vendredi 11 décembre 2015

الحَشّاش ياسين إبراهيم يَغْتالُ وطنا




توفّي المدير العام للتعاون الإقليمي العادل بن علي صبيحة  يوم السبت  5 ديسمبر 2015 كَمَدًا وحُرقةً لما لقيه من عَنَت وعَسْف، على يدي وزير التعاون الدولي والاستثمار الخارجي ياسين إبراهيم... وفي سرعة مدهشة، تحوّل خبر الوفاة إلى قضية رأي عام... نبهتْ إلى هذا التصادم القائم بين رجل السّياسة المُتغطرس وبين رجل الإدارة المستقيل عن السّياسة.
  ما هي علاقة جهاز الإدارة بالسياسة؟  قد يُوجد تداخل بين رجل السياسة  المَاسِك بشرعية الحكم، وبين رجل الإدارة  السامي والماسك بقَوَامة الإدارة... فرجل السياسة يترأّس الإدارة بمجرد فوزه بشرعية الانتخابات... لكننا نتساءل عن تلك القواعد التي تنظم العلاقة بينهما ؟
   كيف لرجل السياسة أن يوجّه أعمال الإدارة دون أن يتصادم مع رجل الإدارة ؟
  إنّ رجل السياسة أو الوزير إنما يشغل منصبا سياسيا، أي تلك الشخصية السياسية التي ظفرت بشرعية التزكية من مجلس نواب الشعب المنتخب ديمقراطيا... إنه قادم من عالم السياسة.... هذا العالم المعقّد الغامض... ورجل السياسة يحمل تجربة في إدارة الشأن السياسي، وهو مدعوم من أطراف وتحالفات حزبية خارجة عن الإدارة ... وهو إلى ذلك يحمل عادة تحصيلا معرفيا وعلميا في اختصاص محدّد.
   ورجل السياسة إذا ما ترأس إدارة مّا، وكانت تتوافق وتكوينه العلمي، فإن حظوظ نجاحه تكون قائمة وممكنة... في حين أنّ هذا السياسي إذا ما ترأس إدارة معينة لا تتناسب وتحصيله العلمي أو الشهادات التي يتحوّزها، فإنه يعوّل أساسا على قدرته على التوجيه عن بعد دون التدخل في تفاصيل وجزئيات العمل الإداري مراهنا على كفاءاته القيادية.
   في المقابل فإن المسؤول الإداري السامي،  هو شخصية  قد حصل شهادات علمية واجتاز اختبارا في اختصاص معيّن... وهو يرتقي في المراتب الإدارية في الوظيفة العمومية للدولة طيلة سنوات محصّلا معرفة دقيقة بدواليب الإدارة وأسرارها ومناهج عملها وقوانينها... إنه يكتسب شرعية تختلف عن شرعية رجل السّياسة، إنه لم يأت بالانتخاب، وإنما بالمعرفة والخبرة والتجربة. إضافة إلى غلبة شعور نفساني حادّ عليه أن تلك الإدارة قد تحوّلت إلى أحد مقوّمات هويّته كإنسان فرد، هي جزء من انتمائه إلى التاريخ وجزء من ضميره.
   كيف تتحدد العلاقة هنا بين رجل السياسة القادم من حزب، وبين المسؤول الإداري السامي؟


  إن رجل السياسة يجب أن تتوفر فيه القدرة على القيادة، إنه فنّ يُدرّس في بعض الجامعات الحديثة... غير أن تدريس فنون القيادة والسيطرة غير كاف ... لأن السياسي الناجح يجب أن يتحوّز موهبة وتجربة اجتماعية متراكمة تسمح له بالتعاطي إيجابيا مع الإطار الإداري المتنوع داخل المؤسسة.
   وبالتّوازي مع ذلك فإن هذه العلاقة القائمة بين السياسيّ والإداريّ تحكمها جملة من القيم الأخلاقية والسلوكية غير المدوّنة في نصوص قانونية، هي أخلاق من عُرْف الإدارة لأنّ التواصل والإبلاغ وإصدار الأوامر تشترط فيه جملة من الأساليب وأفانين الكلام... إذ أن الوزير مثلا إذا ما اتّخذ قرارا معينا، فإنه يبلغه وفق شروط أخلاقية أساسها العرف الاجتماعي ونواميس الإداري.
   مثل هذا التحليل النظري قد ينطبق على الصراع المرير، بين فقيد وزارة التنمية والتعاون الدولي العادل بن علي، وبين الوزير ياسين إبراهيم ... فقد اتّضح أن الوزير رئيس حزب آفاق تونس لم يتوفّق أبدا في إدارة الأزمة بينه وبين أحد كبار منظوريه... إنها أزمة في التعاطي مع أحد أعمدة الوزارة، لأن الوزير قد خرق حدود هذه العلاقة التي تفترضها علائق السياسة بالإدارة...
   ولم يذهب في حسبان الوزير أن هذه الأزمة يمكن أن تتعاظم لتتحول إلى قضية رأي عام.. وفي ذلك دلالة على الفشل وفقدان الكفاءة في التقدير وفي استباق ما هو ممكن الوقوع. لأنّ رجل السياسة الذي يخطئ في تقدير نتائج الأزمات هو سياسي بلا كفاءة.
   وقد تطور الصدام بين المرحوم عادل بن علي وبين ياسين ابراهيم منذ استيلاء الوزير المذكور على وزارة التعاون الدولي فيما يسمى بالمحاصصة الحزبية أو الحكم بالتوافق... كان رجل الإدارة مقيدا بالقوانين والتراتيب يحمل في جرابه تجربة عميقة بتلك الوزارة... وجاء السياسي يحمل مشروعا، وهو تحقيق مصالح و منافع شخصية وحزبية ومن أجل الاستمرار في المشهد السياسي...


   كان ياسين إبراهيم يفكر من وجهة نظر سياسية ما بين الحب وما بين التحالفات، وكان العادل بن علي يفكر من وجهة نظر المخلص للإدارة وللوطن ملتفتا ظِهْريًّا عن متطلبات تداخل السياسي والإداري والتي تتأسس على قاعدة النفاق والملاينة والخضوع للسيطرة... كان الوزير ينظر إلى  الوزارة باعتبارها شركة خاصة، وكان الفقيد يراها ملكا عموميا.
  هنا اختلف الرجلان، وتتطور الخلاف حين سعى الوزير الآفاقيّ إلى محاولة تغيير مصادر تمويل ميزانية الدولة التونسية. ومصادر التمويل هي جوهر الصراع بين الرجلين.... ولعل الإشكال هنا أن الإداري يكون عادة خاضعا لرئيسه، وهذا ما نفسّر به خضوع سائر الإطار الإداري السامي في الوزارة لسياسات ياسين الآفاقيّ لجهة  الخوف من السّطوة والتنكيل والإقصاء والإساءة....
  وشخصية مدير التعاون الإقليمي لم تكن أبدا خلال تاريخ عمله شخصية صدامية. هو رجل هادئ ورصين وثابت بشهادة كل معارفه ... بيْد أنه قد طَفَح به الكَيْلُ، وبَلغَ به الظّلمُ الزُّبَى، وتجاوز الحزامَ الطُّبْيَيْنِ، في المَثَل السَّائر، حتى غلبه الموت حسرة وكمدا.
   تصدّى مدير التعاون الإقليمي لبعض أوامر الوزير التي قد تضّر بالأمن الاقتصادي للدولة التونسية وبتوازناتها المالية.... لذلك دعاه مرات عديدة إلى التريّث معتبرا أن مصادر جلب الأموال في الدولة التونسية ثابتة منذ عقود، وهي تنتهج سياسة تتحرى عن مصادر أموال ترتكز على تمويلات دولية وحكومية ذات مردودية اقتصادية .... وفي المقابل فإن ياسين إبراهيم كان متسرعا جدا، يريد أن يغير مصادر التمويل إلى جهات يتحكم فيها القطاع الخاص.


   إنه صراع بين الوزير القادم من تجربة ليبرالية متوحشة وأنانية تُؤمن بفكرة الربح الأقصى،  وبين مدير الإدارة الذي يريد المحافظة على قوة الدولة المالية وعلى استقلاليتها عن النفوذ المالي للخواص... هذه هي أحد كليّات الصراع بما فيها من دلالات الأزمة العميقة داخل وزارة الاستثمار والتعاون الدولي، بين المسؤول الإداري السامي، وبين السياسي المُسْتَقْوِي بشرعيّة التّوافق.
    كثيرة هي جزئيات الخلاف بين الرجلين، وهذا ما يستدعي فتح تحقيق إداري وقضائي قد يكون كفيلا بكشف ملابسات الحدث فيما يتعلق بالمالية العمومية وشروط الاقتراض وسياسات الوزير وأسباب خلافه مع مديره العام.
   انتهى الصراع بمأساة حقيقية تحولت في سرعة مُدهشة إلى قضية رأي عام اكتسحت فضاء التواصل الافتراضي واخترقت حُجب الاعلام، لتتنبه الطبقة السياسية إلى حدث لم تعهده من قبل :
   كيف نضمن استمرار الدولة وحصانة الإدارة، في ظل نظام برلماني غير مستقرّ؟
 هذا النظام البرلماني مُهْتزّ تتساقط فيه الحكومات، وسوف يشهد في القادم من الزمن تكوين حكومات وتهاوي حكومات أخرى بصورة متتابعة خلال العقد الحالي، وهي حالة طبيعية تعّبر عن عمق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد والمنطقة عموما.
وهذه الهشاشة السياسية انعكست سلبا على عمل الإدارة التي فقدت قدرتها على التعبير عن وجود الدولة في كل القطاعات والمجالات في ظل تعاقب الوزراء، ولكل وزير حاشية من المستشارين، وكلٌّ يغني على ليلاه.
   كانت خطيئة الوزير ياسين إبراهيم أخلاقية بالأساس حين منع أهل المُتوفِّي من الحصول على وثائقه الشّخصية، وازدادت سرعة التَّهَاوي الأخلاقي حين امتنع الوزير عن حضور مراسم الدفن والتعزية... ثمّ لِيَتَفَاجَأَ هُو وحاشيته بحجم التعاطف الذي لقِيَه المرحوم... وفي الوقت الذي توجه فيه وفد أجنبي رفيع المستوى من البنك الافريقي للتنمية BAD إلى دار الفقيد لتقديم واجب العزاء... كان ياسين إبراهيم مرتبكا ومضطربا، ليس حزنا لوفاة العادل بن علي، وإنما كان مهموما من تداعيات الحدث على مستقبله السياسي... وبلغنا أنه كان مشغولا بالاتصال بوسائل الاعلام المؤثرة والفاعلة من أجل منع انتشار حقيقة الخبر وخلفياته.
   ولم يعلم الوزير أن حركة الخبر الإعلامي داخل الفضاء الافتراضي قد تحوّلت إلى سلطة إعلامية أقوى بكثير من الإعلام التقليدي في قوة التأثير وسرعة الانتشار.... لم يستطع الرجل السياسي أن يحاصر إعلاميا تداعيات الخبر وهو المسؤول عن موت أحد خبراء الدولة التونسية في مجال الاستثمار والتنمية والتعاون الدولي.
  لقد أشرف الوزير الآفّاقيّ بشخصه على قتل الفقيد معنويا وتدميره نفسيا، واقصائه وإهانته لأنه لم يرضخ لنزواته المالية والسياسية ... وهو قتلٌ غير مباشر خاصة إذا ما تأكد عندنا أن الضحية قام بإعلام بعض الوجوه الفاعلة في المشهد السياسي وبعض شرفاء الإعلام وبعض القيادات النقابية بأن سياسات الوزير ستفلس بلدا بأكمله.
  وتحملنا الذاكرة إلى شخصيات في تاريخ تونس زمن البايات ما قبل الاستعمار الفرنسي كانت قد أشرفت على خزينة الدولة التونسية مثل محمود بن عياد ونسيم شماتة ومصطفى خزندار والذين أغرقوا البلاد في الديون وقاموا بسرقة أموال الإيالة وتحويلها إلى بنوك فرنسية ثم حمتهم القوة الاستعمارية الفرنسية.
   مات عادل بن علي... وبقي الوزير ياسين إبراهيم صاحب الجنسية الفرنسية، يشرف على أموال التونسيين... حارسا،  أمينا، شريفا.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire