منذرّ الرماد في العيون إلى “ادفع كاش
تندثر بلا نقاش “
قيل :غاض ماء الحياء و أصبح الفساد تجارة،(وقد أحلّ الله البيع)، وأضحى الكسب منه مألوفا ومقبولا، بل ومستحسنا بعد أن انتشرت ثقافة الفساد في المجتمع وأصبح القابض على شرفه وكرامته فيه كالقابض على الجمر والواقف على أرضية من المسامير…”
حيث ركب
المضطرون الصعاب وأباحت الضرورات المحظورات ثم تحولت المحظورات إلى عادات وسلوكيات
معتادة ومقبولة اجتماعيا …و من سخريات القدر أن الفساد في تونس أصبح له معجم خاص
به مزدحم بالمعاني و ثري بالعبارات تردد مفرداته الطبقة
الكادحة التي تسمع عنه و لا تراه فتقول : مشي حويجة … باكو تحت الطاولة …
والكاش يقلل النقاش و غيرها من المفردات الأخرى …
و على نحو ما ضرب
الفساد في كبرى مؤسسات الدولة و هياكلها طاف حتى على اللجان
الظرفية التي تبعث من اجل حدث ما …حتى أن هذه الأخيرة أصبحت وكرا عششت فيه
دبابير الفساد خاصة إذا ما تعلق دورها بمصادرة ممتلكات منقولة و
عقارية حيث يكون الإطار مناسبا جدا لبروز أقوى و أجلى مظاهر
الفساد و التلاعب التي لا يرتقي إلى القيام بها حتى الشيطان …
في هذا البلد الذي كانت فيه أرضية خصبة للتلاعب و الرشوة و المحسوبية ألف سكانه على مختلف الأجناس و الأجيال قاعدة ترسخت في أذهانهم مفادها ” إذا أردت طمس الحقيقة أو إخفاء الجريمة و التستر عن المفسدين لابد من بعث لجنة دورها في الظاهر التحري و التحقيق و في الباطن لاشيء يذكر سوى الخراب… فكم من لجنة ذهبت دون رجعة و كم من لجنة لم تبع للشعب سوى الوهم و كم لجنة أرسيت أركانها لم تلد بعد مخاض عسير سوى فأرا … و لأن الأمثلة طويلة و عديدة فسنقتصر على ذكر اثنين من اللجان وهي ” لجنة التقصي في أحداث 9 أفريل و لجنة التحقيق في أحداث الاعتداء على اتحاد الشغل…
و في هذا
الإطار برزت ما يسمى بلجنة مصادرة أموال وممتلكات المنقولة
والعقارية لعائلة الرئيس المخلوع و أقاربه و التي أتحفت الشعب المغدور
بقائمة أولى من الأسماء ثم تبعتها بثانية و ثالثة و لا نعجب إن
برزت قائمة أخرى و أخرى في المستقبل …فالمهمّ أن جميع القائمات المنشورة جمعت
بطريقة غريبة كل صنوف التلاعبات و ضروب الفساد و مع ذلك نجحت اللجنة في تمريرها
للعموم دون أن يتفطن أحد من المراقبين إلى مظاهر التلاعب و لم يتمعن في ذلك
أي شخصا من الضالعين في القانون أو غيرهم في الأسماء المنشورة و التغييرات التي
طالتها و لم يكتشف أحدا أيضا صور الفساد التي أتت عليها و التي كانت
مذهلة و عجيبة …
تقديم موجز
لجنة
المصادرة في تركيبتها الأولى و الثانية حطمت كل الأرقام القياسية في التلاعب
بالأسماء و نجحت في ظرف لا يتعدى 3 أسابيع في الفترة المتراوحة بين 25
فيفري 2011 تاريخ إصدار القائمة الأولى المنشورة عبر وكالة تونس إفريقيا
للأنباء (وات) و التي شملت عدد 110 صودرت أموالهم وممتلكاتهم المنقولة
والعقارية و 14 مارس 2011 مرسوم تحت عدد 13 لسنة 2011 بتاريخ 14 مارس 2011
وقد شملت عدد 112 صودرت أموالهم وممتلكاتهم المنقولة والعقارية في قلب المعطيات
رأسا على عقب و تلاعبت في الأسماء أيما تلاعب و أكدت بما لا يدع مجالا
للشك أن الفساد كان المقياس الحقيقي لتحديد القائمة حيث تغافلت قصدا
عن بعض رموز الفساد … و تسترت عن كبار الفاسدين و عوضتهم
بالأموات نعم بالأموات الذين لا أملاك لهم …بل الغريب في الأمر أن اللجنة
عمدت إخفاء معالم الفساد بالاعتماد على كل تقنيات الكتابة شكلا و مضمونا حيث أسقطت
عن قصد الأوصاف و الحالة المدنية للمسمى للإيهام و التستر طبعا…
ضروب الفساد
عديدة هي أوجه الفساد التي شملت القائمتين نفصلها
بالتدقيق حتى نقف عند مجرياتها و تفاصيلها:
1/ قائمة منتفخة
جاءت القائمة الثانية المنشورة بتاريخ 14 مارس 2011 أكثر عددا من
القائمة الأولى المنشورة بتاريخ 25 فيفري2011 ( فارق +2) حيث بلغ عدد
الأسماء في الأولى 110 اسما صودرت أمواله و ممتلكاته فيما بلغ عدد الأسماء في
القائمة الثانية 112 اسما صودرت أمواله و ممتلكاته …و قد اعتقد العديد
من التونسيين أن القائمة ثانية توسعت و شملت أسماء جديدة فاسدة تغافلت عنها
القائمة الأولى غير أن العملية لا تعدو أن تكون سوى مجرد خدعة حيث حشرت
القائمة الثانية بأسماء الموتى و انتفخت بهم للتغطية على الفاسدين بعد أن
أسقطت عنهم عبارة ” المرحوم أو المرحومة أو المتوفى أو المتوفية ” … و زجت في
القائمة الثانية بأسماء بعض الوزراء دون سواهم للمبالغة و تغطية سد الفراغ
الذي ترك شاغرا بعد أن أسقطت أسماء لكبار الفاسدين و الغاية من ذلك كله إبعاد
الشبهة و ذر الرماد في العيون …
2 / كبار رؤوس الفساد اندثروا
أول مظاهر الفساد الذي
تجلت في القائمة الثانية هي اندثار أسماء لكبار الفاسدين الذين تغولوا في زمن
الاستبداد و قهروا الشعب و نهبوا المال العام و استرزقوا بطرق غير مشروعة
حيث ذكرت القائمة الأولى الصادرة بتاريخ 25 فيفري 2011 كل من محمد
الدواس و الذي جاء ترتيبه في القائمة عدد 53 و الياس بن علي صهر كمال
مرجان و عدده 31 و نبيل بن عبد الرزاق الطرابلسي و عدده 109 … و الجدير
بالملاحظة أن ثلاثتهم استثروا زمن دولة الاستبداد و نهبوا
و استحوذوا على العقارات … حيث شملتهم القائمة الأولى و أسقطتهم
القائمة الثانية فجأة و لغاية في نفس يعقوب …و السبب حسب مبحثنا
الرشوة المساقة و الأموال المسربة تحت الطاولة و التدخل من بعض الأطراف المشرفة
على تحديد القائمة … بل حتى آن اسم محمد الدواس علاوة على كونه لم يذكر كاملا
و دقيقا في القائمة الأولى فقط بل سقط تماما في
القائمة الثانية مع العلم أن اسمه الثلاثي هو محمد الحبيب الدواس
3/ حشر موتى لا أملاك لهم
و من أبشع
الغرائب و أغرب عمليات الفساد و التلاعب و أقوى الخدع التي استنجدت
بها لجنة المصادرة عن تحديد أسماء القائمة الثانية هي الزج بأسماء
للموتى لا أملاك لهم و لا مال لهم لا لأنهم لم يستثروا من دولة الفساد
بل لان المنية خطفتهم و راحت أرزاقهم و أموالهم و ممتلكاتهم إلى أبنائهم
الذين لم يذكروا بالمرة في قائمة المصادرة … و الغريب في
الأمر أن اللجنة قصدت فعلا عدم التنصيص على كلمة مرحوم أو مرحومة في
القائمة الثانية لإيهام الناس أن المذكورين لا يزالون على قيد الحياة.
4/ متوفية تحولت الى
شخصين ؟؟
المسماة
حورية بن علي زوجة المرحوم العجمي الدواس ووالدة الفاسد محمد الدواس و
التي لئن سقط أسم ابنها المسمى محمد الحبيب الدواس من القائمة و اندثر اسمه
تماما فإنها عوضته هي و جرت معها زوجها العجمي الدواس … و الغريب في
الأمر أن حورية و زوجها متوفيان و أن ابنهما محمد الدواس الذي ورث أملاكهما قد سقط
من القائمة المصادرة … و السؤال لماذا ذكر اسم حورية و اسم زوجها
العجمي دون أن تورد عبارة مرحومة و الحال أنها متوفية و أن لا ملك لها
فقد تحوز على أملاكها أبناؤها .؟؟ وهو نفس الشأن لزوجها أيضا ؟ و ما
عملية تنزيل اسمها و اسم و زوجها إلا للمبالغة و التضخيم و لكن الأهم من كل هذا
التستر على ابنها محمد الدواس الذي اسقط تماما في القائمة الثانية؟؟؟؟
5/ التلاعب بالأسماء و الألقاب
لم يكن
الفساد ليعرف حدا له في القائمة الثانية للمصادرة و التي حملت 112 اسما
ممن صودرت أموالهم و أملاكهم بل امتد حتى وصل التلاعب في الأسماء و الألقاب و
المراكز… حيث عمدت اللجنة و هذا بارز و جلي في تغيير مراكز ترتيب العديد من
الأسماء من جهة و من أخرى عمدت إلى التلاعب في الألقاب حيث ذكرت على سبيل
الذكر ” اسم كريمة بن حسين ” في القائمة الأولى ” و كانت في
القائمة الثانية :” كريمة بنت الصادق بن بوبكر المهدوي” و التساؤل الجوهري في
هذا الباب هو :من أدرانا أن كريمة بن حسين هي نفسها كريم المهدوي ؟ أليس في الأمر
لبسا و غموضا و تلاعبا ؟؟؟
ثم لم ينته التلاعب إلى حدود الألقاب بل وصل أيضا إلى الأسماء حيث ذكرت القائمة الأولى علي الطرابلسي فيما تحول اسمه في القائمة الثانية “ليون” …و السؤال المطروح ايهما الاسم الصحيح و ما هو اسم الشهرة ؟؟؟
6/ أسماء متشابهة
أوردت قائمات
المصادرة و خاصة الأولى منها الصادرة بتاريخ 25 فيفري 2011 أسماء غير
محددة كذكر مثلا محمد الطرابلسي و الكل يعلم أن اسم محمد
الطرابلسي هكذا يوجد منه المئات أن لم نقل ألافا … و بالتالي فان
التنصيص على الاسم هكذا دون التحديد يعد مدخلا للتلاعب الفاضح
و منفذا سهلا للفساد و الابتزاز
7 / أسماء لم تذكرها أصلا قائمات المصادرة
لم تتضمن
القائمة الأولى و لا الثانية و لا حتى العشرين أسماء لرموز الفساد الذين طغوا
في البلاد و أكثروا فيها الفساد بل تحصنوا بالفرار من مصادرة أملاكهم و
أموالهم وظلوا يرتعون في رغد العيش بعد الثورة … فلم تأت
القائمة لا على اسم بشير بن علي و لا محمد العفيف
شيبوب و لا سعيد بوجبل و زوجته جليلة الطرابلسي و لا على نجيب
اسماعيل و المهدي نصرة نجل العربي نصرة و زوجته غيرهم كثر… كما أن
القائمة لم تشمل أزواج بعض الفاسدين الذين صودرت أملاكهم و تغافلت عن
التنصيص عن زوجات العديد من الآخرين على غرار زوجات كل من نوفل
و عماد و محمد منتصر أبناء نعيمة بن علي وزوجة قيس بن علي و
غيرهم … و أما الغريب فان عديد الأسماء الأخرى لم تذكر بالمرة رغم قربها الموغل من
النظام الفاسد و على رأسهم الهادي الجيلاني صهر المخلوع ثلاثي الأبعاد
الذي لم يغادر منظمة الاعراف إلا بعد آن طهر نفسه و حصنها من المحاسبة و
العقاب … و أيضا عددا من وزراء بن علي على غرار زهير المظفر و عبد الرحيم
الزواري و سليمان ورق و كمال مرجان ؟؟؟؟
قائمة حبلى
بالتلاعب …تتعرّق من فوق إلى تحت… ورائحة الفساد أزكمت الأنوف …
رشاوى
على الحساب
لما
أكدنا أن لجنة المصادرة آتت على أضخم عملية فساد في تونس لم يكن من
باب المبالغة و إنما من باب إبراز الحقيقة حيث قالت الرشاوى كلمتها
الفصل في تحديد الأسماء و نذكر على ذلك مثالا إذ طالب احد المحسوبين و المتداخلين
فوزي بن علي ما قيمته 300 ألف دينار حتى يندثر اسمه منقائمة المصادرة …
و الجدير بالذكر أن القائمة على الأقل لم تشمل ¾ الفاسدين و من علاقات
قرابة مصاهرة بعائلة المخلوع و قد يبلغ عددهم دون منازعة 400 نفرا أو ما
يزيد …
و المعلومات
التي استقيناها من بعض المصادر تؤكد أن عملية عدم ذكر اسم شخص ما
في قائمة المصادرة أو إسقاطه من القائمة الثانية مكلفة جدا
ماديا إذ تتراوح مبالغ العمولات المدفوعة إلى الأطراف المتنفذة بين تراوحت بين 300
ألف دينار و100 مليون دينار حسب درجة الثراء وقيمة الأملاك المتحوز عليها… و
بعملية بسيطة نخلص إلى أن الرشاوى الممنوحة في هذا الإطار قد تكون
فاقت 300 مليون دينار دفعت في جزء كبير منها في شكل إحالة ملكية عقارات أو تحويلات
بالعملة الصعبة لحسابات سرية خارج البلاد…
مسؤولون
متورطون
المؤكد أن
عديد الأشخاص تورطوا في هذه عملية البيع و الشراء القذرة و قد يكون
رؤوساء اللجان أولى المتورطين علما أن اللجنة الأولى ترأسها عادل بن
إسماعيل و الثانية آلت إلى نجيب هنان … ثم إن قائمة
المصادرة الثانية و التي شملتها التلاعب اشر عليها كل من زعيم الخراب فؤاد
المبزع رئيس الجمهورية المؤقت و رئيسا الحكومة السابقين محمد الغنوشي
و الباجي قايد السبسي و وزير المالية جلول عياد و محافظ البنك المركزي
مصطفى كمال النابلي ووزير أملاك الدولة احمد عظومة … فهذه الترسانة من
الشخصيات قامت بمساندة هذا العملية القذرة سواء من قريب أو من بعيد و لا
يستبعد تماما استفادتها من عمولات فاقت 300 مليون دينار …. و
القائمة المعتلة التي برزت للعيان لم تعالج على زمن ما بعد الثورة ولم
يتحرك الوزير بن حميدان و لا جماعته قيد أنملة لتصحيح المسار و معاقبة
المتلاعبين بل انتهجوا نفس السياسة الركيكة في التستر على الفساد؟؟؟
حقيقة آه ثم آه …
أترككم تمعنون البصر في الجداول… لقد عجز قلمي عن المواصلة و التواصل ؟؟؟
تقي الدين حنين















Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire