراقبة مستمرة داخل الغرفة... كنا قرابة 30 سجينا، كل يحمل هموم قضيته... قال احدهم:" جاؤوا بك لأجل مقال ؟... هذه قضية مخجلة ومضحكة... أنت متهم بالكتابة والتفكير... أنت متهم بالاستقصاء... قضية تافهة."


  صاروا يراقبونني كل حين، وكنت متأكدا أنهم قد انتدبوا احد السجناء للمراقبة... كان "ميشال فوكو" محقا في كتابه الرائع "المراقبة والمعاقبة"، كان بحثا فلسفيا عميقا  في مؤسسة السجن... إنها مؤسسة غامضة ومعقدة تقوم على مبدأ نفي الآخر المتمرد ضد السائد... في ذلك النفي يقصي العقل الإنساني كل عقل مضادّ ... والسجن في النهاية إقصاء ونفي وتعذيب، لكل من رفض الخضوع للعقد الاجتماعي وللقانون الذي اتفقت عليه الجماعة الإنسانية... أنا الآن في تأملاتي، أراني ملتزما بذلك العقد الاجتماعي عدا أنني مارست فن الاستقصاء عن الفساد... يبدو انه فن حرام ... إنهم يجرّمون الحقيقة.
  في اللاَّريَا... تلك الساحة، ساحة الحرية المُسيّجة... فوجئت بالسجناء يحطاطون مني ، يريدون التعرف إليّ، صاحب الجريدة الاستقصائية الأولى في تونس، كانت الجريدة محرّمة في السجن دون موجب، لأنها تنشر الفضائح والحقائق... احترموني كثيرا واستقبلوني استقبال الفاتحين... أنا أول سجناء الرأي بعد الثورة، لم أنهب أموال الشعب، ولا تحيّلت على العقارات، ولا شاركت في صفقات عمومية مشبوهة... أنا أناضل لأجل حرية النشر والتعبير.
  كانت التعليمات تنصّ على إبعاد سجناء الحق العام عن التواصل معي... وهو إجراء احتياطي بلا معنى... مثل منع الجريدة من الدخول إلى السجناء.
  اشتكى إليّ كثير من نزلاء السجن من الظلم والقهر والغبن الاجتماعي، في مجتمع تشقّه التناقضات وتغيب عنه العدالة، هم ضحايا المجتمع...  كلّ يحمل في جرابه مأساة مُوجعة، أو معاناة مُؤلمة... هذا المجتمع الإنساني مجتمع متوحش.. ومقولة العدالة والمدينة الفاضلة هي مُثُلٌ وأوهام... أنت تعيش بين قطعان من الذئاب المفترسة.... أنا أعرف أنهم ذئاب غادرة تتحرك في شكل قطيع... وأنا صقر إن شاؤوا... أنا في قلب السجن وهم خائفون مني.
  في العاشر من شهر أكتوبر، أعنلت إضراب الجوع، قررت أن أرتفع بسقف النضال إلى أعلى في مواجهة الطُّغمة السياسية التي زجّت بالقضاء العسكري في مواجهة حرية الإعلام... حينها تراكمت الأحداث، وكان فريق من المحامين يزورني للاطمئنان على صحتي... استنفرتْ إدارة السجن اطاراتها، واعتنوا بي أيّما عناية ... في البداية كانوا متوجّسين من وجودي داخل السجن... لأسباب أهمها ضغوطات لوبي الفساد شوقي طبيب ونور الدين بن تيشة ورؤوف خلف الله... ذئاب القطيع هؤلاء واجِهَة لكبار المفسدين في تونس.... أنا اكتشفت شبكة علاقاتهم أنهم خطر على المشهد السياسي... لذلك شنّوا ضدي حملة شعواء.... لكنهم حولوني إلى ضحية ومناضل.... هم لا يعرفون عزيمتي وصلابتي...
 في نوفمبر من  سنة 2011 ، فازت النهضة وقتها بالانتخابات .... وكان الباجي قايد السبسي  يستعد لتسليم السلطة لحكومة حمادي الجبالي... وقتها واجهت لوبي كمال اللطيف فزجّوا بي في سجن الإيقاف ببوشوشة... بقيت هناك 6 أيام ثم خرجت ...


   أتعرفون ماذا حصل؟... صَرت أكبر ممّا كنت.... وأسست جريدة الاستقصاء الثورة نيوز، وحضرت مآتم كل الأعداء، كلهم سقطوا...
  سوف أحضر أنا حفلات سقوطهم لان أهل الشر لا يقاومون وسرعان ما يتساقطون... إذا ما انفرط عقدهم.
  سافر العزم في داخلتي.... كنت أتوقد جهدا... ومنبّها إلى اللصوص الكبار، لصوص الدولة، وكنت قد قررت أن استمر في مقاطعة قاضي الزور .... لأن القاضي إذا ما ظلم انتفت عنه صفة العدالة ... وجاز في حقه التجريح والقدح ... وسقطت عنه صفة العدل... وذلك القاضي "الصحبي عطية" كان ظالما ولم يلتزم بالقانون وظن انه من الغالبين ، وخضع لتعليمات أسياده... وليس لي أن أمثل أمامه أبدا... انه لا يحق له أصلا أن يحاكمني ... قد يجوز له سماعي كشاهد، لكن أن يصبح هو الخصم والحكم، فهذا خرق لضمانات المحاكمة العادلة.
في داحسة الليل تتشابك أفكار وصور لمبادئ الرجولة والإباء والمروءة... كثير منهم لا يعرفون معنى المروءة... حين أخرج من عتمة السجن سأعلِّمهم معنى المروءة...كما أعلمهم الآن معناها من وراء أسوار السجن...

محمد الحاج منصور



1 commentaire:

  1. اللهم فك اسره ونور عتمة الزنزانة وانس وحدته وثبت دينه

    RépondreSupprimer