samedi 27 décembre 2014

هياكل الرّقابة على المال العامّ (الجزء 2) : هياكل الرّقابة العامّة هل فاتها قطار الإصلاح ؟




تفاعلا مع ما ورد بالعدد السّابق من جريدتنا بخصوص هياكل مكافحة الفساد بلغنا أنّ العديد من المراقبين العموميّين قد ثارت ثائرتهم مصدّقين لبعض ما ورد مندّدين بالبعض الآخر، ولذا نرجو قبول التوضيح فنحن لسنا ضدّ أحد ولا مناصرين لأحد، نحن نعاين الخطأ ونستقي المعلومة المؤكّدة ونساعد الرّأي العامّ على تصويب الاعوجاج...وبالتالي لسنا سلاحا موجّها ضدّ جهة معينة ولا تحرّكنا أياد خفيّة ولا نقبل بأن نكون مطيّة، ومرحبا بكلّ من يريد ممارسة حقّ الردّ، ومرجعنا في كلّ هذا الاستقصاء والبحث  والتدقيق والتنقيب، وإليكم ما توصّلنا إليه بخصوص دور العديد من الهياكل المسؤولة الأولى عن مكافحة الفساد والحدّ من استشرائه في القطاع العموميّ وستخصّص هذه الحلقة لرأس المنظومة الرّقابية العموميّة : الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة.
لم نخطئ حين قلنا في أعداد سابقة أنّ الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة قد تحوّلت منذ سنة 2011 إلى الهيئة النّائمة الأعلى من القانون فهي حسب اطلاعاتنا وحسب المراجع المتوفّرة أحدثت سنة 1993 على أساس أن تتولّى متابعة التقارير الرّقابية التي تعدّها هياكل الرّقابة العامّة برئاسة الحكومة ووزارة الماليّة ووزارة أملاك الدّولة وكذلك دائرة المحاسبات، وترأسها في بداياتها السيّد رشيد صفر ثم خلفه السيّد الحبيب بالحاج سعيد لسنوات طويلة تجاوز فيها سنّ التقاعد بكثير... وترجع هذه الحالة إلى غطرسة واستبداد النّظام البائد والعجز عن تطبيق القانون، ثمّ هبّت ريح الثورة فتوارى السيّد الحبيب بلحاج سعيد وظننّا أنّ  هذه الهيئة ستستعيد هيبتها ومكانتها وتضرب على الفساد بيد من حديد وتتدارك القطار الذي فاتها لعشرين سنة كانت فيها ألعوبة في يد النّظام خامدة الصّوت خرساء مقصوصة الجناح لا حول لها ولا قوّة ولا قدرة لها على تسليط العقاب...
وانتظر الجميع أن تتولّى هذه الهيئة الزّعامة في حركة إصلاح المنظومة الرّقابية العموميّة باعتبار علاقاتها الأفقيّة مع جميع هياكل الرّقابة العامّة ودائرة المحاسبات، وبحكم اطّلاعها على جميع التقارير الرّقابيّة التّي تصدرها الهياكل الرقابية، إلى جانب احتوائها على مجلس دوريّ يضمّ ممثلين عن جميع مكونات المشهد الرّقابي (انظر موقع الواب للهيئة)...ولكن تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن....فقد تمّ بقرار مباغت انفرادي صادر عن رئيس الجمهوريّة الأسبق السيّد فؤاد المبزّع تحويل الهيئة العليا للرّقابة الاداريّة والماليّة إلى مجرّد منصب سياسيّ لا دور له سوى الاجتماعات والاحتفالات حيث، وفي وضع اضطراريّ يعرفه الجميع، أجبر على استعمالها لإرضاء الرّئيس الأسبق للمحكمة الإداريّة السيّد غازي الجريبي إثر عزله من منصبه من قبل السيّد رضا بالحاج (القيادي في نداء تونس حاليا) ليعين مكانه زوجته السيّدة روضة المشيشيّ ممّا أثار حفيظة العديد من قضاة المحكمة الإداريّة وأثار بلبلة وتوتّرا أضيف إلى حالة الانفلات التي عرفتها الدّولة إبّان الثورة، وتمّ في هذه الظروف الخصوصيّة تعيين السيّد غازي الجريبي على رأس الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة في الوقت الذي انتظرت فيه عودة الرّوح عبر تعيين مختصّ في الرّقابة يشرف على إعادة الحياة لمهامّها المهجورة ويدخل بها عوالم الرّقابة المحظورة ويعيد لها مشمولاتها المهدورة.
 وكانت هذه النّكسة الأولى التي سلّطت على الهيئة باعتبار حاجتها الماسّة لخبير متمرّس في الرّقابة ومكافحة الفساد وله علاقات جيّدة بهياكل الرّقابة ويمتلك القدرة على معاينة نقائصهم لربح الوقت واستغلال اللّحظة التاريخيّة. ولئن حاول السيّد غازي الجريبي تدارك الأمر إلاّ أنّه وبالنّظر إلى فوات الأوان وباعتبار عدم انتمائه للمنظومة الرّقابيّة الإداريّة والماليّة لم يتوصّل سنة 2012 إلاّ إلى تجميع مقترحات متضاربة وغريبة عن المشهد الرّقابيّ تمّ تضمينها في مشروع نصّ قانونيّ (متوفّر حاليّا في موقع الواب للهيئة العليا للرّقابة الاداريّة والماليّة) ولم يحظ هذا المشروع بإجماع هياكل الرّقابة العامّة ودائرة المحاسبات وفق ما بلغنا من معطيات أكيدة، إضافة إلى أنّ البعض من المراقبين العموميّين ساندوا هذا المشروع وقبلوا به عن مضض باعتباره ربّما يمكّنهم من تدارك نقائصهم ودعم مكانتهم في حين رفضته الأغلبية من المراقبين والهياكل الرّقابيّة بما في ذلك دائرة المحاسبات باعتباره سيحرم السّلطة التنفيذيّة من هياكل الرّقابة الدّاخليّة المتوفّرة بها حاليّا (هيئة الرّقابة العامّة للمصالح العموميّة برئاسة الحكومة، هيئة الرّقابة العامّة  للماليّة وبوزارة الماليّة، وهيئة الرّقابة العامّة بوزارة أملاك الدّولة والشّؤون العقاريّة)  ويخلق جهازا مستقلاّ في ظاهره ضعيفا في باطنه معزولا عن الإدارة ويجمع بين وظيفتين متنافرتين وهما الرّقابة من جهة ومتابعة تقارير الرّقابة ونتائجها من جهة أخرى...وهو هيكل ليس له شبيه في العالم وبالتّالي سيكون تنفيذه مخاطرة فكريّة نظريّة غير مضمونة العواقب من النّاحية العمليّة التطبيقيّة.


وقد وجدت الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة صعوبة كبرى في الإقناع بنجاعة ووجاهة هذا المشروع، وبإطّلاعنا على موقع الواب  للهيئة نجد أنّ الطّرف الوحيد الذّي تبنّى هذا المقترح، إضافة إلى السيّد غازي الجريبي الذي دافع عنه في عشرات اللّقاءات والنّدوات الصّحفيّة والمنابر الإعلاميّة دون جدوى تذكر، هو رئيس الجمهوريّة المنتهية ولايته السيّد محمّد المنصف المرزوقي والذّي نادى ببعث هذا الهيكل الضّخم المستقلّ للرّقابة والتقييم بمناسبة افتتاحه لملتقى نظّم في جوان 2013 ودعا إلى إدراجه في الدّستور. كما بلغنا أن حكومة السيّد علي العريض لم تتبنّ هذا المشروع ممّا حدا بالهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة في عهد رئاسة السيّد غازي الجريبي إلى إحالة هذا المشروع إلى المجلس الوطنيّ التّأسيسي مباشرة ودون عرضه على مجلس الوزراء وذلك عن طريق كتلة حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة وهو ما حوّله إلى مشروع حزبيّ مؤتمريّ بامتياز....

النّكسة الثانية كانت على إثر تعيين السيّد أحمد عظّوم التجمّعي السّابق النّهضوي حاليّا والمتلوّن من الأحمر إلى الأزرق بحكم المصلحة والمنفعة الشخصيّة، والقاضي العدليّ المنقلب على المكتب الشّرعيّ لجمعيّة القضاة التونسيّين سنة 2005...على رأس الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة، التّي تحوّلت من عليا إلى أعلى من القانون ومن هيكل للرّقابة إلى هيكل يغطّ في سبات عميق، فهي حاليّا لا حياة لها في غيبوبة ولم نجد لها أثرا بالرّغم من التقهقر الذّي شاب مسار مكافحة الفساد ولم نسمع لها صوتا في الملتقيات المخصّصة لترشيد التصرّف الإداريّ والماليّ وإرساء مبادىء الحوكمة الرشيدة بالرّغم من أهمّية دورها في التنسيق والمتابعة،  ولكنّنا نفهم ونتفهّم السّبب الكامن وراء هذا الموت السّريريّ: فهي كما قلنا سابقا مجرّد منصب سياسيّ يصلح للاستعمال عند الحاجة للإشعاع الشخصيّ والعبور إلى مناصب أخرى أرقى وأهمّ، ولكنّ السيّد أحمد عظّوم غير معنيّ بالإشعاع والتألّق لأنّه تجاوز السنّ القانونيّ للتقاعد وبالتالي من مصلحته الصّمت وإطفاء الأنوار وردم الهيئة تحت ركامات الغياب الرّهيب يساعده في ذلك ثلّة من القضاة الماليّين والمراقبين العموميين الذّين التحفوا برداء اللاّمبالاة ويغطّون في سبات عميق ويتحيّنون الفرص لانتهازها لتحقيق المصالح والمنافع الشخصيّة ويؤازرون رئيسهم غير الشّرعي في دفن الهيئة حتىّ لا يسائلهم أحد حول مردودهم الضعيف والهزيل، ولا ينتبه أحد إلى الخرق الجاثم على صدر الهيئة المؤتمريّة الحزبيّة السّياسيّة الفاشلة في حكومة الترويكا وفي حكومة التكنو خراب، وحتّى يتغافل النّاس عن استغلال السيّد أحمد عظّوم زميمهم لمنصبه ونفوذه وسلطته في استقراب النّهضويّين والمؤتمريين على غرار السيّدة هادية بن عزون حرم بن قسومة التي استقدمها للهيئة كما وضّحنا سابقا مباشرة إثر انتهاء مهمّتها مع السيّد محمّد العامري غرودة مدير ديوان الحكومة المؤقتة في العهدين عهد السيّد حمّادي الجبالي وعهد السيّد عليّ العريّض... وللحديث بقيّة.....


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire