mardi 24 janvier 2017

يوميات معتقل من سجن المرناقية مغامرة «الكونفة»... السجين الرحّالة




في سجن المسعدين استقبلني السجناء والعسس، جميعهم يسمعون عن الثورة نيوز ويقرؤون لها... استقبلوني في حماسة وتعاطف... بعضهم يتطفل ليرى مدير الصحيفة الموقوف لأجل ما نشره من مقالات... المكان لم يرق لي رغم أنهم بذلوا جهدا لتوفير الحد الأدنى من الراحة... السجانون يميزون تماما في معاملاتهم بين سجناء الحق العام وسجناء السياسة والرأي... انه يبدي إليك احتراما وتعاطفا يقارب الفخر... وجاءتني القفة مليئة بالطعام ... أرسلته شقيقتي وشقيقي من هناك من سوسة...حيث يقيمان... وجاءني كذلك دثار وغطاء وألبسة... الدعم موجود والأهل نعم الأهل في السراء والضراء... أنا تربيت في عائلة تؤمن بالتضامن والتآلف والرجولة والمروءة... لذلك أعسر على الأعداء ان يصيبوني في مقتل.
مر يوم الاثنين سريعا وفي يوم الثلاثاء 10 من جانفي لسنة 2017 ذهبت إلى مكتب التحقيق لتقديم أقوالي بخصوص شكايات تقدم بها أشخاص كانت صحيفة الثورة نيوز قد نزلت بخصوصهم مقالات... هؤلاء كانوا يرون في ما نشرته الصحيفة إساءة إليهم .. قد يكون هذا صحيحا لكن جميع من اشتكى لا معرفة لنا بهم في السابق... ولا تجمعنا بهم عداوة ولا ثأر... ما عدا أن الصحيفة تختص في كشف ملفات الفساد... قد تخطئ الصحيفة وقد تصيب ... غير أننا أصبنا أكثر مما أخطأنا.
المهم أن التحقيق استمر على مدار يومين... قدمت فيهما أقوالي... وهي قضايا تخضع للمرسوم 115 من قانون الصحافة والنشر... وكنت فيها بحالة سراح... وأثناء التحقيق كنت قد استدعيت كشاهد... وتبين صحة كثير من الملفات المنشورة عن شبهات فساد ثابتةة لا لبس فيها.
في المحكمة استقبلني الجميع بحفاوة رجال الأمن والكتبة وكثير من المحامين ومن القضاة... الجميع يتابع خلفيات الصراع ضد لوبيات الفساد التي يتزعمها شوقي طبيب وعصابته.... أنا جئت إلى محكمة سوسة حتى أسدّ عليهم كل المنافذ القانونية تلك التي يريدون الدخول منها.
أنا موقوف الآن على خلفية حكم صادر عن المحكمة العسكرية غير المختصة في قضايا الصحافة... انه حكم العار والشين... حكم ظالم جائر وخارق للقانون... لذلك حين دخلت إلى محكمة سوسة دخلتها مرفوع الرأس لأنني لست مسجونا لسرقة أو احتيال أو ابتزاز أو قتل أو رشوة... أنا مسجون لأنني نشرت مقالات عن الفساد.


وفي مكتب التحقيق حضر معي المحامي جلال الهمامي والمحامي البغدادي الغضباني وهما من صداقاتي القديمة والراسخة...أكملنا المهمة ونظرنا في جميع الملفات وانطلقت يوم الجمعة عائدا إلى سجن المرناقية انتظر فيه محاكمتي لدى الاستئناف العسكري.
 كانت زيارة سوسة ذات معاني أخرى... هي زيارة لسجن آخر لست اعرفه من قبل... تنضاف فيها تجربة أخرى عن عالم السجن الغامض... بؤس وقهر وسلب للحرية باسم تطبيق القانون.
هذا القانون الأعرج تحتكره أقلية تمسك بالسلطة... وتريد أن تنفذ بالقانون مصالحها ومصالح حلفائها... حين اخرج من هذا الكهف سأعلن في الناس ما خفي فيه... ولعل المفارقة أن كثيرا من سجناء السياسيين لم ينتفض ضد أحوال السجون في تونس... حتى من امسك منهم بالسلطة لم يسع إلى تغيير أحوال الحبس.
عدت إلى تونس صباح يوم الجمعة 13 من جانفي لسنة 2017... قبل يوم واحد من ذكرى 14 جانفي 2011 ... في الطريق تذكرت مظاهرة 14 جانفي أمام مبنى وزارة الداخلية كنت موجودا فيها صحبة شقيقي... كانت فرحة عارمة حين سقط نظام بن علي... تراكمت تلك الحوادث في مخيلتي.... تذكرت موقعا الكترونيا شاركت من خلاله في أعمال الثورة وفي حث الناس على التظاهر ضد النظام.


كنت أنا ممن آمن بالثورة وفي إمكانية قلب الواقع البائس للتونسيين... ها أنا الآن أدفع ضريبة الشرف والالتزام بالمبادئ والأخلاق... القضاة الذين حاكموني يعلمون في سرائرهم أنهم كانوا أداة تنفيذ لتعليمات سياسية .... وأنهم لم يحترموا إجراءات القانون والعدالة... 9 أشهر سجنا لأجل مقالات تنتقد صفقات تسلح عسكرية... كان ذلك إرضاء للوبيات الفساد التي يقودها شوقي طبيب ومن معه.
سوف استمر في الكتابة حتى الممات.. لن أتوقف... ومن السجن اكتب وانشر... قوة القلم أقوى من سياط الجلاد.
 أنا أتوقع انتفاضة اجتماعية قريبة قد تحدث في ظرف شهر وقد تتأخر لسنوات.. هنالك شعور عام بالإحباط لان التونسيين انتفضوا ضد بن علي غير أنهم بعد 6 سنوات ازدادوا بؤسا وفقرا وتهميشا.... قد يؤدي ذلك إلى انهيار وشيك ... لان الدولة إذا ما ترسخ الظلم فيها فان ذلك مؤذن بخراب العمران.
 حين دخلت إلى سجن المرناقية استقبلني الجميع في ترحاب... أسئلة حرّى عما وقع في "الكونفة" أو رحلة السجناء... عن أسرار الرحلة ا في عالم الاغتراب بالذات... الكونفة كانت تجربة لعالم غامض... يرسلوك من مكان إلى آخر لمتابعة القضايا... كانت القضايا غير مستعجلة لكن ضغوط لوبيات الفساد بقيادة العراب شوقي طبيب والغلام بن تيشة ووجه الشر رؤوف خلف الله كانت تريد أن تتآمر ضدي من خلال تلك القضايا التافهة.


رؤوف خلف الله

 وكان الانتقال من سجن إلى آخر فيه تحولات وتغيرات... السجن الجديد غريب بالنسبة إليك... أنت غريب فيه... يرفضونك في البدء... أنا لم ارفض لان السجناء كانوا يعرفون بعض خبايا الثورة نيوز... وجدت من السجناء من اعرفهم رجال أعمال موقوفون في قضايا صكوك وموظفون... من أبناء بلدتي بمنزل كامل.... ومن سوسة والمنستير ... الجميع رحب بالثورة نيوز هذه الصحيفة التي أقضت مضجع كبار اللصوص في الدولة.
 حين عودتي دخلت المرناقية دخول الفاتحين... قوة الشخصية أن تنتقل من مكان إلى آخر وان تكون مؤثرا في الناس مقنعا ومنتصرا... في السجن كنت مؤثرا في الناس من حولي... لأنهم يعلمون يقينا أنني لست لصا ولا سجينا في قضايا الحق العام وفي قضايا الفساد.
 استعدت موضعي وفراشي في غرفة السجن واستعدت مكاني كقائد سياسي في السجن... الجميع يحترمني... كنت ناصحهم في القانون والسياسية وشؤون الحياة... وكنت أتأهب لتجربة الاستئناف لدى القضاء العسكري الظالم.


 جاءتنا أخبار إلى السجن عن تحركات اجتماعية في المكناسي ومنزل بوزيان وبن قردان... كنت أتوقع ذلك... ما هي قدرة الحكومة على امتصاص غضب الناس.. بعد 6 سنوات من الثورة اغتالوا تلك الثورة... واغتالوا الوطن... الناس ضجوا وأصابهم اليأس من طبقة سياسية فاشلة وسارقة وانتهازية.
 تلك الاحتجاجات يمكن امتصاصها ظرفيا لكنها سوف تتجدد... وبالإمكان أن تتطور إلى اضرابات أوسع... الطبقة السياسية التي تمسك بالحكم تعلم أنها تكذب على العامة من الناس... وأنها تبيعهم الأوهام... أنا حبسوني في السجن كي يمنعوني من نشر ملفات فسادهم.
 السبسي فاز بالانتخابات وها هو يحول القصر إلى مزار لعائلته، عائلته طرابلسية جدد... ابنه حافظ استغل نفوذ أبيه كذلك أصهاره.
 الغنوشي أيضا تحول إلى كبير الأثرياء... الرجل يمارس الحكم باسم نضالات الإسلاميين الأحرار الذين قتلهم الفقر والحرمان.
يا بؤس العالم ... يا تعس الحياة هذا الوطن مغلوب على حاله الناس جياع عراة حفاة ... لا عمل ولا شغل ولا أمل... ويوسف الشاهد يزور جبال الشمال الغربي ليلتقط صورة مع عجوز فقيرة بائسة... يتظاهر بحرصه عليهم وهو من الكاذبين.


تابعت من السجن اطوار الاحتفالات بذكرى 14 جانفي.... كانت احتفالات باهتة وباردة بلا روح... الناس ما عادت تعنيهم تلك الاحتفالات ... انها تذكرهم بحدث اغرقهم في الهاوية... ذهب بن علي لكنهم كانوا يريدون خيرا للوطن.
الوطن قتلوه سرقوا بيضه وقمحه وزيتونه... ماتركوا ضرعا يحلب... الطبقة السياسية تريد ان تمارس الحكم ولا تريد ان تحقق عدالة في توزيع الثروات بين العامة... الناس في فقر وجوع والسبسي يكذبهم... ماذا فعل؟ ذهب الى قفصة ليدشن معصرة زيتون... بله السياسة؟
السبسي يعلم انه لن يقدم لهم شيئا انه جزء من نظام قديم يريد ان يستمر ... تسانده في ذلك لوبيات الاموال والاعلام... الغنوشي تكلم في القناة الوطنية... فحدث الناس عن الحريات والدستور ... هذا كلام تافه ... الغنوشي يرفل في رالحرير والسيارات الفارهة والاموال والقصور .... انظروا الى مناضلي حركة النهضة من قدماء المساجين.... انهم طبقة سحقها التاريخ بؤس وفقر ومذلة.... من استفاد من شرعية النضال الغنوشي وحاشيته نور الدين البحيري ولطفي زيتون ورفيق عبد السلام وسيد الفرجاني ... اغلب قدماء المساجين من الاسلاميين يعيشون الفاقة والحرمان.
تلك هي لسياسة تحرق الفقراء ويركبها الانتهازيون.


كنت من بين اولئك الذين قالوا بان الثورة ضد بن علي قامت ضد اللوبيات التي استفادت من نظام بن علي... سقط بن علي لكن لوبيات الفساد استطاعت المقاومة والاستمرار... انهال وبيات تتلقى اسنادا من الخارج والقوى الالقيمية .. هي قوى مرتبطة بالاستعمار الجديد.
ربما قد يخفت الاحتقان في الشارع لكنه يمكن ان يعود في كل مناسبة... لان الضمير الجمعي لا يتحرك وفق قانون فيزيائي رياضي... التحركات الاجتماعية مثل الزلازل لا يمكن التنبؤ بها انها عفريت متى انفلت من عقاله فانه الخراب.
اخبرتهم في السجن اثناء حلقات النقاش بان عمر هذه الحكومة سيكون قصيرا جدا... لانها تحمل بذور فنائها .... وان ما يقوم به يوسف الشاهد ليس سوى العاب بهلوانية سيئة الاخراج... لقد وضع في منصب ليس له وليس من حجمه.... انظروا الى خطاباته الرديئة بالعامية المبتذلة ليس فيها فرق بين جلاس المقاهي ورئيس حكومة عييّ لا يحسن الخطابة.
ثم اعلن الرئيس المفدى عن اصداره عفوا عن 3 الاف من المساجين... هذا العفو الاستثنائي هو من الاختصاص القانوني لرئيس الدولة... ابلغني كثير من المساجين أن تلك القوائم تعد في دوائر خاصة وفيها تدخلات لإخراج فلان أو فلان.... رغم وجود بعض الشروط القانونية... هذا العفو الرئاسي يخص مساجين الحق العام.


 خاطبني احد السجناء عن إمكانية صدور عفو في حقي، فأجبته:" يا هذا أنا لا يشرفني أن أخرج من السجن بعفو من الباجي... هذا عار، أخيّر أن أبقى الدهر كله هنا على أن اخرج من السجن بعفو من رجل خدع كل التونسيين، وكان هو سببا في تأخير بناء دولة وطنية ديمقراطية... أنا سأقضي مدة الحكم الظالم بشرف وسأكون شوكة في حلوقهم ما بقيت."
 كانت أيام البرد الأخيرة قاسية على السجناء... لان السجن بلا أجهزة تدفئة... مع ارتفاع جدرانه ووجود فتحات ثابتة قرب سقف كل غرفة.... تلك الفتحات هي عبارة عن نوافذ مفتوحة إلى الأبد لا تنغلق... كانت تلك الفتحات سببا مباشرا في أمراض وعلل السجناء... أنا بذاتي أصبت بنزلة برد شديدة... انه برد قاس... تحتاج معه إلى دثار وأغطية، لكن البرد لسّاع.
 كيف لإدارة السجن أن تترك تلك الفوهات مفتوحة صباح مساء، وفي زمهرير الليل الشتوي البارد... انه حكم بالإعدام والموت لأولئك المساجين.
 ومع ذلك البرد القاسي كان التبغ مفقودا داخل السجن إنها أزمة في التبغ... لان قانون السجن بائس بائس.. فما معنى أن يخصص للسجين الفرد 4 علب في الأسبوع.. إنها مصادرة للحرية بلا معنى... إنها اعتداء على اختيارات الشخص الإنسان في أن يفكر وهو يدخن... صار التدخين مزية يمنحها لك السجان.


كانت أزمة برد وأزمة تدخين في سجن واسع يحتجز آلاف السجناء.. انه المنفى داخل وطنك... انه الإقصاء والقهر باسم القانون... انه عقاب لأجل العقاب.
ما جريمتي أنا في هذا؟
 جريمتي أنني فضحت فساد تجار السلاح في تونس ومصاصي دماء الشعب الكادح... انه شعب مطحون يبيعه آباؤه إلى الأجنبي... ويشترون بماله سلاحا فاسدا لقاء عمولات فساد.
 في الأثناء ابلغني السجان أن إدارة الأبحاث المركزية بالعوينة تريد أن تستمع إلى أقوالي في قضايا الصحافة بعد أن أحالت النيابة العمومية إلى الحرس مهمة إتمام إجراءات السماع.


 كنت رفضت رفضا قطعيا المثول أمام عناصر من الحرس... لسبب بسيط وهو أن الثورة نيوز نزلت مقالات تتعلق بفضيحة عملية المنيهلة الإرهابية... صارت إدارة الحرس الوطني جزءا من الصراع القائم... آمر الحرس لا مشكلة لي معه بل أنا اعرفه واعرف شقيقه... لكن مقتضيات الصراع ضد لوبيات الفساد وضعتنا في طريقين متعارضين.. آمر الحرس حليف لكمال اللطيف ونور الدين بن تيشة ورؤوف خلف الله... وهم أعدائي الموضوعيين... ولا يمكنه أن يكون صديقا لي وعدوا في ذات الان.
 كان نشر تفاصيل عملية المنيهلة الوهمية ضروريا وحاسما لكشف لوبيات الفساد.. من أراد المواجهة فهي مفتوحة وكل شخص له مخالب يدافع بها عن نفسه.


 أنا سوف أسير طويلا في هذا الصراع المضني... والاهم أن تيارات الريح سوف تتبدل.... سأكون قاسيا جدا مع وجوه الفساد خاصة منها عراب الفساد الأكبر في بلدي شوقي طبيب وزبانيته.


 سوف يكتب التاريخ أن مدير إحدى الصحف الاستقصائية قد سجنوه لأنه أقضّ مضجعهم بمقالاته الدقيقة والصحيحة... هي مقالات تكشف جوهر الفساد... مضى الآن 4 أشهر تقريبا منذ سجنت... ماذا فعل شوقي طبيب هل سمعتم انه كشف ملفا لسارق من كبار السراق ... أبدا لن يفعل لأنه شبعان، متخم بالكسكسي بالمنّاني... هو من جماعات المنّاني أو سمك الأغنياء الشرهين.
من هناك ترى حكومة فاشلة تجر أذيال خيبتها جر الحائر الولهان... ماذا يفعل الولد يوسف .. لقد جاؤوا به كي يكون صورة جميلة لوجه غبوق... ليس اكثر... الشاهد مجرد ديكور... والمسكين احاك نفسه بمجموعة من المستشارين المعاقين فكريا بلا خيال ولا ابداع... حكومتنا تسير سير العميان في بلد يمتلئ بالحفر والاخاديد.


السبسي هناك في قصره قد فاز بالمتمنى... الرجل شيخ هرم... عجوز لا يعلم ما بقي من أيام عمره... لكنه صار ملكا يقف له االعسس والحراس كل صباح يسلمون على حضرة الباي.
هذا الباي كان بالإمكان أن يكون أفضل لو منع ولده حافظ عن السياسة... دخول حافظ إلى السياسة حطم حزب النداء... حافظ من حقه أن يمارس السياسة لكن ما دام والده رئيسا فان كل ما يفعله محسوب على أبيه.
التونسيون كرهوا العائلات والأصهار... بورقيبة قدم لهم أنموذجا في الحكم فريدا من نوعه... بورقيبة ابعد ابنه عن دواليب الحكم حين شعر أن العامة صارت تبحث عن الحبيب الصغير.
الباجي لم يتعلم الدرس.

 السجين الذي بدلوا رقمه



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire