mardi 13 décembre 2016

يوميات معتقل من سجن المرناقية : في وزارة الحرشاني... قضاء العسكر يقتل الحريات




قضيت الآن في محبسي زهاء شهرين أو يزيد، المدة قد طالت وكنت اعلم أنها يمكن أن تطول أكثر، أنا أحارب رؤوس الأفاعي تلك الأفاعي التي تمتص الدماء من عروق شعب مطحون بائس... تلك رؤوس الفساد الحقيقي الذي تديره خلف أجهزة الدولة... فيتضح للبعض أن الدولة ذاتها هي المافيا لأنها تحمي كبار اللصوص.
كنت مقتنعا بعد تجربة طويلة أن مفهوم الدولة كما درسناه في المعاهد والجامعات هو ذلك الجهاز الضروري للاجتماع الإنساني وأنها هي الوازع الذي يزع الناس بعضهم عن بعض وان الدولة هي التي تحتكر العنف... كل تلك المفاهيم السياسية والفكرية تتهدّم إزاء الواقع... النظريّ شيء والواقع شيء آخر.
هذه الدولة التي اكتشفتها هي تشكيل معقد من العلاقات والمصالح المتحركة تخدم مصالح فئات على حساب فئات أخرى... ويستفيد منها دائما الانتهازيون والأقليات أما من يعيشون على المثل والأخلاق والمبادئ فإنهم مخيرون بين الموت آو التشريد آو السجن او الفقر ابد الدهر.
أنا في ذاتي اخترت درب المقاومة بالقلم... مقاومة الفساد من خلال صحيفة الثورة نيوز... كافحت لأجل هذه الصحيفة وأنفقت فيها من مالي كثيرا وأخذت هي زمنا من عمري وفكري... كنت مقتنعا ولا زلت بان اللصوص دائما جبناء لا يقدرون على المواجهة المباشرة، وأنهم أشبه بقطيع من الضباع الجائعة تقتات من الجيف التي تتركها الأسود.


في السجن كان الفضاء مألوفا، الآن ما عاد ذلك السجن في بداياته كما كان، أنا بذاتي قد ألفت المكان، تلك الجدران العالية والنوافذ البعيدة ورائحة السجن وأحوال المساجين وكل ما في الفضاء من أشياء وقوانين داخلية كل ذلك قد صار مألوفا.
كانت ذاكرتي تمتد إلى ماضيها تنبش فيه ذكريات الأنا، هذا الأنا المتسع لا يسعه المكان ولا الزمان... تذكرت طفولتي في غابات الزيتون في الساحل التونسي... كان غرسنا على بعد بضعة أميال من قرية منزل كامل في عمق الساحل... تذكرت صباحات الزيتون حين تشعل النار للتدفئة ويأتي العملة يتقربون إلى النار زلفى يبحثون عن بعض دفء... أولئك العملة كانوا مزارعين بكدح ذات اليد... حولتهم المدينة المعاصرة إلى خدم في النزل والملاهي أو حولتهم المصانع إلى قوة عاملة تذبح حتى النخاع باسم التطور... أولئك العملة هاجروا الريف والقرية وتركوا الزيتون.
كانت النار حين تشعل إيذانا بيوم آخر وكنت صغيرا التف إلى شجرة زيتون فتية ألقط حبها وأجني ثمرها في سعادة بريئة... كانت نسمات الغاب ورائحة الزعتر والشيح والصبار تملأ المكان... أحيانا تتراءى لك الطيور والأرانب ... لا تسمع إلا أنفاس الحياة البكر االصافية.... كنت أنا أعيش في مدينة سوسة وكان أبي يعود بنا إلى قريتنا على بعد 30 كيلموترا من سوسة نهاية كل أسبوع... كنت وإخوتي في فرح رومانسي لتلك العودة إلى الله ... قريتنا كانت عندنا هي الإيمان والسعادة والروح .. وكانت سوسة رغم جمالها وفتنتها لا تساوي شيئا إزاء سعادة الريف.
تتوقف الذاكرة أحيانا فتعاودك محنة السجن ثانية... السجن محنة ... وهي اعلى تعبيرات الأزمة... أقوم فيها بمراجعة للذات في تلك العلاقات الممتدة بين شرائح مختلفة من الناس... فيهم قلة من الرجال استمروا في مساندتي وفيهم جيش من المنافقين والخونة والكذابين... بل فيهم من دافعت لأجله حتى الموت فإذا هو نخاس كذاب.


دار الفوْت دورته وكنت اعلم أن النواة الصلبة التي تحيط بي قادرة على الذهاب بعيدا في المعركة ضد الفساد لأنهم لم يقدروا أنني قادر على الصمود... كانوا يريدون أن تتوقف صحيفة الثورة نيوز عن الصدور كانت هذه غايتهم تفاجؤوا بالصحيفة تعمل كما لم تعمل من قبل.... كنت في حريتي مكبلا بتلك العلاقات... الآن حررني السجن من تلك العلاقات الإنسانية التي تمنعك كثيرا عن إتيان الحقيقة... وكانت التدخلات تأتيني كل أن وحين تطلب مني أن أستر عن هذا وان أمتنع عن النشر في حق فلان... أو أن أتوقف عن نشر ملف فساد.
أحيانا كثيرة كان الفاسدون يتصلوا بي للشكر لأنني كففت عنهم فضيحة الصحيفة وكنت أعلن مقدار نفاق بعضهم... وفيهم مظلومون تحيط بهم الدسائس من كل صوب.


كان كمال اللطيف اخطر لوبيات الفساد التي تخترق الدولة وكنت أول من كشفه بعد سقوط نظام بن علي... أولى ملفات الفساد الحقيقي لهذا الرجل كتبتها أنا ثم انتشرت في فضاء الفيس بوك...ترتب عن ذلك أن سجنني الباجي قايد السبسي ... وقتها كان الباجي رئيسا للوزراء.... أمر الشرطة فقبضت علي أنا وابني وشقيقي.... بقيت في السجن 6 أيام ... ثم أطلق سراحي... لان الباجي كان وقتها قد انتهى ... خرجت من الحبس وألح كمال اللطيف في لقائي بعد زمن إلتقيته أدركت أن الرجل خطير جدا ... هادنني وهادنته إلا انه كان بعيدا عن الإيفاء بالوعد كان يتصل بي فيطلب حماية فلان أو الانتصار إلى فلان... وكنت دائما في الشق المعارض لاختياراته.
أدركت أن الرجل يدير شبكة من العلاقات المعقدة التي تخترق النفوذ في الدولة وانه كان على صلة وثيقة بالسفارة الأمريكية بل هو يفاخر بأن مسكن السفير يقع خلف داره وان والده هو الذي ابتناه للأمريكان.
كنت اقدر أن كمال اللطيف قد عاد إلى دائرة القرار... هو راهن على الباجي قايد السبسي... وفاز في رهانه ... أنا أيضا راهنت على الباجي كنت اعتقد انه سيعيد إلى تونس زمنها السعيد... كان الباجي يتشبه ببورقيبة وكان الناس في حنين انطولوجي لبورقيبة... ركب اللطيف تلك الموجة واستطاع أن يزرع حول الرئيس حاشية من كبار الفاسدين منهم شوقي طبيب ونور الدين بن تيشة وكريم بطيخة ورؤوف خلف الله... تحول قصر قرطاج إلى خلية من المتآمرين .


في الأشهر الأخيرة قبل سجني طفح الكيل بيني وبين عصابة كمال اللطيف وكان الرجل يتصل بي محاولا إخضاعي في ود ولطف... طلب مني مرات ومرات أن اكف يدي عن شوقي طبيب قال لي يوما:" شوقي طبيب رجلنا... نحن نعده لمرحلة مقبلة... "
امتنعت عن الخضوع... رغم أن كمال اللطيف سعى حثيثا إلى طي صفحة الصراع بيني وبين شوقي طبيب... أنا كنت مدركا أنني لا أصارع شخص شوقي... المعركة اكبر كانت محاولة لتدجين الصحيفة طلب مني كمال اللطيف أن ادخل في "السيستام"... وكان القصد أن أكون تابعا لدائرة القرار في السلطة يعني أن أكون خاضعا لنور الدين بن تيشة وكمال اللطيف وشوقي طبيب... رفضت في إصرار.


كنت أتابع عملية تدجين الإعلام الجميع من الإعلاميين بات لغة واحدة يمجد الحاكم الجديد ورئيس الحكومة الجديد ... هذا الإعلام يتحرك في دائرة واحدة... يدافع عن بيتروفاك وفسادها ويندد بالمعتصمين من شباب قرقنة أولئك الذين تنهب أرضهم باسم القانون.
هذا الإعلام التابع والخاضع إلى السلطة يهاجم أبناء جمنة لأنهم استصلحوا ارض أجدادهم يهاجمهم باعتبارهم مارقين على الدولة ... وهو ذات الإعلام الذي يدافع عن وزير فاشل ... وهو الإعلام الذي يسوق انتصارات مؤتمر الاستثمار.
لقد حولوا مؤتمر الاستثمار إلى "تليتون" للرحمة أو للتسول الجماعي باسم الدولة... ثم ماذا اخذوا لا شيء... وعود كاذبة لشعب مطحون.
كان مؤتمر الاستثمار احد اكبر الأكاذيب التي سوقها الإعلام التابع إلى الناس... وبعد أشهر سيكتشف عامة الناس بأنهم إزاء حكومة فاشلة وكاذبة لا تبيع سوى الوهم.


أنا الآن في المعارضة لأنني رفضت الخضوع والصمت...حتى ذلك الإعلام البائس الذي رضع من الذل دهرا هاجمنني وحاصرني... الإعلاميون باعوا ذممهم ورفضوا حتى مجرد الحديث عن صحفي مسجون.
وقد بلغني وأنا في السجن أن منظمة "هيومن رايتس واتش" قد أصدرت بيانا تندد فيه بالمحاكمات العسكرية في حق راشد الخياري وجمال العرفاوي... وهذه المنظمة التي تشرف عليها الحقوقية "امنة قلالي" تناست عمدا مجرد الحديث عن صحفي مسجون لدى القضاء العسكري في ذات التهم... يا لتعس الزمن... السياسة تساس بمكيالين.
أنا اعلم أن ضغوطا شديدة مارسها لوبي اللطيف والطبيب على تلك المرأة الحقوقية فدافعت عن صحفيين في حالة سراح وتغاضت عمدا عن صحفي مسجون بذات نصوص الإحالة... ذلك الفصل الاستعماري القمعي الذي ورثه المشرع التونسي عن المشرع الاستعماري الفرنسي اقصد الفصل 91 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية... إحالتي أنا في حالة إيقاف جاءت على خلفية هذا الفصل القمعي واللا إنساني.


أنا اكتب من سجني أن هذا الفصل كان ثغرة تركها النظام القديم ليعيد منها التأسيس للاستبداد الجديد... والقاضي الذي أذن بإيقافي لا يساوي شيئا في هذه المعركة انه يتوهم انه يطبق القانون ولكنه يؤسس للاستبداد ... انه عبد مأمور يظن انه يحمي المؤسسة العسكرية من النقد والمسكين لا يعلم انه بيدق في معركة اكبر منه... إنها معركة الحريات والوطنية في مواجهة الاستبداد واللا وطنية.
أما نيابتنا العسكرية التي تمثل القانون فإنها باتت تحت سيطرة مجانين السياسية يستخدمونها باسم القانون لتصفية خصومهم في الإعلام ولترهيب الناس .... إنها تدافع عن صفقات فيها شبهات فساد وهي صفقات أنجزها جهاز مدني متنفذ داخل وزارة الدفاع... والحرشاني المسكين لا دور له سوى تنفيذ التعليمات... أنا اذكر من أخبار الثقات أن الحرشاني كان دائم التردد على وكالة التعاون الفني لسنوات وهو رث الثياب يطلب إمكانية إيجاد عمل له في التعاون الفني... الآن الحرشاني قد تغول غير انه يظل تابعا للوبيات الحاكمة التي نصبته وزيرا... أنا لا أراني في معركة مع النيابة العسكرية أو قاضي التحقيق أو القاضي الجالس هذه أجهزة استخدمتها اللوبيات الحاكمة لتصفية خصومها في الإعلام.


أنا أراني في حرب مفتوحة ضد كبار اللصوص في الدولة هذه الدولة المنهوبة التي تسرق صباح مساء ويدفع فيها الفقراء والكادحون ضريبة الإثراء الفاحش لكبار السراق.
كنت اشتعل نارا في داخلتي.... لأنني محبوس في قيد اللصوص... أنا الآن سجين لأجل مقالات حبرتها ودونتها في صحيفة الثورة نيوز وهم يعاقبون الحقيقة...ما اثلج صدري ان مبيعات الثورة نيوز قد ارتفعت بشكل مذهل... هم أرادوا إيقافها عن النشر ففشلوا.
كان القاضي قد اخر الجلسة الى تاريخ 8 من شهر ديسمبر لسنة 2016 وكنت اتباع في السجن تلك التحولات السياسية داخل بلدي... انا في داخلتي وعي عميق بقضايا الوطن... أتنفس سياسية حتى أغرق فيها... كنت مولعا بالتنقيب عن أخبار التحالفات في السياسة والاقتصاد... هو عالم معقد... السياسة زوج المال والمال قوام الأعمال... الإعلام ذاته لا يتحرك إلا بالأموال... والصحافة لا يمكنها أن تكون حرة إلا متى حافظت على استقلالها المالي.
أنا قدرت أن أكون مستقلا عن لوبيات الأموال فأوجعت بعضهم حين كشفت خبيء أسرارهم... لقد استطعت أن أفك شيفرات لوبيات الفساد تساقطوا مثل الديمينو... انه عالم وسخ حتى النخاع... عالم بلا أخلاق.
طفقت أراقب الأوضاع السياسية في بلد يتهاوى... حكومة الشاهد تغرق وتغرق... وكلما أوغلت في الهروب إلى الأمام إلا وازدادت غرقا... يبدو أن الشاهد المسكين قد تلقى أوامر لتنفيذها ... هي أوامر قوى الخارج والقوى الإقليمية تلك التي تريد أن تحافظ على مصالحها في تونس.


لقد دخلت الحكومة في صراع ضد اتحاد الشغل تلك الصخرة العالية الصماء سينكسر مركبه إذا استمر في مصارعة الاتحاد... قال عبيد البريكي يوما أن الاتحاد ماكينة... هذا صحيح إنها آلة حديدية عملاقة واجهت زعامة بورقيبة في 1978 وفي سنة 1984.... والاتحاد هو الذي اسقط بن علي حين أعلن إضرابه العام ... والاتحاد هو الذي اجبر النهضة على التراجع عن الحكم والتسليم بالأمر الواقع... كل الأحزاب المعارضة وقتها اختبأت خلف جبة الاتحاد لإسقاط الترويكا.
ثم يأتي الولد يوسف يريد أن يقطع حديد الماكينة .. انه غرّ لم يقرأ التاريخ.
الباجي ثعلب مكار، يريد أن يحقق مكاسب وان يقلم أظافر الاتحاد... إذا نجح فقد فاز هو وانتهت تونس... وهو أمر مستبعد... وإذا ما فشل فانه سيمسح يديه في الولد يوسف، مثلما كان يفعل بورقيبة متى ما فشلت اختياراته الاقتصادية إلا ورمى فشله على رئيس وزرائه... فعلها مع احمد بن صالح وفعلها مع محمد مزالي.
كنت أشاهد في السجن نشرات الأخبار واقرأ بعض الصحف...وكنت استقرئ الآتي... هذه الحكومة سوف تنتهي الى الغرق... تونس لن تغرق... هذه الحكومة قد انتهت أعلنت موتها... لقد شرعت في استعداء قطاع المحاماة ... هذا الصرح الرفيع المناضل والمكافح ضد الاستبداد قد بدأ معركة مصيرية ضد السلطة القائمة... المحامون غاضبون والأطباء والصيادلة والأساتذة والمعلمون... ماذا بقي للشاهد... أحجار في الوادي يتأملها... انه يدافع عن رأسمالية محلية أنانية متوحشة ويدافع عن مصالح لوبيات فساد في الدولة... سوف ينكسر مسكينا.


كنت انتظر ميقات المحاكمة ليوم الخميس وكنت اعلم قوة حجتي وان الاتهامات بالإساءة إلى الجيش الوطني ما هي سوى ترهات... أولئك الفاسدون الذين يحتمون خلف أجهزة الدولة غلام القصر نور الدين بن تيشة، وعراب الفساد شوقي طبيب وشقيف السياسة كمال اللطيف وسنبل آغا رؤوف خلف الله... تلك عصابة السوء... هي عصابة تريد استعادة منظومة الاستبداد... أيامها معدودات.. سيتساقطون عند أول صدمة لحكومة الشاهد التي يتمترسون خلفها.
أرى في ما أرى أن السلطة الحالية قد استطاعت أن تدجن الإعلام... صار الإعلام خاضعا بالكلية باستثناء أقلية من الشرفاء رفضت الخضوع...باعوا ذممهم لقاء دريهمات... الثورة نيوز جزء من هذه المعارضة... لا يمكن لصحيفة تختص بمكافحة الفساد أن تكون خاضعة للسلطة... الفساد ينخر أجهزة السلطة.
إنهم يخافون خروجي من السجن... إنهم يخشونني... يتهيبونني حتى وأنا في السجن... وقد علمت أنهم انتدبوا بعض الزبانية للتحرش بصحفيي الثورة نيوز وما علموا ان تلك التضييقات لن تزيدنا سوى قدرة على المواجهة... في الحرب العبرة بالخاتمة.
كنت انتظر يوم المحاكمة 8 من شهر ديسمبر... أعلمني المحامي جلال والمحامية شقيقتي أن بالإمكان تأجيل المحاكمة... كان السبب هو الإضراب المفتوح للمحامين... كان فريق الدفاع معززا بمتطوعين وجميعهم من دعاة الحريات وحقوق الإنسان هم يواجهون الاستبداد كلما اطل برأسه... ذلك الاستبداد الساكن في رأس فرحات الحرشاني... ينتفض باسم القضائي العسكري الموقر.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire