vendredi 7 octobre 2016

ذئـــــــاب الافتراس





سيدور في مخيال القارئ أن حديثنا يتمحور حول حصّة وثائقية على منوال National géographique تصوّر حياة الذئاب في القارات الخمس لليابسة وطرق عيشها وسط الغابات وعلى سفوح الجبال، في حين أنّ عنوان المقال يلخّص ما يحدث ببلدي بعد ستة سنوات من ثورة الحرية والكرامة.
لقد أجمع رجال السياسة العالمية وأساطين القانون ونشطاء الجمعيات الحقوقية الدولية على أن الربيع العربي سطع من تونس التي آمنت بقولة ابن خلدون : «الدولة ذاهبة إلى الزوال بزوال الأسباب التي أدّت إلى ظهورها».
فلمّا اشتدّ الطمع وديست الكرامة والحريات وطغى الحاكم على الأفراد والمجموعات انكسر جدار الخوف وثار الشعب الجائع وفرّ الحاكم الخانع واستبشر العالم بانبلاج صباح مشرق لشعب مكلوم في كيان مهموم.
 وجادت الثورة المجيدة على بلدي بأشباه ساسة أعملوا الظلم والمحسوبية وتقاسموا البلد وصادروا أملاك شعبه ونهبوا خيراته وافترسوا حرياته كذئاب ابن آوى.


حيث بلغ الظلم أشدّه وخرُب العمران وزُجّ بأصحاب الفكر والرأي في سجون الظهران بتحالف بين مبيّض للمال الفاسد ومحتال السياسة والقضاء البائد، كيف لا والبلد على شفا حفرة بل وفي عمقها ينزف قهرا وتجويعا وتسويفا وحرمانا من أبسط مقومات الحياة بعد تعرضه للخيانة ممن انتخبهم لانتشاله من بوتقة الديكتاتورية وإرجاعه حقوق مسلوبة من الحرية بحمايته من سجون على شاكلة المرناقية والفلوجة والعامرية.
وها نحن اليوم نتابع عملية اختطاف لصاحب جريدة الثورة نيوز التي أربكت أشباه الساسة ومصاصي خيرات الشعب وخارقي القوانين وهاتكي الحريات حيث برزت مدرسة قانونية جديدة في تاريخ القضاء التونسي تسمّى بـ:»مدرسة التلجيم أو مدرسة الإيداع» بطلها ومنظرها قاض مآله جهنم وبئس المصير بما عمله من ظلم وتجنّي وخرق للتشريع السماوي والقانون الوضعي طمعا في مرضاة الساسة بحثا عن منصب شكورا.


فحيكت مكيدة بل جريمة دولة لبطل مغوار ومساند للأحرار ووفيّ للأبرار لما نبّه لفساد ينخر البلاد ويزيد شعبها معاناة من الأكدار. فصاحب الثورة نيوز كان قد نشر مقالات بشأن شبهة فساد في صفقات عمومية عقدتها وزارة الدفاع لشراء طائرات ومدرعات وناقلات جند وملابس عسكرية، فصاحب الجريدة لم يمسس من سمعة الجيش ولم يحقّر من نفسيات أفراده بل حرص على حماية الجيش كدرع للوطن وكان أحرى بالنيابة العمومية العسكرية أن تبحث في فحوى الصفقات عوض المسارعة بالزجّ بمنتقدها بالسجن لأنّ من عقد الصفقة موظف عمومي مدني ملحق بوزارة الدفاع وليس رئاسات الأركان ومنظوريهم مما لا يستقيم معه نصّ إحالة صاحب الثورة نيوز على قلم التحقيق كما أن المؤسسة العسكرية ليست محصنة ضدّ النقد البناء لأنها ملك للشعب ومنه وإليه وكل نقد وانتقاد يؤسس لحماية أرواح العسكريين كحماة للوطن ، فلنتذكر تلك المروحية التي قضى فيها نخب خيرة رجالات الجيش قبل الثورة جرّاء أعطاب ميكانيكية لمروحية كان قد طال عمرها الافتراضي.


حيث كانت للقضاء العسكري تعليمات عمودية من ديوان وزير الدفاع قصد تكميم فاه صاحب الثورة نيوز بإيعاز من رئيس منظومة الفساد عميد الصدفة ورئيس ما يسمّى بهيئة مكافحة الفساد صحبة لوبيات ترتع شمالا وجنوبا بالبلاد والتي ارتبكت من الملفات الحارقة التي تتناولها جريدة الثورة نيوز والتي رفضت التدجين والتمويل والاستقطاب لأنها صوت الحق وصوت المغتصبين وصوت التعرية لكلّ أنواع الفساد والانحراف والتلاعب.
لكن لقاضي التحقيق العسكري الصحبي عطية فقه آخر في القانون وباع آخر في الإجراءات القانونية كيف لا وهو من كرّس نظرية الافتراس وظنّ بأن صاحب الثورة نيوز شاة من قطيع وأصدر في شأنه قرارا بالحبس دون سماع واستماع عوض البحث عن أدلة البراءة وقرائن الإدانة وهي مهمته الأصلية التي حاد عنها مصدرا بطاقة قضائية مؤذنة بخراب العمران انتفت فيها الأسس القانونية وحضرت معها مظاهر العداء والكراهية أخذا بثأر من حبس الجندي المغدور ومن اغتصب حرية الشعب المقهور ومن داس على الدستور المبتور كيف لا وقضاء الاستثناء يطفو مجددا على الساحة القانونية في تحدي كامل لمرسوم الصحافة التي ظلت في مرتبة العدم لمّا أحجمت عن التشهير بخرق القوانين ونقابة الصحافيين التي اكتفت بالمتابعة السلبية والسياسة الانتقائية تجاه صحيفة وشّحت صدرها بالرفعة والمثالية زمن صمت ووجوم رابطة حقوق الإنسان التي تظاهرت بإعادة البنيان والانشغال بما أهمّ من حرية الإنسان في حكومة وحدة وطنية لا تعنيها مبادئ المواطنة والوطنية مشرّعة للاستبداد والعنجهيّة الأمر الذي سهّل تكريس نظرية الافتراس والإنفراد بالضحيّة في غياب كلّي للتشريع والشرعية وسبات للجمعيات المدنية وصمت للإذاعات والتلفزات الخاصة والرسمية التي أضحت تحرّكها أيادي الظلم والإمبريالية قصد خنق أصوات الحق والتضييق على دعاة الحق والكرامة والحرية.


هل يعلم الذين لا يعلمون أن سبب إيقاف صاحب الثورة نيوز هو مقال شجب اتفاقية بين وزارتي الدفاع والشؤون الدينية قصد بعث مساجد بالمؤسسات العسكرية لما طالب صاحب المقال بوجوب تحييد الجيش عن المعتقد ولما ضم صوته لكل من اهتم بالقضية كجمعية قدماء القادة العسكريين والتي راسلت رئاسة الجمهورية ونبهت من مخاطر العملية بروح وطنية بعيدا عن الإسلاموية.
فالخطر كل الخطر أن نحاسب المثقف على رأيه وقلمه وموقفه والأخطر من ذلك أن نزج به في غياهب السجون مقابل صمت الساسة المحترمين وأساطين القانون وبهتة الحقوقيين الفاضلين .
فلنؤد تحية عسكرية لمن سجن من أجل قضية وطنية وهو من خير البريّة خوفا على المواطنة والوطنية وبئس مصير الذئاب المهدّدة للجمهورية.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire