mercredi 28 décembre 2016

قراءة في المشهد السّياسي التونسي



إن المتأمل في المشهد السياسي التونسي يلاحظ أمورا متضاربة .فمن ناحية أولى هناك حياة سياسية نشطة وحرة تفوق ما هو موجود في كل الدول العربية.ومن ناحية ثانية هناك فوضى سياسية عارمة .فمعظم الأحزاب تعيشا انقطاعا عن الواقع والمجتمع.وأكثرها يعرف اختلافات عميقة تصل حد الانشقاق يعقبه انقسام يتلوه اختلاف جديد. وعرفت الساحة كما هائلا من سياسيين لم يعرف لهم نشاط زمن الاستبداد.ومع ذلك يقدمون أنفسهم على أساس أنهم قيادات ومناضلون. 

وتعود أسباب هذه الفوضى إلى أمرين .يتصل أولهما بالعهد السابق .ويعود الثاني إلى أسباب بنيوية تخص الأحزاب نفسها.ففي عهد الاستبداد بدءا ببورقيبة ووصولا إلى المخلوع منعت الأحزاب من النشاط بحرية .فمنعت الأحزاب اليسارية والإسلامية والقومية .ولم يسمح إلا لأحزاب كرتونية باستثناء الحزب الديمقراطي التقدمي.منعت هذه الأحزاب من التنظم ومن التطور الطبيعي فعاش أكثرها في السرية .فلم تجد الوقت كي تعرف كيف تسير الدولة ولم تدرك جيدا ملفات البلد.وكان الاستثناء هو الاتجاه الإسلامي الذي نشط بعيدا عن أنظار السلطة بين 1970و1981.فتمكن خلال هذه الفترة من تكوين قاعدة جماهيرية هامة.لكنها عاشت بعد ذلك في السجون والمنافي فأثر ذلك على بنيتها وهو ما سنطرق إليه بعد ذلك.

ثم جاءت الثورة التي لم يتوقعها الجميع تقريبا.فوجدت هذه الأحزاب نفسها أمام استحقاقات الانتخابات وإدارة البلد.فهذه الأحزاب لم تعرف الديمقراطية من قبل .ولم تستطع أن تكون ديمقراطية حتى فيما بينها .فمازلنا نتحدث عن الزعيم الملهم والقائد الأوحد.وظلت زعامات عديدة ترأس أحزابها منذ ثلاثين عاما وأكثر.وإن أثبت بعضهم دهاء وحنكة .فقد راكم بعضهم الأخطاء وكان سببا في تدمير حزبه.

ورغم مرور ستة أعوام ، فإن الساحة السياسية لم تهدأ بعد .ولم تأخذ الكتل الكبرى شكلها النهائي.ومع ذلك يمكن التأكيد على بداية تبلور كتل تمثل النظام السابق والإسلاميين واليسارين والقوميين والوسطيين.

نداء تونس: 
حزب تكون على عجل .وميزته أنه لم ينتظر كثيرا لتسلم الحكم .فقد تأسس في 2012.وحكم في نهاية 2014.أسسه سياسي محنك خبر السياسة منذ ستين عاما.وتمكن من تجميع دستوريين ويساريين وفرانكفونيين .وتعمد الدساترة ألا يظهروا كثيرا .ودفعوا باليساريين إلى المقدمة.وفي الانتخابات اشتغلت الماكينة القديمة .وربحت الانتخابات.ورأى الدساترة أنه من غير المعقول أن تكون الماكينة ماكينتهم ورجال الأعمال رجالهم ، وأن تكون معظم القيادة في يد اليساريين.وبدا أن المعركة قادمة بينهما.وزاد الطموح الجارف  لمحسن مرزوق في التعجيل بذلك.فقد شخص بعينيه إلى المنصب الأسمى .فاستشعر الباجي الخطر.فأخرجه من القصر.وحاصره داخل الحزب حتى دفعه إلى الانشقاق عن الحزب وتأسيس حزب المشروع وقد تبعه نحو ربع النواب.

مشروع تونس: 
ضم اليساريين ومن يرفضون أي علاقة مع النهضة.ويظن محسن مرزوق ومن معه أن هذه النقطة قد تكسبه جماهيرية كما حدث في انتخابات 2014.ويرى محسن مرزوق أن زمنه أزف باعتبار تقدم العمر بأهم السياسيين الذين تجاوزت أعمار أغلبهم السبعين.عرف منذ الجامعة بحب الزعامة وبالخطابة والطموح الجارف.ولئن بدا عامل السن لصالحه فإن السؤال المطروح هو : هل سيستطيع ربح الانتخابات دون الماكينة القديمة.إن استولى محسن عليها فسينجح في الانتخابات القادمة .وسيحكم تونس.وإن لم يفتكها فسيكون حزبه حزيبا صغيرا كمعظم الأحزاب.هل هو قادر على ذلك.؟ ننتظر ونرى.

حركة النهضة: 
عادت إلى الحياة السياسية بعد عشرين عاما من السجون والمنافي.يحسب لها أنها تمكنت من إعادة تنظيمها خلال أشهر.ودخلت الانتخابات وربحتها.لكنها ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا حين قررت أن تحكم بعد ثورة.فمن المعلوم أن معظم الأحزاب التي تحكم في هكذا ظروف فإنها تفشل بعد ذلك.لأن مطالب الشعب كبيرة والإمكانيات قليلة، إضافة إلى كثرة الإضرابات وتراجع الإنتاج والاستثمار.تعقدت وضعيتها بعد الانقلاب على الإخوان في مصر.لكنها غادرت الحكم بعد أن رأت أن اللحظة الزمنية ليست مناسبة لها.راهنت على الوقت وربما على الخصومة في صفوف خصومها.تفككت جبهة إنقاذ تونس.وتشقق النداء في مناسبتين.وقد يحدث قريبا تشقق خطير في الجبهة الشعبية.بعد الانتخابات كانت كتلة النهضة في المرتبة الثانية .واليوم هي الأولى.واحتاجت حكومة الصيد والآن حكومة الشاهد إلى دعمها.ويرى البعض أنها تتعافى مقابل تفكك خصومها.مشكلتها أنها لم تستقطب إلا عددا قليلا من الشباب مقابل تقدم السن بمعظم منخرطيها ويعود ذلك إلى الضربة التي تلقتها من النظام.أما نقطة ضعفها الاخرى فهو ضعفها الإعلامي الفادح.

الجبهة الشعبية: 
مثلت تجربة الجبهة الشعبية في تونس نموذجا مهما.فاليسار التونسي الذي طالما عانى من التشرذم ، تمكن من التكتل في جبهة وفاز ب15 مقعدا بمجلس النواب.تستمد جزءا من قوتها من حضورها القوي في اتحاد الشغل.لكن مشكلة الجبهة أنها تجنح دائما إلى المعارضة وهو ما جعلها خارج دائرة الحكم.وهو ماتفطن إليه جماعة الوطد الذين بدؤوا يغيرون استراتيجيتهم.وما تواجد البريكي في الحكومة إلا دليل على ذلك.هناك إمكانية كبيرة لمشاركة أوسع للوطد في الحكومات القادمة .وهنا سيكون حزب العمال مجبرا على الالتحاق بها أو أن يكون الطلاق مع الوطد الذي سيغادر وقتها الجبهةالشعبية التي ستضعف حينها.فهل ستغادر الجبهة الشعبية المعارضة الأبديةوتكون فاعلا في المشهد السياسي؟ أم ستظل في مكانها .فيمضي القطار ويتركها؟.
 حميد عبايدية

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire